ليلةٌ سُرِقَ القمر فيها

OLYMPUS DIGITAL CAMERA

وعاد مُصغيا لــ بُكاء السماء

هدوء وسكون في ليلة سرق نصف قمرها، استيقظت على صوت ارتطام المياه بالسقف؛ فأيقنت ان السماء تمطر، لقد كنت في سبات عميق احلم بها ولكن المطر لم يرحم حلمي؛ فقتله قبل أن يكمل عمرـ ستسألني ..وهل للحلم عمر؟!! ولكن هذا سؤال تجيبه بنفسك

 في كل يوم تخرج من باب منزلها متجهة إلى السوق  أتابعها من خلف نافذتي وانتظر في الظهيرة عودتها رغم أنها تعود متعبة ووجهها محمر من شدة الحر لكنها تبقى جميلة…

لم أكن اعرف سبب ترددها على السوق لكن  الأيام كشفت لي حقيقة أنها  تعمل لتعيل أهلها ؛ فهي تبيع ما يصنع والديها  وما يجمعه إخوتها من حطب….أصبحت من المترددين عليها ولكن تبقى نظرتها نحوي (مجرد مشترٍ). امتلأت الخزانة بما اشتريه منها وكلما مررت بها أقول لنفسي علَّ قلبها يحن ويرق من اجلي، إلى أن جاءت أمي وقالت كفاك أفلستنا بهذه الأغراض.

قَطَعتُ ذكرياتي القريبة ونهضت من فراشي وتوجهت ناحية نافذتي  تركتُ بصمات أصابعي على خد النافذة   ثم صعدت إلى العلية لأصلح ما أفسده المطر؛ فلفت انتباهي انفتاح مصراع باب منزلها   هاهي تخرج دون مظلة، تمنيت أن أسير بقربها واضعاً كفاي فوق رأسها كي لا تلمسها قطرات المطر   ما أن خرجت حتى بلل المطر شعرها الداكن   أخذت قطرات المطر تداعب خدها كي تستفزني   وددت لو المس خدها المخملي الذي يُكَسر قطرات المطر ويحولها إلى أجزاء صغير   حينها خطر ببالي أن انزل فأجمع تلك الأجزاء المتساقطة من على خدها؛ ولكنها فكرة أغبى من صاحبها خدها المحمر والمليء بقطرات المطر يشبه تفاحة أصابها ندى الصباح، بالقرب من ثغرها نصبت شامة  زادت من جمالها عبرت الطريق…عادت وأغلقت الباب وراءها وأغلقت أنا عيني.

كل يوم يخطفه الزمان من عمري اشعر بأنه بلا طعم انتظر فقط نظرة منها علَّ هذه النظرة تحقنني مخدراً في وريدي فلا اشعر بجروح الدنيا وآلامها، ما لهذه الأيام تمضي بسرعة فيمضي بنا الزمان فأراني كبرت وبدأ موسم البياض على محصول شعري خطوات حنينه حملت امرأة كبيرة في السن : بني.. لماذا تطاردها،واجه حقيقتك إن كانت تريدك للمحت لك  لذا خلص نفسك  تردد صدى كلمات أمي  خلص نفسك؛ وكأن أمي تخيط جرحي دون مخدر نزلت فخلدت للنوم  ليلة سُرق القمر فيها عدت لأحلم…ولكن في إحدى الأيام التي كنت احلم فيها.

استيقظت، ودون وعي مني توجهت بي قدمي نحو النافذة، وقلبي يخفق بشدة يكاد أن يمزق صدري، حاولت فتح النافذة ولكن أمي أحكمت إغلاقها دون أن اعرف سبب لذلك هرعت إلى العلية؛ فوجدت أن القمر قد سُرق، والظلام يسود المكان، لكن لحظة عجباً أناس يحتفلون ،والقمر مسروق!!  سرت بخطى متثاقلة جداً وأخذت انظر، لحظة، أناس مجتمعين بكل ألوان الطيف، زغاريد عالية، ومصابيح اتخذت كل ألوان الفرح والسعادة  بدله سوداء لا اعرف صاحبها وفستان ابيض لفاتنــــ…. غصة ابتلعت صوتي، إنها هي إنها هي!!  ياااااه… ألم يكن بيننا وعد وميثاق! تباً كان ذلك في حلمي.. ياااه ماذا عساي أن افعل كيف لي أن أعيش بدونها،  دون أن انظر إليها   تباً يا لي من أحمق؛ ليتني جمعت تلك القطرات ووضعتها في قنينة واحتفظت بها، تباً لي. بدأت ابكي  ولم املك شيئاً سوى العودة لاحتضان وسادتي واحتضان أحلام.

مضت بي الأيام  وأخذت ما في خزانتي وقصدت السوق ادعيت أنني أبيع هذه الأشياء، لكنني كنت انتظر عودتها أو مرورها ولو لمرة واحدة بي، تكفي لتسعف جروحي. بعد مضي شهور وأنا افترش الطريق، جاءتني طفلة وقالت بصوت بريء عمي تفضل بعض النقود، رفعت رأسي مبتسماً ولكنني رأيت فيها شيء اذكره، فإذا بها آتية، أبعدت الطفلة عني  وألقت ببعض النقود بقربي  وانصرفت  وعادت السماء لتمطر من جديد !

سبتمبر 2009

وهم الكارما !

karma

إن الاعتقاد بالكارما، جاء من باب العدالة شبه المعدومة في الدنيا كنوع من اراحة النفس من عبء الشعور السيء الذي يثقل كاهل البشر الواقعين تحت نار شرور البشر، الرازحين تحت صخرة الظلم، فالمظلوم أحيانا لا يملك يد حديدية يقتص بها لنفسه أو لمن يحب، فيعول على العدل الدنيوي، وبأن الدنيا ستأخذ حقه قبل يوم الدينونة. فهو أمل وإن كان زائفًا، إلا أنه أفضل من مواجهة الواقع المرير.

نحن ومهما حاولنا استرداد حقوقنا بالنص القانوني، نجد أننا لا نشعر بالعدل التام، ليس لضعف القانون، ولكن لغياب الاقتصاص المرضي والعادل حسب مشاعرنا الفردية، فما يراه القانون عدلا تاما تجاه قضية، يجده الضحية غالبا غير منصف، لذلك لا بدّ من عدل مطلق عاقل يسترد حقك مستنسخا كما تم سلبه منك.

وسميت تلك في ثقافات متعددة بالكارما، فعل الدوران، كما تدين تدان، والحوبة، والدنيا دوارة. نحن اوجدنا هذا العدل العاقل من رحم الدنيا وقانون ليس كقوانين الطبيعة العشوائية، انما قانون بالغ العقلانية متحكم ومنتبه ومصمم وكأنه إله أو ملاك كريم.

مفهوم العدالة مفهوم واسع جدا، وقد يكون العدل أحيانا ظلم لآخر، أو آخرين، كميزان العدل في التصويت، فهو يضحي برغبة ٤٩٪ من أجل اغلبية ال ٥١٪، ولهذا قد يكون العدل في شخص هو ظلم لآخر. خذ على سبيل المثال لو أن أحدهم قتل ابن شخص ما، ثم دارت الدوائر وقتل ابن القاتل، فمن وجهة نظرنا فٱن العدالة تمت، بينما هنالك اساسا قاتلان ومقتولان، وليس قاتل ومقتول وقصاص. وهي المعادلة الأحق. لذا فإن الاعتقاد بالكارما اعتقاد بعدالة ذاتية شخصية منبثقة من رغباتنا الخاصة وليس عدالة عاقلة بحد ذاتها.

يجب الاقتناع بأن العدالة غير موجودة محررة في الطبيعة ومتحكمة و تسير بذاتها، بل نحن اوجدنا عبر المؤسسات والحضارة قوانين؛ تضمن اقل وأبسط جزء من العدالة يمكن تحقيقه في هذا الكون، وعلينا أن نقبل ونرضى بانعدام العدالة، وإن العدالة ليست موجودة إلا عند الله العدل الحكم.

الإنسان يملك قدرة عظيمة على ربط الأمور، عظيمة جدا تفوق حتى قدرته على ادراكها، لو أن شخصا عاير أحدهم، وبعد فترة تلبسه ما كان يعاير به الآخرين، فإننا ومباشرة سنقول أنه بسبب معايرته أصيب بها، والأمر لا يتجاوز كونه صدفة قابلت قدرا، فالصدفة أنه تحدث، والقدر أنه كتب عليه ذلك مسبقا، ولو أنه لم يتحدث، لما القى أحدهم بالا له. وقس ذلك على كل ظنونك وامانيك. وحدثني، كم مرة التقت الصدف بالاقدار!

