غرفة بيضاء

prescription-addiction-black-white-woman

 

 

كانت تحدق عبر نافذة الغرفة البيضاء التي تقبع فيها ممددة على فراش هو الآخر أبيضٌ جدًا، ورغم كل هذا السطوع إلا أن السواد يحيق بكل شيء حولها، فلا تتبدى لها سوى العتمة التي تعيشها، تلك التي ينزف ظلمتها كل الأوجاع التي تتخطف سكونها، والذكريات التي لا تنفك تتكرر بلا توقف كأسطوانة مشروخة تعيد نفسها مرارًا مرًا.

الألم لا يغادر جسدها ورائحة فمه النتنة لم تغادر أنفها وطعم الحزن يعبر حلقها كغصة لا تنتهي، تتحسس أسفل بطنها، تجهش في البكاء، فكل شيء أبعد من أن يكون مجرد حلم، فهو أقبح وأبشع حقيقة قد يعيشها إنسان. فقدت من شدة النحيب واختناق الفرح في صدرها، لم تقوى على التنفس، وغلبتها بشاعة الواقع. أيقظتها يد تكمم فمها همس صاحبها “هششش.. أنا هنا لمساعدتك” كان ذلك بعد ميلاد الدهشة والخوف والرغبة في الصراخ التي اجتاحتها، ثم أردف يقول “سمعت قصتك، وسمعت بكاءك، وأصغيت لحزنك، وما جرني إليك سوى أمانيك الصامتة التي تيممت بها طوال اليومين الماضيين، سأحرر يدي رويدًا، فهل لك ألّا تصرخي؟ لم تستطع تمالك نفسها فصرخت ما أن أرخى كفه، فأعادها من حيث كانت.

تنهد وقال: يبدو أننا سنكمل حوارنا بهذا الشكل، إسمي انكسار، أنا هنا حتى أحررك، ولكن لأفعل ذلك، لدي فقط خياران يمكنني مساعدتك بهما، عليك أن تختاري أحدهما، هزي رأسك إن كنت تريدين معرفة خياراتك. هزت رأسها وقلبها يخفق بقوة، فهذا المشهد يعيدها للقاع الذي خرجت منه للتو. ابتسم وعقب: خيارك الأول أن تفقدي ذاكرة ذلك اليوم كليًا وكأنه لم يحدث، لكن آثاره ستبقى على جسدك كما هي الآن. أما خيارك الثاني فهو أن يشفى جسدك كاملًا ولكن ذاكرتك ستبقى حاضرة، كألم في الخاصرة لا يمكنك الفكاك منه. كنت أتمنى لو كان بإمكاني أن أفعل أكثر، ولكن هذا أقصى ما يمكنه فعله لأجلك. لا أريد إجابة مستعجلة، خذي وقتك لتفكري، أما الآن فأريدك أن تغمضي عينك قليلًا، انصاعت له مباشرة لشدة خوفها، وحين فتحت عينها لم تجده، ولم تجد له أي أثر، كأنه حلم، أو نسمة هواء انسلت من نافذة وتلاشت.

انفجرت باكية، فهرعت الممرضة إلى غرفتها لتعرف ما الخطب، وقفت تسألها ما خطبها، ولكنها لم تستطع النطق بكلمة واحدة، وبقيت على حالها حتى غادرتها الممرضة وبعدها جرّها النوم إليه. استيقظت في منتصف الليل فرأته في حلته البيضاء ذاتها، شابٌ وسيم في مقتبل الثلاثين، يرتدي قبعة ناصعة البياض، كشف عن طقم من اللؤلؤ مختبئ خلف شفتيه النضرتين، وعينان زرقاوان، وذن بني اللون. قال لها: هل اخترت؟ هزت رأسها نافية تجيب عن سؤاله، ولكنها كانت أقل خوفًا منه.