ما الذي يحدث هنا إذا!

غالبا يقال: وقع في شر اعماله، أو حفر حفرة لأخيه ووقع فيه. فإن الإنسان ومن فطرته حب الخير، وينازعه الشر بقدر ما تم تغذيته بخير بشكل عكسي، كلما زاد الخير فيه قلت منازعة الشر له. لذا وحين يصنع أحدهم شرا بأحد، يحمله دافع الغضب والانتقام، والذي يعميه غالبا عن الصواب والمنطق، فتجده يصنع الضرر دون أن ينظر للطريق، للشخص، وللمكان.

مثلا، شخص دخل شارعا دون أن يبالي بالسيارات لأنه مستعجل وتسبب في ارباك حركة السير بتهوره، ولأنه مستعجل جدا، ويسير بسرعة وفي ذات الطريق يخرج أحدهم إلى الشارع فيلتقي به، ويسبب له حالة الارباك نفسها التي سببها للآخرين. لو لم يكن مسرعا، لخرج الآخر دون أن يزعجه أو يتسبب بتعطله، ولأن عقل الإنسان يحب الربط بل ويعشقه، فهو بطبيعة الحال سيربط بين تصرفه وتصرف الذي خرج أمامه فجأة، فيشعر أن هنالك رابط حقيقي.

وقس على ذلك كل تصرفاتنا البشرية، لذا، الشر يتسبب في توترنا، لأننا غير راضيين عنه، او منفعلين به، ولذا نقع في شرورنا. السارق كلما مارس السرقة زادت احتمالية الامساك به، القاتل، كلما زاد قتله واجرامه، كلما زادت احتمالية وقوعه ضحية البيئة التي يعيشها، رجل المافيا، تاجر المخدرات، وكل مجرم يبقى ضحية البيئة التي القى نفسه فيها، ولا ننسى أهم قضية وهي إرادة المجتمع، فالمجتمع يرغب في خلق العدالة وصناعتها، ولهذا تجد الإنسان ينتقم من صاحب الفعل والظلم بالقدر الذي يمكنه فعله، ويقع المجرم في انعكاس شره، وهو هذه الإرادة العظيمة لدى المجتمع في استرداد الحقوق.

لو أنك لم تسخر من شخص بشكل علني، لما ربط الناس بين ما اصابك وبين ما سخرت منه، وبين من أنكر عليك وبين من تنمرت عليهم. الكارما ليست سوى قدرتنا على الربط الذي يعيد لنا الطمأنينة التي نحتاجها.

اذا، أين الملجأ !

الملجأ هو تطور وعي الإنسان وإدراكه لسن القوانين التي تضمن له عدالة مجمع عليها تضمن عدم وقوعه في الظلم حتى ينتظر عدالة دنيوية أخرى، حتى لا يحتاج لتلبس حالة الانتقام والكراهية، وما هو أهم منه هو الإيمان بأن الله عادل سيأخذ حقنا بالشكل الذي ليس إلا عدالة مطلقة في حكمه وكتابه ولا عدل أعلى من عدل الله يوم يعدل بين الخلق.

أدب الندم !

28378785_10155999177400446_660591033870003216_n

الندم، شعور يقتحم الإنسان حين ينظر لما افتعله وأوجده من اشكالية حلت به وسلبت منه احساسه بالراحة تجاه قراره أو قراراته، خليط من الحزن والكآبة والأسى والقهر والألم، هذه الحالة التي تمر بك، بعد أن تكتشف أن خياراتك لم تكن موفقة تجاه شيء ما. هو شعور لا يحتاج لمدة زمنية، قد يكون شيء لحظي، فور اقتناءك لشيء أو بيعك له، فور زواجك أو بعد طلاقك بسنوات.

يتعاظم شعورنا بالندم حسب الخسارة التي حلت بنا، وقد يرتبط الأمر برأي الناس أحيانا، تكون سعيدا بخيار ما، فتحل عليك لعنة الآراء التي لم تطلبها اصلا، بشع، صغير، باهظ، رخيص.

شعورك بالندم على تفويت الموعد ببضع دقائق أكبر منه عند تأخرك عنه بما يزيد عن ساعة، لأنك ترسم كل الاحتمالات التي كادت أن تمنحك تلك الدقائق المطلوبة. وكلما زادت احتمالات انقاذك للموقف، كلما تعاظم شعورك بالندم.

حين يراودنا شعور الندم، نود العودة بالزمن لتصحيح أو تغيير خياراتنا، صحيح أن ذلك غير وارد، ولكن لو عدنا، فإننا لن نغير شيئا، فنحن نتعلم من ندمنا الدرس الذي يجعلنا نعتقد بأن خيارنا الآخر أكثر صوابا، فإن عدنا بالزمن، وإن افترضنا أننا غيرنا خيارانا، فإن شعورنا بالندم من الخيار الأول سيتلاشى من ذاكرتنا، وتجربتنا ستكون وكأنها لم تمر بنا اصلا، وعندما نعود للحاضر، سنتمنى العودة بالزمن لتغيير خيارنا لاعتقادنا أن الخيار الآخر هو الأفضل لمستقبلنا، وهذه هي متناقضة الخيار الآخر.

لا يمكنك التخلص من الشعور بالندم أبدا، وهذا ما لخصه الفيلسوف سورين كيركيقارد في كتابه: اما/أو: تزوج وستندم، لا تتزوج وستندم ايضا، تزوج أو لا تتزوج ستندم في كلا الحالتين، صدق زوجتك وستندم، لا تصدق زوجتك وستندم أيضًا، صدقها أو لا تصدقها، ستندم في كل الحالات. ولأننا نظن أن الضفة الأخرى من النهر دائما أكثر اخضرارا، لهذا نندم.

في تصويت على تويتر قمت به، كان ندم الناس على العلاقات والصداقات والخيار الأكاديمي أكبر من التربية والوظيفة، ليس لأنهما أقل أهمية بالطبع، بل لأننا لا نرى نتائجها بسرعة كما يحدث مع العلاقات والمجال الدراسي، فالتربية كمثال لا نرى نتائجها إلا بعد عقود أو سنوات عديدة من الزمن، وكذلك خيار الوظيفة، وذلك لأننا نتعلم أخطائنا من نتائجها وحسب.

نحن نستطيع النظر للماضي، ولكن لا يمكننا استشراف المستقبل، وهذا ما يجعل من المستحيل أن نصنع خيارات لا نندم عليها، ولأنه أيضًا لا يوجد قرارات مطلقة الصواب. لهذا حاول أن تأخذ الدرس وتتعلم منه كيف تتعامل مع مواقف مشابهة بحذر أكبر وتفكير أكثر عمقًا، حتى يقل شعورك بالندم على خياراتك القادمة، لأنك دائما ستخطئ التقدير. وكلما ازدادت معرفتك وتعمقت تجربتك زاد احتمال شعورك بالندم، لأننا لا نندم، إلا حين نتعلم.

الفضيحة والفضيلة

DSC_7050_preview

كلنا نختبئ خلف حاجزنا الورقي المسمى بالفضيلة، وما أن يمزق ذلك الحاجز حتى نطفق خصفًا من ورق التبريرات التي نستر بها ما انكشف، هذا الحاجز نخفي وراءه كل عيوبنا، كل أسرارنا، كل نزعاتنا ورغائبنا التي نحاول سترها ليل نهار بكل ما أوتينا من قوة ومن رباط الخير، لا أحد لا يملك خطيئة، أو عيبًا لا يريد لأحد حتى الله أن يراه. وهذا الافتضاح الذي يحصل بإرادتنا أو دون ذلك يعتبر فضيحة، أيًا كان الشخص وأيما كان المجتمع الذي فيه والذي يحدد شكل الفضيحة وحجمها.