وضع سبابته على شفاهه بينما ابهامه جلس على ذقنه، أخذ يحدق من خلال عينيها ثم قال: أعل أنكِ قد لا تثقين بي، فما يدريك أنني قد لا أفعل ما فعله بك ذلك المجرم الحقير، لن استعجل قرارك فالخيارات صعبة كما قلت لك، سأزورك لاحقًا لأطمئن عليك، ومن ثم سنرى إن كنت ستزاولين هذا الصمت الحزين طويلًا. أغمضي عينيك مرة أخرى، حاولت ألا تفعل لتجد نفسها وكأنها قد أفاقت للتو وقد اختفى ذو السترة البيضاء. حاولت أن تفهم ما الذي حدث، كيف تعثرت بالنوم دون أن تشعر، فخمنت أن كل ذلك لم يكن سوى حلم دفنته في وسادتها.

عادت أمها صباحًا وقد احضرت لها حاجياتها وطعاما كانت قد أعدته لها، وأخذت تعتذر لأنها لم تبت تلك الليلة معها. لكنها كانت شاردة الذهن، تحدق في العدم كعادتها. مر يومان وهي تنتظر ظهوره، ولكن دون جدوى، لم يعد يزورها، شعور كان يساورها ويخبرها أنه ليس مجرد حلم عابر. نظرت نحو أمها وقالت: أمي، هل لك أن أبقى اليوم وحدي. وبعد كثير من الإلحاح والإصرار وافقت أمها على مضض.

حل المساء وحل اليأس ضيفًا ثقيلا عليه، أغمضت عينيها ورموشها تعلن الحداد على آخر أضواء الأمل برؤيته، ولكنها فتحت عيناها بسرعة ليتراى لها واقفا عند طرف السرير. حاولت الاعتدال في جلستها ولكن دون جدوى، فأخذت تهذب شعرها، بينما جلس هو من حيث كان واقفا. ابتسم وهو يسألها: هل اخترتِ. هزت رأسها وابتسامة في وجهها. ثم فرقت بين ضفتي نهرها، كانت تحاول أن تبوح بشيء، لكن دون جدوى. ودون أن تفارق تلك الابتسامة وجهه قال: أعلم ما الذي تريدين أن تسألي عنه، تريدين أن تعرفي من أنا! صحيح؟ هزت رأسها مسرورة. قال: ليس الآن لاحقًا. ثم أردف يقول: ها، ماذا اخترت، النسيان أم الشفاء التام؟ أشارت بسبابتها لتجيبه. هز رأسه ثم أطرق لبرهة، وقال: اتفهم ذلك، وقد توقعته منذ أن انجبتني محنتك. لا بأس، لك ذلك. اقترب منها ببطء، وضع كفه على رأسها وقال: غدا تنسين كل شيء، كأن شيء لم تريه أو تسمعي به. غلبها النعاس فجأة، حاولت مقاومة ذلك، كانت تقاوم لأنها تملك الكثير من الأسئلة التي تريد أن تسأله عنها، ولكن محاولتها اليتيمة تلك باءت بالفشل.

استيقظت في اليوم التالي، كان البياض يخيم على كل شيء، “هذه ليست غرفتي” كانت تلك أول خاطرة راودتها، قفزت برأسها من وسادتها لتجتاحها الكثير من الآلام المتفرقة. حاولت تحريك قدمها ولكن دون جدوى فقد كان عليها لف طبي، تحسست وجهها بعد أن لمحت لونا أبيض تحت عينها، الكثير من الضمادات كما يبدو، حاولت أن تستوعب ما الذي يجري، أصيبت بنوبة هلع، أخذت تصرخ، وأخذ جسدها يرتجف بشكل لم تعد مه تقوى على الحركة بتاتًا، هرع الأطباء نحوها، وكان الحل الوحيد أبرة مهدئة وكثير من محاولات التطمين والتودد من الممرضات.