في البدئ يجب الفصل بين الفضيحة الجنسية، والفضيحة كمفهوم عام أي ما يحاول الآخر إخفاءه من عيوب. مطاردتنا للفضيحة الجنسية لا يقارن بباقي الفضائح، فهي تعيد رسم خيالاتنا ورغباتنا، فأحيانا نتمنى أن نكون برفقة هذا الشخص، ومعرفة تجربة الحب معه، وملاحقة هذه الفضيحة تتيح لخيالنا الفرصة بأن نجنح قليلًا من الخيال التام، إلى الخيال المربوط بحقيقة مرئية وشبه ملموسة، فمطاردتنا لها دافعها اللاواعي، وهو أحيان الرغبة الخفية. ليس بالضرورة تلك الرغبة مرتبطة بشخص تحبه، أحيانا بالمشهور أو قالب الشهرة بحد ذاته، فهو بعيد المنال غالبًا، وهو يبدو أكثر جاذبية من غيره بسبب هذا البعد الكوني الذي خلقه حشد من المعجبين والمتابعين. جانب آخر وهو بحثنًا عن تلك التفاصيل التي تخفيها الثياب والأخلاق، فهي لا تظهر لنا الجانب الآخر من الشخص، الجانب الذي قد لا يدركه إلا أقرب المقربين، وهي نزعة من فضول لا يؤمن بالقيود

نحن نحب الفضائح، بل أكثر من ذلك؛ نحن نعشقها، نحب أن يكون الآخر دائما متاحًا، دائمًا معيوبًا، لا نحب ما نراه منه عبر فضائله وحكمته وإحسانه، لا نحب ان نراه خلف نجاحاته ومقابلاته وانتصاراته، فنحن نحاول أن ننتصر على عقد نقصنا بهذا الشكل أحيانًا، وأحيانا أخرى نود أن نشعر بأننا طبيعيون، نخطئ كما ذلك الذي بنينا له تمثالًا في أذهاننا، على الرغم من أنه لم يُطلب منا ذلك، يبدو دائمًا البقاء في الجانب الآخر سهلًا، حيث يمكنك أن تلقي أحكامك على الآخرين، وتتفرد بسلطتك التي تظنها وهبت لك حال وقوع الآخر في خطأ.

ربما تشعرنا الفضيحة بأننا أفضل من الآخرين -وإن لم نكن كذلك- وأننا أكثر استقامة وكمالا، نحاول أن نجد طريقة لهدم الصرح الذي بناه هذا الممثل أو تلك الفنانة وهذا المقدم، قد نظن أن سبب فشلنا هو نجاح هؤلاء، فلو منحنا ذات الجمال، ذات الصوت، أو حتى ذات الكاريزما لربما كنا مكانه، نحن نكشف ونفضح أنفسنا في خضم هذا السعي عن عدم رضانا الداخلي، عن حالات انهزامنا أمام الحياة التي نظنها لم تنصفنا كفاية، وانصفت كل هؤلاء.

اما الجانب الأبرز في القضية هو الفضول، الإنسان يحب أن يعرف، أن يعرف عما يخصه وما لا يخصه، والفضيحة تبدو مادة مثيرة للانتباه، لمدى الأثر الذي تسببه تلك الفضيحة، لأنها تؤثر على الشخص ومن حوله، وتغير حياته أحيانا بشكل تام، وهذا يخرجنا من الأحداث الروتينية إلى حدث مُغرٍ، وهذا الفضول نفسه يدفع الناس للتلصص والنظر عبر نوافذ الآخرين.

الفضيحة تساعدنا أحيانا في تفادي الافتضاحات، والتفكير في كيفية التعاطي مع الفضيحة في حال كنا مكانه، وما يدور في عقل المتلقي للفضيحة عدى تمنيه ألا يكون مكانه، هو التحليلات والتخمينات والمخارج التي يبحث عنها لينأى بنفسه عن ما قد يحدث الفضيحة، أو يهذب تصرفاته بحيث يتخلص من مسبباتها. الفضيحة تبدو ورغم خطورتها، موضوعًا مثيرًا يصلح للدردشة، مهمًا يصلح للنقاش، مسليًا أحيانا، يصلح للضحك وإلقاء النكت.

دعنا لا نكن مثاليين بعض الشيء، ولنكن أناسي، لست بالضرورة شخصًا سيئًا حين تبحث أو تصغي باهتمام إلى فضيحة، أو تناقشها، كل ما في الأمر أنك إنسان، ربما كل ما في الأمر أنك تود أن تعرف، وإن لم تكن مهتمًا بالفضيحة، ولم تبحث أبدًا عنها، أبدًا أبدًا…. اقترب لحظة، انظر في عيني، آه صدّقتك الآن، يبدو أننا بحاجة لنسخ عديدة منك، أو ربما ببساطة، نحن بحاجة لأن نتعلم كيف نتعاطى مع الفضيحة، ألّا نحولها لموضوع نقاش، ألا نشارك ما يصلنا مع الآخرين، فقد نكون يومًا ما بين زوايا المستطيل الذي يسمى بالهاتف، يتبادلنا الناس، ينظرون إلى سروالنا الذي تمزق، ورسائلنا الغرامية التي تسربت، وصورنا المضحكة التي نحتفظ بها دون أن ندري لمّ نفعل ذلك، حينها سنتمنى حقًا، لو كان العالم كله فاضلًا مثلك، لا يشارك فضائحك، لا يحولها لنكتة، لا يلوح بها لك، كلما وقفت على المسرح لتقول شيئًا مفيدًا للآخرين، ليذكرك بأنك ملطخ بالخطيئة التي لا يمكن للزمن أن يغسلها، وحينها فقط، قد تتمنى لو أن الأرض انشقت، أو السماء انفطرت، أو أنك كنت نسيا منسيا. وتذكر فقط، أن حرفًا واحدًا يصنع الفرق بين الفضيلة والفضيحة، حاول أن تتجنبه قدر الإمكان، وستجد حرف الحاء يطاردك في عين حاقد وحاسد، فتجنب أن تكون أحدهما.

غرق

26198291_10155822254305446_4678631683942533452_o

 

ظننت أن قرار انتحاري للهرب من حياتي كان قرارا جيدا بما يكفي. كنت اخطو إلى الداخل نحو الشمس لنغرق سويا، جمال الغروب جعل أضفى على رغبتي كثير من النعومة والجاذبية. كنت انظر من خلف كتفي أثناء سيري البطيء، كان كل شيء يصغر رويدًا رويدا، الناس والشجر والصخر والأرض التي تبدو أقل استقرارا من دواخلي. كم يبدو العالم أكثر أمانا من بعيد. حين وصلت للبقعة الداكنة من هذا البحر الهادئ، اندفعت وحررت جسدي مستقيما، كانت أول ثوان لي هي أفضل اللحظات التي عشتها منذ ولادتي، كل الضجيج الذي بداخلي صمت فجأة حين صرت تحت الماء، اسمع صوت حركة الماء من حولي، واشعر بجسدي يهبط متحررا من كل ثقل، راودني شعور أعادني طفلة إلى رحمي الأول، و أعاد الصوت الحياة إلي رويدا رويدا، رغم أنني هاربة إلى الموت. استحضر وقبل أن أفرغ الهواء الذي بداخلي كل حالات الفشل التي عشتها كل اللصوص الذين سرقوا مني طفولتي ومراهقتي ولم يشبعوا حتى طاردوا شبابي، وأخشى أن يفعلوا ذلك حتى هرمي، ولو كان بيدهم لفعلوا ذلك حتى في قبري.

كان شريط حياتي يمر أمامي ببطيء الغرق الذي امارسه، كنت أود لو تنقضي هذه اللحظة أسرع مما ينبغي، من سيبالي بموت عورة، الكل سيشعر بالراحة، فهم لا يمارسون طغيانهم عليها لخوفهم عليها، بل لخوفهم منها، هم يخافون أن تمارس الحياة كما تحلو لها، تتخذ قراراتها، تصنع ذاتها، تجلب لهم العار والفضيحة، هذه هي مخاوفهم وهلاوسهم، هم يريدوننا فتيانًا حتى ما إذا مارس الحياة كما تحلو له قالوا “هو ولد شايل عيبه” أما نحن فالعيب هو من يحملنا كما يبدو، منذ النطفة الأولى وحتى اللفظة الأخيرة. لو كان خوفهم علينا هو وقودهم، لما كنا نحيا حياة المعتقلات المقتولات. لا أدري ماذا كان سيصنع والدي لو علم أنني أحب ابن جارتنا، وأنني أحلم كل يوم بأنه يقبلني كما في قصة الأميرة النائمة، أو أنني حاولت الخروج وحدي عدة مرات لأسير قليلا في متنزه المدينة لأنني سئمت البقاء بين حيطان البيت التي لا تجيد سوى فضح وحدتنا. لا أدري ماذا سيفعل أهلي لو رفضت الزواج من ابن عمي الذي يفصل بيننا عمر وكأنه قرن.

لن استطيع أن احصي عدد المرات التي كنت اضطر أن افرق بين ساقيَّ حتى تتأكد جدتي من أنني لا زلت فتاة، وأن جارتنا اللعينة التي اتهمتني بما يسمونه شرفي كانت تكذب كعادتها. لن احصي كم مرة نهرتني أمي لأنني وضعت عطرًا، أو ظهرت شعرة متمردة من تحت حجابي دون علمي قبل أن ابلغ الخامسة عشر من عمري. أو حين ظهر ساعدي عندما رفعت يدي لأنزل شيئًا من رفوف الدكاكين. لكن يمكنني أن أحصي كم عدد العباءات الملونة أو المطرزة التي اشترتها لي أمي… نعم صفر، كانت كل عباءاتي عبارة عن قطعة قماش سوداء فقط، لا أدري هل يمكننا أن نرتدي على الأقل لونا أقل تشاؤما منه، أم مكتوب علينا أن نرتديه فقط في قبورنا!