دخلت والدتها غرفتها، وما أن رأتها حتى أجهشت بالبكاء وسبقتها بالأسئلة: ما الذي يحدث، لم أنا هنا وهكذا، ما سبب كل تلك الآلام التي أشعر بها أسفل بطني، ما الذي حدث لي أرجوك أخبريني أمي. كانت والدتها في صدمة ممتزجة بحيرة مفرطة، ظنت كأول تخمين راودها أن أبنتها تدّعي النسيان، ولكن حين رأت نظرة الهلع التي تعتريها، أدركت أن هنالك خطب ما. ابتسمت وقالت لها: حادث مروري ولم تزد على تلك الكلمات أي شيء وخرجت مسرعة نحو الممرضات تطلب مقابلة الطبيب.

عادت برفقته وقد أطلعته على ما حدث، أخذ الطبيب يقيس درجة حرارتها وفحوصات اعتيادية أخرى، ثم وجه لها عد أسئلة حول آخر ما تذكره. لاحظ الطبيب أنها لا تذكر شيئًا يخص حادث الاعتداء الذي تعرضت له، لا شيء من الرعب الذي مرت به، ولا شيء من الوحشية التي وسّمت جسدها وعلقت في ذاكرتها، حسب التقارير الطبية أن المجرم لم يكتفي باغتصابها، بل وأقحم أداة حادة أسفل جسدها بد أن دنسه بجسده القذر. كل تلك الجروح والندوب والنزيف نسيته وكأن لم يكن. كان الطبيب يعيش لحظة ذهول، طلب أشعة مقطعية لرأسها فلربما هنالك ‘صابة في رأسها تسببت في هذا النسيان، ولكن عادت النتائج سلبية، لا يوجد أضرار في الأجزاء الخاصة بالذاكرة.

دون الطبيب ملاحظاته، وأخبر والدتها بالآتي: سيدتي، يبدو أن ابنتك فقدت ذاكرتها نتيجة للصدمة التي مرت بها بعد الاعتداء الوحشي الذي مرت به، نادرًا ما يحدث هذا الأمر، في محاولة من العقل لتجاوز المحنة. سأطلع الطبيب المناوب بذلك، فقد انتهت نوبتي، وأرى من الأفضل ألا تخبروها بحقيقة الأمر فقد يساعدها ذلك على تجاوز المحنة، وسنبقيها تحت الملاحظة فربما هو غياب مؤقت للذاكرة.

خرج الطبيب ليدخل بعد برهة الطبيب المناوب، امسك بملفات المرضى وقد عاين الجناح كاملًا حتى وصل إليها، أمسك الملف وهو ينظر إليها، نظرت إليه وقد خفق قلبها بشدة، رأت فيه شيئًا جعلها تشعر لوهلة أنها تعرفه، ابتسامة لؤلؤية، ذقن بني، وعينان زرقاوان كسماء ذلك اليوم الذي ابتسمت فيه لأول مرة منذ استيقظت في المستشفى.

الإعلانات

الملل النبيل

62209877_10157102768765446_9124442009266814976_n

 

نمضي نصف عمرنا بلا وجه واضحة ولا اتجاهات ثابتة، نعبث منذ طفولتنا بكل شيء، لنتخلص من الشعور بالرتابة، نجرب قدرتنا على التأثير على محيطنا منذ طفولتنا، تجد الطفل مبتهجًا بلعبة تصدر أصواتا كلما قام بتحريكها، أو لعبة ضوئية كلما قام بضغط أزرارها، هو سعيد لأنه ككائن صغير ومتواضع قادر على التأثير على محيطه، نكبر قليلًا ونبدأ في تكسير الأشياء بحثًا عن أسرارها، كيف تعمل، ما الذي بالداخل، ما الذي يجعلها تسير أو تطير أو تضيء. العالم يبدو كبيرًا جدًا والخيارات تبدو لا محدودة، ولكننا ورغم ذلك نشعر بالرتابة، فننزوي بحثًا عن محفزات جديدة نستكشفها ونطرد من خلالها هذا الشعور الذي يدعى الملل.

يقال ملّل فلان الشيء، أي قلبه، لذا فربما من وجهة نظري فإن مصدر الملل هو كثرة تقليب الشيء الذي يفضي للشعور بالضجر، نستطيع بذلك أن نقول باختصار أن الشعور بالملل هو الشعور بغياب محفز يجعل الدماغ منشغلا عن المحيط الرتيب والاعتيادي بشيء يضمن بقاءه يعمل بشكل صحي، ويحدث ذلك عندما تفقد اهتمامك بالعالم الخارجي أو حتى الداخلي لأفكارك،

غالبا عند الشعور بالملل فإن الإنسان يكون حبيس أفكاره وحسب، ولهذا يبدأ في البحث عن محفزات من محيطه، في تجربة قام بها صاحب قناة اليوتيوبVsauce   المدعو مايكل، قام بحبس نفسه في غرفة لمدة ثلاثة أيام، غرفة بيضاء جدًا، كل شيء فيها أبيض حتى قوارير المياه، لدراسة حال الإنسان حال عدم وجود أية محفزات خارجية.

يظهر في الفيديو جليًا الساعات الأولى تمر بشكل عادي، حيث يستطيع مايكل القيام بحساب الوقت وإيجاد كل ما في الغرفة محفزًا، فيبدأ بعد القوارير ومربعات الرخام، وبعد مرور الوقت، يفقد العقل اهتمامه بهذه الأشياء ويبدأ في البحث عن أي شيء آخر، وحين يفشل، يلجأ الدماغ إلى النوم حتى يحافظ على استقراره، الساعات الأولى تبين حاجة الدماغ بشدة للمحفزات.
كحال الأطفال، فالأطفال عندما يشعرون بالملل والضجر يبحثون عن متع جديدة واستكشافات مثيرة في المحيط، أو في نفس اللعبة التي كان يلعب بها، وهو ما يساعد الأطفال على النمو ويهبهم القدرة على الاكتشاف والابتكار، لذا فإن اللعبة الجديدة تفقد أهميتها، ويصبح مفتاح السيارة أكثر أهمية للطفل من تلك اللعبة.

عند الشعور بالملل، فإن أنشطة الدماغ تقل بنسبة 5% فقط، بينما تنشط في الدماغ الأجزاء الخاصة بالذاكرة الشخصية، وكذلك الخاصة باستيعاب أفكار ومشاعر الآخرين، وأخيرا الأجزاء الخاصة باستحضار الأحداث الافتراضية في الدماغ ( بمعنى آخر الأجزاء الخاصة بالخيال)، ولهذا تجد الشخص يراجع شريط حياته، ويفكر في وضعه وشخصيته، كيف يحسن من نفسه، يراجع علاقاته، ويحاول استعادة المواقف والقصص والأحداث التي عاشها. لكن إذا استمر الشعور بالملل ولم يحصل الدماغ على ما يكفي من محفزات (داخلية أو خارجية)، فإنه يدخل في حالة الهلوسة، والهلوسة هي محاولة الدماغ لاختلاق تصاوير ومحفزات غير موجودة، فتجد الشخص يتحدث مع شخص غير موجود، أو يرى ارواحا أو أشكالًا وشخصيات وهمية.

ولاستيعاب خطورة عدم إعطاء الطفل مساحة من المحفزات، فلنا في قصة جيني ويلي عظة وعبرة، فقد عمد والدها منذ طفولتها إلى  حبسها في غرفة خاوية إلا من سرير وكرسي، بل وعمد الأب على عدم التواصل مع جيني ابدًا وكان يضربها لو أصدرت أي صوت، ولم تكتشف الشرطة وجود هذه الطفلة إلا عندما بلغت سن الثالثة عشر، عانت الطفلة بسبب عدم وجود أي محفزات من توقف أجزاء من الدماغ عن النمو، مما جعلها تعاني من صعوبة في تعلم الكثير من المهارات، بل وكانت لديها سلوكيات مضطربة، كضرب رأسها في الجدار بلا سبب وهو ما يقودنا للفكرة التالية، وهي الألم كمحفز.