وحين ظننت أنني افر من كل هؤلاء إلى زواج يأخذني بعيدا عن هذا النحس الذي لازمني وتلك المعارك التي خاضتها روحي التائهة داخل هذا الجسد المضرج بالجروح والندب والكدمات، وجدتني احيا بذات الحظيرة، من أسرة تعاملني كحيوان إلى زوج لا يقل عنهم صفة من الحيوانية، خرجت من معتقل سياسي إلى معتقل انفرادي، حيث القانون والأعراف تمنحه حق التسلط والتنمر والحبس والحرمان، كنت افكر كثيرا بهذا المهرب، ولكن كنت أتردد مرارا وتكرارا، حتى ادركتني مشاعر أمومة طائشة همست لي أنه وربما يكون ملاذي الأخير هو صوت بكاءه، وضحكاته التي لا يفهمها بعد، فقررت أن أحمل وانجب طفلا أو طفلة، يملؤون علي مماتي ويعيدونني إلى الحياة.

حبلت ذات ليلة مظلمة كان يتصنع هو فيها الحنان والاهتمام والرعاية، أظن أن كل ما كان يبحث عنه هو أن ينادى أبو فلان، لم يكن يفكر أن حملي سيجلب له أخرى تشبهني، يحاول تقييدها كما فعل معي، البسي، كلي، لا تخرجي، سأضربك إن لم تستمعي لي، ويعيد نسخ تجاربي من جديد في قالب يشبهني بل هو قطعة مني، وكأنني أورث مأساتي وعذاباتي. كان وجهه ممتعضا وكان يحاول أن يرغم شفتيه ع الانفراج بشكل مزيف، وما أن سمعت صوت انغلاق باب البيت بعد أربعة أيام عشتها في حضرة ملائكة الرحمة بلا أبواب، دلف إلى غرفته من حيث لم يغادرها، وحملت ع عاتقي مسؤولية طفلان، هو أحدهما، اطبخ واكنس واسهر وارضع، بالكاد أجد وقتا للراحة، كان فقط يتنكر بزي الأبوة حين يمر بنا ضيوف كرام، ثم يمسح تنكره ما أن يخرخش الباب.

بدأ جسمي يقاوم الفكرة، ويحاول أن ينتزع مني فمي ليسحب نفسًا، وبعد مقاومة لم تطل، حررت فمي له، بل وكل جسدي، بدأت انازع الموت، وعقلي يعبث بكل أطرافي، شعرت برعب كبير، ما الذي ينتظرني في الضفة الأخرى، مر شريط آخر بحياتي، كانت بدايته دنيا، ابنتي، ولم تكن له نهاية، تذكرتها وكأنني التقيت ذاكرتي للتو، كان لليأس سطوة أكبر من أن يجعلني اذكر أو أرى أو حتى أفكر، تلك اللحظة الوحيدة في حياتي كلها التي تمنيت فيها حقًا أن أعيش، قاومت بكل قوة ونازعت بكل ما بقي من روحي المغادرة، رأيت ضوء أبيضًا، علمت بأنني سلمت نفسي، لم اعتقد يومًا أن الموت مخيف هكذا، الموت بحد ذاته ليس مشكلة، لكن السؤال الذي لا يجد الإنسان إجابة شافية له هو: أين سيذهب بعد الموت، فالعدم شيء مربك، رغم أننا جئنا منه، لا نستطيع أن نتصور الأبدية، ويستحيل علينا فهم العدم، ماذا بعد الموت، هل ينتظرنا حساب وعقاب، هل ينتظرنا بعث جديد، هل سيفتقدنا أحد، هل سيرثينا أحد، كيف سيحيا من نحب، وكل ما فكرت فيه في تلك اللحظة أمنية واحدة، أن أرجع، لأنني كنت أنانية بملاحقتي للموت ظنا منه أنه نهاية لمأساتي وحل لمشاكلي.

سمعت أصواتا كثيرة، بعضها يردد غطوها غطوها، وأخرى هل تتنفس؟ لم اشعر بأطرافي، ولكنني شعرت برغبة ملحة بأن اسعل، وبعدما فعلت، افقت ووجدتني ممدة عند الشاطيء، والنسوة من أهلي يحيطون بي، ينتظرون عودة زوجي ليذهب بي إلى المستشفى، بينما دنيا تبكي عند رأسي. مددت يدي نحوها واحتضنتها بما ملكت من قوة، وهمست لها: دنيتي، أنا اعتذر منك، كنت أنانية في قراري، سأفعل كل شيء، سأحارب كل شخص حتى لا تقاسي ما قاسيته، ستكونين حرة في مملكتي، سأكون قوية من أجلك، ومن أجل جيل يأتي من بعدك تخرجينه من سجوننا المقيتة، وتفكين أغلاله، دنيتي، كنت جبانة، وظننت أن الحل في الموت، ولكنني كما يبدو الحل في الحياة، ربما لن تفهمي كلامي الآن، ولكن ستتذكرينه يوما ما.

وهذا ما قالته لي أمي، أمي التي تعلمت منها الكثير، وبسببها ها أنا اليوم أقف أمامكم لألقي هذه الكلمة: قالت دنيا لجمهور الطلبة والآباء في حفل التخرج بشهادة الدكتوراة.

دعيني أخبرك بسر!

26060318_10155809463350446_4788323466595308592_o

كنت أشاهد أحد الأنمي المفضلين لدي، أكاديمية الأبطال، وفي أحد المشاهد المحورية والمؤثرة، همست عيني ببعض الدمع في نفس اللحظة التي دخلت فيها زوجتي الغرفة، حاولت إخفاء الدمع ولكن دون جدوى، ما كان من زوجتي إلا أن أتت من خلفي وأخذت تمسح دموعي وهي تبتسم وتقول “علمت من الخلفية الموسيقية أنك ستبكي هنا”، ابتسمت وقلت لها اجلسي هنا دعيني أخبرك بسر.

كان ذلك السر هو نظرتي الشخصية وراء الأسباب التي تدفعنا للبكاء أو التأثر بشدة لمشهد ما.

في مشاهد الأفلام والمسلسلات وحتى القصص التي نقرؤها قد نتأثر، نحزن، أو في حالات التعلق العظمى نبكي، نبكي لأن المشهد حزين، والموسيقى مهيئة للحالة النفسية القادمة، ولأن النص يحكي بتفصيل يجعلنا ندهن لوحة المشهد الدرامي المحبوك بعناية، غالبا يبكي الناس عندما يتعلقون بشخصية، أما أولئك الموتى على هوامش النص أو المشهد فلا تربطنا به علاقة وطيدة حتى يتسنى لنا أن نعيش اللحظة، بل وجهاز التحكم بمشاعرنا موجودة لدى المؤلف أو المخرج، يسلط الضوء على الشخصيات التي تساهم في ذلك الرابط الخفي الذي نكونه مع الشخصيات الوهمية التي تؤدي الدور.

غالبا يظن الناس أن تأثرهم بسبب حزن المشهد، ولكن هذا فهم عام وسطحي بعض الشيء، فليست كل المشاهد الحزينة مستفزة للدموع، ربما التعاطف غالبًا، ولكن الدموع لا تنهمر بسهولة في تلك المشاهد، وما يجعلنا حقًا نبكي عدة أمور نسردها منفردة.

مجمل حالات تعاطفنا وتأثرنا يكون مع شخصيات محورية جاهد الكاتب في ربطنا بحياته وتفاصيله حتى أصبح بيننا وبينه علاقة حميمة وكأنه صديق أو فرد من أسرة أو حتى حبيب سري. وأي شيء يصيب تلك الشخصية يستحث بكائنا ودموعنا وتعاطفنا. ودعنا نسميه، العلاقة العاطفية الوهمية مع الشخصية.

يأتي في المرتبة الثانية، استعدادنا العاطفي للتأثر بالمشهد، فقد نكون بحاجة للتعبير عن أحزاننا ولكننا نفشل بجدارة في اخراج تلك الكومة الكبيرة من المشاعر، فنحن معتادين على الكتمان والتجاهل وعدم إعطاء الحزن حقه وكفايته في حياتنا، وحين يمر من بين أطراف رموشنا مشهد حزين، فإننا نخرج ما نظنه تأثر بالمشهد، وكل ما في الأمر أننا نخرج تلك الأحزان التي لم نمارس البكاء معها.

في عصر التكنلوجيا والسرعة والمال، تضيع مشاعرنا بين حزمة العلاقات المادية وعلاقات المصلحة حتى بين أفراد العائلات والأسر، مما يفقدنا كثير من المشاعر الإنسانية، والمحبة والمودة والحنان وكذلك الشاعرية، تلك المشاعر المكبوتة والمحبوسة في زنزانة الجفاف العاطفي تبحث عن مستقرها ومستودعها، والذي غالبا لا تجده، فيجد المرء نفسه تائها روحيا، لا يدري ماذا يفعل حتى يفرغ تلك الكمية من المشاعر، أو كيف يمارسها، ولا يتأتى له إلا عبر الشاشة أن يعيش تلك المشاعر لتستفز وعيه واللاوعي بداخله، فتجده يبكي ويحزن ويحب ويصرخ ويشجع ويتعاطف مع المشاهد والشخصيات والمواقف، فممارسة المشاعر الوهمية أفضل طريقة لحياة نفسية مستقرة، في عالم المصالح والمادة.

وأخيرا وليس آخرًا، وهو أهم نقطة لا يشعر بها الناس، وهي الرابط الواقعي بين المشهد وحياتنا الشخصية، من حالات الخذلان والخيانة، لحظات الإحباط والحاجة، ومشاهد الحياة التي تشبهنا إلى حد ما. نحن نبكي حين يكون المشهد مرآة لحالاتنا الشخصية، وتراكماتنا النفسية العميقة، وشعورنا بأن هنالك أمل قابع في ركن ما، شعورنا بأننا لسنا وحدنا من يعاني، لسنا وحدنا من يحمل وجعًا، لسنا وحدنا من يحمل جرحا أو ندبة عميقة، ولأن هذه المشاهد تقتحم العمق في عقلنا اللاوعي أكثر من عقلنا الواعي، فإننا نبكي أحيانا دون أن ندري أننا وفي العمق نبكي على أنفسنا التي نراها متمثلة في فلم سينمائي، مشهد أنمي، أو حتى رواية.

لذا حين تجد أحدهم يبكي على مشهد، لا تسخر من مشاعره، فأنت لا تعلم حقًا ما يوجد في العمق، ولكنك تعلم الآن أن في العمق ربما توجد شخصية هشة، أضعفتها الحياة، ولم تجد متسعًا سوى تلك الشاشة لتفرغ فيها تلك الحجارة عبر محجريها. وأننا حقًا بحاجة لأن نتذكر دائمًا أننا كنا ولا زلنا بشرًا ولسنا مجموعة حجارة.

المنبه الذي لا يرن

22491486_10155623227045446_2779728727379722435_n

إنها الثانية عشر منتصف الليل، يحصل يوسف على وجبة العشاء، وهي عبارة عن زجاجة حليب، يتهجى النوم على وسادته الصغيرة حتى ينام، يحاول الثرثرة، وكل ما يخرج من فمه هي محض أصوات يحاول تلحينها حتى ينام.

لأكسب بعض الوقت اتناول زجاجات الرضاعة لأغسلها، صدقني لن ترغب في غسل زجاجة مخصصة لتقليل الغازات، ففيها الكثير من القطع التي عليك أن تدخل فيها أنواع مختلفة من فرش التنظيف. عيني تراقب الساعة حتى لا تفر بالوقت، ادس الزجاجات والقطع في جهاز التعقيم، اضع الماء في الغلاية، اجهز سريري واتمدد.

اتذكر أنه يتعين على ضبط المنبه على الوقت المحدد، اضغط على زر التشغيل، وأكاد اقسم أن الجهاز اللعين يسخر مني حين يظهر لي ما تبقى من وقت ليرن المنبه، ساعتان وأربعون دقيقة، إن الوقت لا يجامل أحدا. ارفع كفي إلى السماء وادعو أن ينام هو بشكل جيد حتى يتسنى لي أن أنام بشكل أقل من جيد.

استيقظ مفزوعًا، اطل عليه، إنه نائم، هو فقط يصدر اصواتًا، اضع يدي قرب انفه، إنه يتنفس الحمد لله، اعاود النوم، وبعد ساعة اسمع صياحا متقطع، ارفع يدي من تحت الغطاء متمنيا أنه لم يستيقظ بعد وأن هذه اضغاث أحلامه الصغيرة. يتحول الصياح المتقطع إلى بكاء متصل، انهض مثقلا بسهر الأيام الماضية، أمضي نحو المصباح وأصنع به عكس ما اصنعه بجهاز التكييف.

اخرج الزجاجة وبالملقط احشر القطع في بعضها، اغلي الماء، احضر الثلج، ابرد بعض الماء الجاري وأضعه في كأس أحشر فيها الحليب ليبرد، الصياح يتعالى، اهرع لأحمله حتى يسكت، اتناول الحليب بعد ان فتر، احمله واضمه إلى صدري، وأرضعه من الزجاجة، بينما يتردد على نظري ضباب النعاس.

الممرضة قالت: دعه يتجشأ حتى لا يتقيأ، هكذا انظر. عملية صعبة، ضمه إلى صدرك ورأسه على مستوى كتفك، ربت على ظهره، واقسم بالله أن التربيت ليس جزء من العملية، ولكنني تعودت على ذلك لأوهم نفسي أنها أسرع طريقة لجعله يتجشأ، الوقت يمضي بسرعة خيالية، وبعد أن يفرغ من زجاجته، اضعه في مهده واقوم بتغطيته ثم اجلس لادردش معه، لا يبدو أنه يريد النوم ما الخطب يا ترى. انظر إلى الساعة، إنها الثالثة والنصف صباحا!

حبيبي متى ننام، أنا متعب جدًا، أتذكر شيئًا، علي تغيير الحفاظ، وقبل أن افكها، ارفع كلتا كفي إلى السماء، ثم أهمس له وأقول لا تقل لي أنك فعلتها ! هذا ليس الوقت المناسب لأسوأ مهمة، لست مستعدا لذلك يا حبيبي، وللأسف، يبتسم هو معلنا أنني في ورطة. انظفه واضطر لاعداد كمية صغيرة من الحليب حتى ينام بها.

اضبط المنبه كل ثلاث ساعات كما قالت الطبيبة، إنها عملية شاقة جدًا، بالكاد يمكنك أن تقضي منها ساعتين، لأن الساعة الأولى تنقضي في غسل الزجاجات وتعقيمها، وفي استيقاظه قبل منبهك بالطبع، ينقضي المساء وبالكاد حصلت على ثلاث إلى أربع ساعات من النوم المتقطع، كأنك تحمل شطيرة، تتناول منها قضمة كل ساعة، فلا أنت شبعت، ولا أنت استمتعت، وتبقى أمام خيار واحد، أن تقرر النهوض والاستحمام لتطرد النوم متمنيا أن يكون نوم الغد أفضلا حالا من اليوم.

وينقضي النهار بنفس الوتيرة، ولكن استبدل النوم بقضية أخرى، الكتابة، القراءة، مشاهدة التلفاز أو حتى النوم… الخ

آه نسيت أن أخبركم، زوجتي سافرت لتقدم امتحانات نهاية السنة، وأنا الآن في نهاية الأسبوع الثانية منذ استلامي العهدة الكاملة لرعاية ابني يوسف، الآن فقط فهمت معنى الأم الحقيقي، معنى أن تسهر أمك وأنت نائم، معنى أن تتعب وأنت مرتاح، معنى أن تقلق وأنت مطمئن.

الآن فقط فهمت لماذا لا يستطيع أغلب النساء أن يعتنين بأنفسهن، لماذا لا يملكن الوقت للقيام بمهام أخرى سوى الرعاية، لماذا مزاجهن متعكر، لماذا أجسادهن منهكة، أنا انقطعت عن الكتابة والقراءة والخروج من البيت، فلا يمكنك أن تنظم وقت الأطفال، فالأطفال كائنات عشوائية، لهذا لا تظن أن بإمكانك تنظيم وقتك، فهم وقتك ومنبهك الوحيد.

اعتذر لجميع المتابعين عن الانقطاع، ولكن حقا قلة النوم مأزق كبير، ودور الأم أعظم من أن يتقمصه رجل.