في تجربة قام بها علماء بوضع مجموعة من المتطوعين داخل غرفة لا تحوي أي شيء سوى طاولة وبوسطها زر، حال قمت بضغط الزر سيصعقك تيار كهربائي، طلبوا من المتطوعين الانتظار وأخبروهم عن الزر، والكل كان ينظر للزر بريبة، ولم يفكر أحدهم بالضغط عليه، وبعد أن طال وقت انتظارهم، بدأ المتطوعون الضغط على الزر بحثًا عن محفز خارجي عدى التحديق في الغرفة الفارغة التي هم فيها، وكان الشعور بالصعقة أفضل من الشعور بالملل، لذا ربما عمدت جيني للتخلص من الملل وإبقاء عقلها يعمل بشكل صحي إلى ضرب رأسها بالجدار بشكل مستمر.

كما أن انعدام المحفزات يشكل خطورة على الفرد فهو أحد أسباب الاكتئاب، وأحد أهم أسباب تعاطي المخدرات لدى المراهقين، فإن كثرة المحفزات تشكل أيضًا خطورة عليه، فكثرة المحفزات يعني أن عليك التنقل بين المهام والأشياء والأفكار بشكل متواصل ومستمر، وفي كل مرة تنقل انتباهك، فإن المخ يعمد إلى تغيير الوصلات الكيميائية داخل دماغك مستهلكًا كمية من الجلكوز في هذه القفزات. تشير الاحصائيات إلى أن متوسط تحويل انتباهنا من مهمة إلى أخرى هو مرة كل 45 ثانية، وأن متوسط تفقدنا للبريد هو 74 مرة كل يوم، وأخيرًا فإن معدل تنقلنا بين المهام هو 566 مرة خلال اليوم!

في تصويت للمتابعين في تويتر عن معدل الشعور بالملل، فإن ما يقارب 13% من المصوتين لا يراودهم الشعور بالملل إطلاقًا، وهو يعني أنهم منشغلين دائمًا، إما باستخدام التكنلوجيا أو مهام أخرى متنوعة يتنقلون بينها، بينما ما يقارب 50% يشعر بالملل أكثر من 6 مرات شهريًا، وهو ما يعكس أن الأغلبية العظمى يشعرون بالملل بمستويات مختلفة بالطبع، ولكن الإشكالية ليست في الشعور به ولا اختلاف مستوياته، بقدر كيف يستغل هؤلاء هذه المشاعر للمضي قدمًا وتحسين أنفسهم ومستقبلهم.

يقال الحاجة أم الاختراع، يتوقف الإنسان عن الاختراع حين لا يحتاج لذلك، فإن لم يشعر الإنسان بالملل، فكيف سيخلق شيئًا جديدًا للتسلية، إن لم يحتاج لأن يقف مع أفكاره وقفة جادة ليراجعها، كيف سيتأكد منها أو من خطأها، كيف يمكن أن يرى وضعه ويحسنه، وكيف سيفكر في مستقبل وهو منشغل بحاضره واللحظة التي يقضيها في زمن بات فيه من السهل الحصول على زر يبعد عنا الشعور بالملل، ولا يسبب أي صعقة كهربائية زر التحكم بالتلفاز، زر الفأرة وزر الهاتف، هذه الأزرار تخرجنا من الملل، إلى عوالم مستمرة من التسلية التي لا تنتهي، ولكن لا نعلم أبدًا أننا بهذه الطريقة نقتل أهم احتياجاتنا البشرية، حاجتنا للبقاء مع أفكارنا