هنا وصلة لمقال اشكالية النوم، مرتبط جزئيا بهذا المقال

https://altaye6.com/2017/10/06/sleepingprob/

لماذا تفشل علاقاتنا

22550472_10155615138395446_4375303614313961386_o

العلاقات والمعارف هي هدف الإنسان الدائم في الحياة، فهو كائن مفطور على المشاركة والتفاعل والحب، ومن دون الآخر الإنسان لا يمكنه أن يعيش، وسيبحث بطبيعة الحال عن شبيه له، حتى لو كان ذلك الشبيه شيء مختلق من خياله. استحضر في هذه اللحظة الكرة التي كان يصادقها بطل فلم castaway والتي أسماها بويلسون. تلك الكرة التي كان يدردش معها ويشكو لها ويصطحبها أينما ذهب وارتحل ويحاول استشارتها وحتى اطعامها، رغم عدم تجاوبها معه واستحالة ذلك -إلا في عقله طبعا-. وذلك حتى لا يصبح مجنونا لاتساع بقعة الوحدة التي يعاني منها بطل الفلم.

الذكاء الاجتماعي مصطلح جديد يصف مدى قدرة الشخص على التعاطي، التنقل والتفاوض في العلاقات الاجتماعية المعقدة والبيئات المختلفة بفاعلية، لكن كون الشخص ذكي اجتماعيا، لا يخوله ولا يمنحه القدرة المطلقة للمحافظة على العلاقات، إنما على فتح وتكوين علاقات جديدة بالأصح؛ فلماذا ومهما بلغنا من مهارات اجتماعية، نخسر علاقات كثيرة كلما مضينا قدمًا بأعمارنا؟ الإجابة الأقصر! لأن حالاتنا البشرية متغيرة ومتقلبة سواء من جهتنا نحن أم من جهة الآخر الذي نحاول التمسك به.

في كل مرة تقابل أحدًا ما، لن تكون حاملا ذات الأفكار والهموم أو حتى المشاعر، وهذا ما يجعلنا أو الآخر نرسم الكثير من الخيالات حول سبب تغير هذا الشخص، ربما غاضب مني، ربما لم يعد يحبني، ربما ازعجته، ونبدأ بوضع كلماته وجمله وحتى تنهيداته على طاولة التحقيق، نحاول أن نفكك كل جملة، وأن نحلل كل عبارة، ما يضعنا في موقف دفاعي جدًا يؤهلنا لتعكير صفو اللقاء، وقد نحمل تلك الأفكار معنا إلى البيت حتى السنة القادمة من التفكير، وقد يستحيل الأمر في أفضل الحالات إلى سوء ظن وتسرع في إطلاق الأحكام

ولا نكتفي بهذه الجريمة وحدها، بل حتى لا نبادر في مصارحة الآخر “ربما” حول المشكلة أو الأفكار التي تجول في رؤوسنا عمومًا، وهذا يترك فجوة كبيرة بين طرفي القضية، فالمصارحة مهمة، ولكن يجب أن يتم الباسها ثوب الهدوء والمودة.

الصدق فضيلة، ولكنه في العلاقات ليس كذلك دائمًا، فغالبا الصدق ليس بمنجاة فيها، بل أحد أكبر مدمريها. ولأننا لا نجيد أخبار كذبة محكمة، نفقد ثقة الآخر، وأحيانا ليس لأننا لا نخبر كذبة جيدة، بل لأننا ننسى الأكاذيب التي رتلناها، وبعد مدة طويلة يُفتضح أمرنا، فحبل الكذب أقصر من المسافة بين ألسنتنا وأسماعهم، لسنا بحاجة لأن نكون “كَذَبَة” إنما الأمر متوقف على الوضع الراهن والذي يحتم علينا أن نكذب، فقد يكون الكذب هو حبل النجاة الأخير الذي يجعل العلاقة متماسكة أكثر. قد يعترض البعض على هذه الفكرة ولكنني مؤمن أن العلاقات لا تنجو إلا بمس من كذب.

لا عيب أن نتمسك بعاداتنا وألا نخرج من قوالبنا، لكننا نبالغ أحيانا في ذلك، للدرجة التي نجعل من حولنا رهن تلك العادات والتصرفات، كأن نشترط شرب الماء في كوب زجاجي أزرق، أو نضع الجميع تحت رحمة التكييف الذي تشير لوحته للرقم 16 درجة مئوية! يمكنك بكل بساطة أن تجد أرضية مشتركة لكل شيء، فلست وحدك في تلك الغرفة، وليست المطابخ مجمعا تجاريا لتناسب ذوق شربك، فاوض في التكييف، واقبل ما يقدم لك، وراقب عاداتك وتذكر أن تجعلها في حدودٍ لا تضايق أحدًا منك أو من نفسه.

وكونك قد تنازلت لا يعني بالضرورة أن يشعرك ذلك بأنك أكثر من قدم التضحيات، فهذه هي علة العلاقات، أن جميع الأطراف تظن أنها قدمت ما لم يقدمه الآخر، أو قدمت أكبر التضحيات والتنازلات، وكأن الموضوع تحدٍ، وكأن القضية سباق، أنا فعلت وفعلت، نرددها وكأننا نتحسر على ما قدمناه، فنجعل الآخر يشعر بأن الأمر منّة وحتى نشعر أنفسنا بأن هذا هو أصل العلاقة، وأننا لم نقدم له من باب المودة أو الحب، إنما من باب التداين، قدم وسأرد لك، افعل وسأفعل لك، وهو ما اخرج العلاقات من سياق المودة إلى سياق أقرب ما يكون إلى المن منه إلى العتاب.

ولا نكف حتى نخوض غمار سباق آخر، فنحن وكأننا في مسابقة من سيخسر المليون، نستسهل التخلي عن علاقاتنا، لا نكلف أنفسنا إلا ما نظنه وسعها، فلو اجفل منا شخص أو غاب، فإننا نهمله ونتخلى عنه بسهولة. كنت أدردش مع أحد أقربائي قبل فترة طويلة عن الصداقات والعلاقات وكيف أنني استطعت الحفاظ على علاقاتي الأهم بكل السبل الممكنة، فحدثني عن صديق مقرب له، وكيف أنه وعده وبعد طول غياب بزيارته حين عاد من السفر، صديقه الذي بكى فراقه، لم يكن حاضرًا ابدًا في عدة زيارات خاطفة له. فقلت له: افعل ما ينبغي، اطمئن عليه، فلربما هنالك ما يضايقه في حياته الخاصة، وحين بادر قريبي بالتصرف، ما كان من صديقه إلا أن فتح قلبه وأخبره أنه يمر بظروف لا تطاق وأنه سيلتقيه ليفضفض له. نحن لا نعذر الناس، ولا نفترض حسن النوايا في الغياب، ونصغي دائمًا لأولئك الذين يرددون “ارحل عمن انشغل عنك” “لا تطارد من يتخلى عنك”، دون أن نضع كل شيء تحت المجهر، لنرى ما الذي يحدث، وكل ما نفعله أننا نبادر بالرحيل، فذلك يشعرنا بالرضى المؤقت والحسرة الطويلة، نرحل لأننا ببساطة نكتفي بسبب واحد للفراق، بينما لا يكفينا ألف سبب لنستعيد صديقا.

وآخر إشكالية وأهمها، أننا تحولنا لكائنات مادية، يهمها ما ستحصل عليه من الآخر أكثر مما عليها تقديمه، نهمل التفاصيل الصغيرة، كالاهتمام، والتقدير والحب والامتنان والشكر والمشاعر التي يكنها الآخرين، ننسى المساعدة و”الفزعة” حين يفشل الآخر في تلبية رغائبنا المادية، نتيه في دائرة “العشم” ورفع الآمال والتوقعات؛ فالأقرباء أو الآباء أو حتى الأصدقاء تجد بعضهم ينتظر من الآخر أن يقدم له شيئا ما مقابل صداقته، مقابل أبوته، مقابل قرابته، وكأن أساس العلاقات هو توزيع الماديات والأموال، ومن لا يقدم أو لايدفع مقابل العلاقة فهو غير مخلص لها. والمشكل يحصل لو كان لديهم قريب ثري، أو ربح اليانصيب، أو حظى على منصب رفيع، فالكل يأمل أن ينال حظا من ذلك الثراء أو تلك الجائزة أو هذا المنصب، كأن يهبهم سيارة، عقدا من الذهب، مبلغا مجزيا من المال، هم لا يطلبونه، هم يشعرون أن ع الآخر دائما المبادرة والنظر بعين العطاء تجاههم، الطرف الآخر لا ينظر للمعادلة دائما بنفس الشكل، لذلك يخسر الناس دون أن يدري ما المشكل، قد لا يراهم هو محتاجين له أو لثروته جائزته أو منصبه، فهذا ما يعكسونه في أحاديثهم، أما مكنوناتهم الشاعرة بالخذلان، فتحمل الكثير من الحزن والغضب والكراهية، التي تنخر جدار المودة حتى ينهار ويفصل بينهما. وأعتقد بأن من يربح اليانصيب سيخسر الجائزة وكذلك الناس.