إن حجم الترفية الكبير الذي وفره هذا العصر، حرمنا وأطفالنا القدرة على اختلاق الأفكار والإبداعات، لهذا قبل أن تشتم الملل وتبعده عن أطفالك وكأنه شبح عن طريق ألعاب الفيديو والألواح الذكية (التابلت) والتلفاز، تذكر أنك تقتل شيئًا قبل مولده، وقبل أن تخرج هاتفك أثناء نزهتك تذكر المشهد الملهم الذي أمامك، والذي تركته آلاف المرات دون أن يخرجك من الداخل أو يدخل إليك من الخارج، لأن الملل جميل ونبيل، يقول الفيلسوف الإيطالي جاكومو ليوباردي في نص رسالته لوالده: الملل من أسمى المشاعر الإنسانية إطلاقًا، فهو يعكس حقيقة أن روح الإنسان بمعنى ما أكبر من الكون برمته، الملل تعبير عن يأس عميق، وعدم العثور على أي شيء يمكن أن يشبع حاجات الروح غير المحدودة.

ملاك عاهر

60710907_10157057845415446_1707793741235879936_o

أخذ يرتدي ثيابه ويمسح بلله وعرقه وهو يقول: ما سبب هذا الأثر على يدك، نظرت إلى يدها وبامتعاض شديد أجابت: تشاجرت مع زبون حقير هذا المساء، قرر أن يسرقني وحاولت منعه ولكنه هرب وقد حاول سرقة ما كان في حقيبتي. وباهتمام مصطنع سألها: ما الذي دعاك لعمل كهذا. أدخلت النقود في حقيبتها وهي تقول: من أجل هذا طبعًا! عقب قائلًا: ألم تجدي عملًا شريفًا؟ فأجابته: كلا، أعمل عملًا شريفًا كما تسميه، ولكنه لا يكفي حاجتي، فأنا مصففة شعر بالنهار وبالكاد يكفيني أن أدفع اجار الشقة. اخرج محفظة من بدلته بعد أن لف جزءًا من ربطة عنقه، ودون أن ينظر للمبلغ الذي سحبه منها، ألقى به أمامها بينما تهم هي بارتداء ثيابها وقد أردف يقول: لقد اشفقت عليك وعلى حالك، تستحقين هذه الزيادة في أجرتك. نظرت إلى الورقة النقدية التي استقرت بقرب قدميها الحافيتين، كانت من فئة العشرين دولارً، ارتد بصرها نحوه وقالت: شكرًا، لا آخذ صدقة من أحد.

انفلتت من بين أسنانه الصفراء ضحكة مستهزئة، ثم اخرج مزيدا من النقود وألقاها ثم قال: هذه لأنك جعلتني أضحك. وبانفعال شديد ركلت النقود وهي تقول: خذ نقودك، أنت المثير للشفقة، تظن أنك تستطيع أن تشتري كل شيء بالمال، ومثير للشفقة لأنك تتخفى من الناس لتأتي إلى هنا كالجرذان، تفتش عن سلطتك التي أضعتها ورجولتك التي سلبها العمر منك، بالكاد شعرت بك.

ألم به الغضب فأقترب منها مسرعا وامسك بعنقها وهو يقول: انظري إلى نفسك جيدًا في المرآة، لا أحد يرغب بك للأبد، أنتِ مجرد نزوة عابرة، لم تعيشي حياة طبيعية، انظري إلى الحظيرة التي تسكنينها، ظننت حين أرسلت لي صورًا لك أنك التقطتها في مكب نفايات، ولكن يبدو أن هذا هو سكنك، لم تتزوجي وقد تجاوزت الثلاثين، ولن تحلمي بذلك، لن تصبحي أمًا وسيلفظك المجتمع كأي شيء حقير.