هذه أهم الأسباب التي تفشل بسببها علاقاتنا وتفسد غالبا مودتنا، متى بدأنا في التخلص منها تباعا، عشنا مرتاحين مطمئنين متفائلين بعلاقات عظيمة نحكيها ونربيها في أبنائنا وأحفادنا. وتذكر أن العلاقات الاجتماعية تحتاج لصيانة مستمرة، وحسن ظن كبير، وتواصل ووضوح متصل.

انتهى المقال. بالأسفل قصة مرتبطة بالمقال لمن أراد أن يكمل المشوار.

 

 

حين كنت في الصف الخامس الابتدائي، اختصمت وصديق لي لا اذكر سبب الخلاف، امتنعت عن مرافقته للمدرسة، والجلوس معه في الفسحة ومشاغبته من خلال النافذة أثناء الحصة، وكل شيء تقريبا يصنعه الأصدقاء. بينما كان هو يلاحقني في الطريق، وينتظرني عند باب الفصل قبل الفسحة، وكل هذا وأنا متعصب للخصام متمسك به، وحين لم يجد مخرجًا، لم يرضى أن يعود بخفي حنين، بل عاد بأمه وطرق باب بيتنا، صدمت لرؤيته مع أمه، وهي تشكو خلافنا: يا أم طارق، لماذا يختصم أحمد وسلمان، سلمان يود الاعتذار ولكن أحمد لا يريد، أريدهما أصدقاء، ولا أريد لهما أن يختصما. كنت متجهما اطل من خلف أمي بغضب، حينها نادتني وقالت، هيا تصافحا وتصالحا أنتما صديقان جيدان. وحينها كما يقال “طاح الحطب” وعدنا صديقين حميمين جدا. هذه القصة لفتتني لأمر جعلني لا أنساها، وهو أن هذا الصديق فعل كل شيء، كل شيء للتمسك بالعلاقة وعدم خسارتها، رغم عنادي وتعصبي وحنقي، لم يستسلم، لم يستسهل خسارة صديق، لم يتردد في أن يحرج نفسه بجلب والدته للقيام بصلح الابتدائية. هكذا فقط يجب أن تحفظ العلاقات، بنفس البراءة، فالعلاقات أعظم قيمة من أن نبعثرها ونتهاون في افشالها.

 

إشكالية النوم !

20799080_10155428005025446_2437439476368240886_n

نذهب للنوم في المساء كجزء من قائمة مهامنا اليومية، أو كمهرب منها، وفي أسوأ حالاتنا هو مهمتنا الوحيدة التي تبدو ذات معنى. نلجأ للنوم أحيانا كوسيلة للهرب من أحلامنا التي لم تتحقق، من مصائبنا التي لا تنتهي، من مآسينا، من حالات جوعنا، أو وحدتنا المقيتة، ونلجأ إليه أحيانا كمخبأ من حزننا الذي لا يكف عن مطاردتنا حتى ونحن مختبئين تحت الغطاء، الحزن ليس كالأشباح، تختفي ما أن نلتحف أسرتنا أو نغمض أعيننا، الحزن يحتاج لحالة من الإغماء حتى يرحل بشكل مؤقت.

نستطيع أن نعتبر النوم زر إعادة التشغيل لأجسادنا، فهو يعيد لنا نشاطنا، يمحو ذاكرتنا المؤقتة، ويلوذ بنا من ألم الانتظار الطويل، ويسقط عن كاهلنا ذاكرة الحزن والفقد، ويبدد عنا الشعور بالوحدة لو كان استيقاظنا صباحا؛ فالوحدة تخشى النور، وتهاب الضجيج وأبواق السيارات وأصوات الجيران وأبواب العمارات. النوم يساعدنا في إيجاد حلول لمشاكلنا، وأفكار جيدة تصلح لمشاريع عملاقة، بل ويمكنه أن يدربنا على ردود أفعال قد تنقذ حياتنا، ويطور مهاراتنا. لذا ننام ونحن آملين بأن أحلامنا ستحمل لنا بشارات وأن شمس الغد تحمل أجمل مما حمل قمر المساء الحزين.

النوم لذيذ جدًا، طعمه ألذ من القهوة، ورائحته تفوح بالراحة والسكينة، وملمسه نختاره بأنفسنا بعناية فائقة، نلقي بكاهل اليوم على أطرافه الأربع، ونمدد جسدنا – إن لم يشاطرنا السرير أحد – بكل الاتجاهات التي نريد والتي لا نريد، نبحث بلهفة عن تلك البقعة الباردة منه قبل أن تبدد حرارة أجسادنا لذة الغرق في تلك البقع. نتقلب ونتموضع مرارا وتكرارا في بعض الليالي بحثا عن النوم في تفاصيل الوسادة، أو في بياض السقف.

نأخذ النوم على أنه جزء بيولوجي من حياتنا، ولا ندرك كم يقتحم تفاصيلنا وأمزجتنا وحياتنا الاجتماعية ويؤثر حتى على علاقاتنا، وربما لا ننتبه لكم الخلافات التي يتسبب بها النوم، وليس النوم تحديدًا، ولكن عدم اخذنا كفايتنا منه، ورضانا عنه، وراحتنا بعده. دعنا نغوص في تفاصيل يومٍ واحدٍ من قِلة النوم، لنرى كيف يفسد علينا نفسياتنا وتفاصيلنا.

تستيقظ في اليوم التالي بالكاد تود أن تفارق السرير، سواء قضيت الساعات المناسبة للنوم، أم انقصت منها أم زدت عليها ورتلت الأحلام ترتيلا. يوقظنا عمل، أم يوم دراسي أو حتى حاجة في نفس الإنسان يقضيها. تأخذ حماما، وتهم بالذهاب إلى العمل، منهك من قلة النوم، تسير في الطريق تلعن من أعطى رخصة القيادة لسائق يختال في الشارع، ويشتمك أحدهم لأنك لم تنتبه له أثناء محاولته العبور، تصل إلى العمل، بالكاد تقوى على العمل، يصفعك المدير باجتماع مفاجئ، تبدو فيه كالسكارى، تنظر للساعة كل دقيقة؛ علّها استعجلت نفسها أو انسلت من بين عقاربها عشر دقائق دون أن تدري، ثم تفرك عينيك بحثا عن ملامح يقظة أمام الحاضرين، وكلما اقترب انتهاء الاجتماع، قفز زميل لك بسؤال أقعدك عشر دقائق أخرى، وأنت تتلوى من سكرات الاجهاد، تشتم السهر والحاضرين والسائق المختال، وتقسم بألا تكررها.

تعود إلى البيت مستاءً جدًا، وقبل أن تخلع ثيابك “حبيبي، احضر لنا بعض الخضروات، البارحة وعدتني بأنك ستحضرها في طريق عودتك” فتنهرها، أمك، أختك أو زوجتك، يوووه أنا متعب وأريد أن أنام. تدلف إلى الغرفة وتلقي بثيابك، فتدخل خلفك وتدخل في عراك طويل معك، تلعن فيه اليوم الذي تزوجتها فيه. تنهض أنت لتحضر حاجيات البيت لأنها لن تدعك تنام بسلام، قد تغلق التكييف، تفتح المصابيح بدعوى أنها تبحث عن شيء ما، فالأفضل أن ترفع الراية البيضاء مبكرًا.

ترجع فيتصل بك صديق نسيت موعدك معه، تحاول التهرب، ولكنه يضغط عليك، تعد لك هي الطعام، ثم تخرج، ولسوء حظك تضطر لأن تعود متأخرًا. تنظر إلى الساعة، آه يمكنني أن أنام مبكرًا، تضع رأسك، فتدخل عليك، وتحاول أن تقضي وقتًا معك، ولكنك ما تلبث أن تنظر للساعة متحججا بالذهاب إلى النوم، فأنت حقا متعب، تلقي عليك جملة تصفعك بها “لو كان صديقك، لنهضت وخرجت معه، أما أنا فهذا ما تصنعه بي” وتعجز أن تشرح كيف أنك لم تستطع التهرب. وتدخل في خصام لست بحاجته، تحاول النوم ولكنك لا زلت تفكر بأنك لا زلت مضطرا للاعتذار وأن ترضيها، تنظر إلى الساعة، إنها الواحدة، إنك على وشك تكرار مأساتك مرة أخرى.

هنا فقط نسرد مأزقا واحدا قد يصنعه النوم معك، إننا حقا نهمل ما يصنعه النوم بتفاصيلنا، قلته أو زيادته، لا أود الدخول في المشاكل الصحية التي يخلفها من سمنة وأمراض السكري، وتلف خلايا الدماغ، الإرهاق وكذلك الاضطراب. فبغيتي شرح أن قلة النوم تجعلنا ذوي مزاج سيء جدًا، تجعلنا أقل احتمالا للضغوطات، أقل رغبة في العمل، وأقل تركيزًا، تجعلنا عصبيين جدًا، لا نحتمل أي نقاش أو جدال أو حتى مجرد طلب أو سؤال، فكم من شجار احتدم بسبب أن أحدهم لم ينم جيدًا، وكم خلاف دب لأن أخا لم يستيقظ ليوصل أخته أو ليجلبها من المدرسة، أو زوجة لم تستيقظ لتجهز إفطار الأبناء فاضطر الزوج أن يعده متأخرًا بذلك عن عمله، مما تسبب له بمشكلة مع مسؤوله، فعاد على اثرها ليتشاجر مع السائقين والمارة وبواب العمارة وختمها بشجاره معها.

إن قلة النوم تفسد علاقاتنا بشكل كبير وواضح، وقد تجعلنا نشعر بالكآبة دون أن ندرك ذلك، نلجأ للقهوة والشاي والمنبهات لخداع أنفسنا بأن القضية لا تستحق، وأن قلة النوم ليس أمرا ذو أهمية، وبأن التفاصيل الكبرى هي التي جعلتنا نرتدي هذا الشعور البائس، كغلاء الأسعار، الأوضاع السياسية، والمشاريع المتعطلة، وليس حاجتنا الحقيقية للراحة. من يعتني بطفل جديد يدرك ذلك الشعور الذي يقتحمه ويقلب حياته رأسا على عقب، لذا ومهما بدى السهر فاتنا وساحرا، وأن النوم المبكر ليس سوى مضيعة للوقت، وأن العمل ليلا يحقق لنا الكثير، تذكر أن تجاهل ساعتك الداخلية اشبه بإقحام نفسك في زجاجة، وستصل لعنقها قريبًا حيث لن يحتمل جسدك ما تصنعه به، وسيتحتم عليك أن تحاول التعويض عما فاتك من نوم دون جدوى، لذا حاول أن تذهب للنوم باكرا وتأخذ  من النوم حاجتك وكفايتك، وإلا أنقلب النوم من ملجأ لك، إلى عدو يهوي بكل شيء فوق رأسك.

بدأ النعاس يتسلل من تحت السرير متشبثا بجفني، اجر الستار فيصدر صوت أشبه بتمزيق ورقة طويلة، اسحب غطائي، أضع اليوم تحت الوسادة والغد فوق المنبه، حان وقت النوم. تصبحون على خير.

هل نحتاج السيئين في حياتنا؟

20900569_10155444913285446_506067229128411497_o

هل نحن بحاجة لأولئك السيئين في حياتنا، أولئك العابسين المارين بملامحنا، موظف خدمات فض، ثرثار في وسط قاعة السينما يتحدث على الهاتف، شخص لا يعرف الأدب، يسرق دورك أمام صراف آلي أو يتجاوز موعدك في المستشفى، أو آخر يقطع طريقك بلا احترام لقوانين السياقة، أو جار يلقي بالأوساخ من نافذته، أولئك الذين يجعلون لحظاتنا مزعجة بعض الشيء، ويصيبوننا بجلطة مؤقتة، وغبطة طويلة، أولئك الذين يجيدون استفزازنا وسرقة أعمالنا، وتملق الآخرين من حولنا.

يمكنك أن تجيب عن السؤال اليومي ممن يحيط بك “كيف كان يومك” عبر مفردتي “لا بأس” خلال أيامك العادية، أيامك التي لا يحصل فيها شيئًا مميز والتي تعيد استنساخ رزنامة السنة الماضية فيها. تسليم تقرير، كتابة برقية، معالجة خلل في النظام، أو إرسال حاسبك الآلي إلى الفني. ولو كنت خارج العمل، فالأمر سيكون طويلا قليلًا، ك” الشارع كان مزدحما” “الصف كان طويلًا”، إجابات مقتضبة، ودردشة شبه منعدمة بينك وبين من يسألك، ربما اختك، ابنك، زوجتك أو أمك.

لا نجيد نحن البشر بسهولة ملئ الفراغ بالحديث مع من نشاهده كل يوم، كما أن اللحظات الجميلة ليست بتلك الغزارة حتى تتكرر في أيامنا، لذا فإن أفضل دردشة قد تكون تلك التي جعلتنا غاضبين، حزانى، أو حتى مستائين، فنحن غالبا نجيد التعبير عن المشاعر السلبية أكثر من إجادتنا التعبير عن تلك المشاعر الجيدة، نحن غالبا نكتفي بالابتسام طوال اليوم عندما نشعر بشيء مبهج، وقد نسرده لشخص أو اثنين، لأننا غالبا نخشى أن يحسد فرحنا أحدهم. أما بالجانب الآخر، فنعود عابسين، بحاجبين مقطبين، ننتظر أن يسألنا أي شخص حتى نفرغ الدلو الممتلئ بداخلنا. زميل، صديق، مسؤول، زوجة، أخت أو حتى عابر سبيل يشاركنا الغضب نفسه. انظر هذا الأحمق قد أخذ دورنا.. تأخرت شركة الصيانة الخاصة بالمصعد وها نحن نستخدم الدرج! هل لديك فكرة عن التعب الذي أعاني منه! وأشياء من هذا القبيل. صدقني، قد نكون صداقات بسهولة أثر شخص سيء مر بنا صدفة.

لا يكتفي السيئين بمساعدتنا في خلق صداقات جديدة أو أحاديث متواصلة، بل يساعدنا في تجديد مشاعرنا، فنحن ننتظر أن نشكو أحدهم لمن نحب، فتتصل بك خطيبتك لتشتكي زميلتها التي حدقت فيها بشيء من الاحتقار، أو تلك التي لم تبادلها التحية، هي تنتظر ذلك السيل من المشاعر الذي يخرج من فم اهتمامك، هي ستنتظر اللحظة التي ترتمي فيها في حضنك حتى تشكو لك وتشعر بكل محبتك واهتمامك.

يعود الأب مهموما، يلقي بثيابه ويرتمي في السرير، ينتظر أن تشعر زوجته بكل ذلك الاستياء الذي ارتمى معه في ذات البقعة، أو في الغداء يشكو سوء تعامل مديره معه، فيحيط به أبناؤه ليعلنوا كراهيتهم ولعناتهم على المدير وتعاطفهم مع والدهم، يبداءون في احتواء همه، في موافقة ردود فعله، أو حتى في محاولة إيجاد حلول للمشكلة، تلك اللحظة التي لا يتمناها أحدهم، تشعل بيتا كامل، فتصنع صومعة من الاهتمام المتبادل والمودة والتقارب.

الإنسان لا يستطيع أن يقر بتمكنه من شيء ما لم يمتحنه، لذا فإن السيئين وسيلة جيدة لنمتحن الكثير في حياتنا، أخلاقنا، ردود أفعالنا، صبرنا المزعوم، قدرتنا على التسامح، غفراننا المنقوص، وكذلك قدرتنا على أن نكبح كل الشياطين التي بداخلنا، حينها فقط يمكننا أن ندّعي أننا أفضل حالًا من ذلك الذي لم يتأدب مع نادل المطعم المسكين، أو ذلك الذي سرق الإشارة منا، أو تلك التي ألقت بفاتورتنا بإسلوب يشيء بالوقاحة.

ما نردده دائما أن وجود السيء في حياتنا يجعلنا نبدو أفضل حالًا، أو وجودهم كوجود الحزن لا بد أن يمر بنا حتى نستشعر الفرح، ولكن ليس ذلك مهما، بل الأهم هو أنه يجعلنا نعي كيف يشعر الآخرين لو أننا قمنا بذات التصرف ليجعلنا نحسن التصرف دائما معهم، حتى لا ندرج تحت قائمة شخص سيء، يجعلنا نتعلم كيف نكون جيدين كفاية مع من حولنا مهما كانت حالاتنا وظروفنا، يجعلنا نقدر حقا تصرفات النبلاء والكرماء والمحسنين، يجعلنا نفكر أكثر في عواقب كل شيء، وفي مآلات كل تصرف، وفي خلفية كل كيان، حتى نهذب الأجيال التي تحتنا. ويجعلنا ندرك أن الناس ليسوا سيئين، بل ربما يمرون بوقت عصيب، أو قد مروا به سابقًا، وأن السيء هي تصرفاتهم التي قد نهذبها نحن حين لا نكون جزءً منهم.