نفضت يده وهي تصرخ ابتعد عني، وأكملت بصوت مرتبك وبنبرة يشوبها الغضب والخوف: أنت وأمثالك من جعل العالم يطأنا بكلتا قدميه، واستجمعت صوتها وابتلعت ريقها وأكملت: أوجدتم الفقر واختلقتم الفقراء، جعلتم من الصعب علينا نحن الضعفاء أن نعيش حياة طبيعية، بات علي كل يوم أن أواجه قذرًا مثلك ما كان ليحلم بأن تمسك بيده فتاة لولا حاجتها لما يملك من مال، أنت وأمثالك تأتون إلينا بحثًا عن شيء صادق، فمن الخاتم البراق الذي ترتديه يمكنني أن أفهم أنك حديث العهد بزوجة جديدة، وتخشى في قرارة نفسك أن هذه الزوجة لم تقبل بك إلا من أجل مالك، ونحن الحقيقة الوحيدة التي تثق بإلمامك بها، فنحن نهبك خدماتنا من أجل المال، ونعترف بذلك، ولهذا تلجأ إلينا. ثم انظر من يتحدث عن العمل الشريف، على أقل تقدير فإنني أعمل بجد وأحفظ الدين وألزم وعودي وأعطي المحتاجين ولا أغش أحدًا، بل وأدعو الرب أن يرزقني كفاية هذه النتانة، نتانة أن أقابل شخصًا مثلك، يستغل الضعفاء، ويغنى على حساب شقائهم.

وقبل أن تكمل ثرثرتها، كان قد امسك عنقها وأخذ يخنقها بغضب جم، وهو يقول: اصمتي أيتها العاهرة وأعلمي قدرك ومع من تتحدثين. وبينما هي تحاول التخلص منه والاستغاثة، لم يستطع أن يواصل خنقها فأفلتها، لتفقد هي توازنها ويرتطم رأسها بحافة السرير، دنى منها وركلها وهو يقول: انهضي، وحين لم تحرك ساكنا، شعر بالقلق، فدنى منها يهز جسدها العاري، ليتحسس نبضها، كان قد توقف كل شيء، وبدأ القرمزي يسيل من بين خصلات شعرها الليلي، نهض مرتعبا وشد ربطة عنقها ودلف مسرعًا في ممرات المبنى يبحث عن مخرجها.

وصل إلى المخرج، اسرع الخطى بين الأزقة والسماء تمطر، القرمزي يرسم جناحين لتحلق بهما روحها، هاتفان يتبادلان اللحن، في شاشة أحدهما “زوجتي وفاء” وفي الأخرى “الأميرة الصغيرة أختي” بينم يلقي الليل بعتمته على المشهد

ليلةٌ سُرِقَ القمر فيها

OLYMPUS DIGITAL CAMERA

وعاد مُصغيا لــ بُكاء السماء

هدوء وسكون في ليلة سرق نصف قمرها، استيقظت على صوت ارتطام المياه بالسقف؛ فأيقنت ان السماء تمطر، لقد كنت في سبات عميق احلم بها ولكن المطر لم يرحم حلمي؛ فقتله قبل أن يكمل عمرـ ستسألني ..وهل للحلم عمر؟!! ولكن هذا سؤال تجيبه بنفسك

 في كل يوم تخرج من باب منزلها متجهة إلى السوق  أتابعها من خلف نافذتي وانتظر في الظهيرة عودتها رغم أنها تعود متعبة ووجهها محمر من شدة الحر لكنها تبقى جميلة…

لم أكن اعرف سبب ترددها على السوق لكن  الأيام كشفت لي حقيقة أنها  تعمل لتعيل أهلها ؛ فهي تبيع ما يصنع والديها  وما يجمعه إخوتها من حطب….أصبحت من المترددين عليها ولكن تبقى نظرتها نحوي (مجرد مشترٍ). امتلأت الخزانة بما اشتريه منها وكلما مررت بها أقول لنفسي علَّ قلبها يحن ويرق من اجلي، إلى أن جاءت أمي وقالت كفاك أفلستنا بهذه الأغراض.

قَطَعتُ ذكرياتي القريبة ونهضت من فراشي وتوجهت ناحية نافذتي  تركتُ بصمات أصابعي على خد النافذة   ثم صعدت إلى العلية لأصلح ما أفسده المطر؛ فلفت انتباهي انفتاح مصراع باب منزلها   هاهي تخرج دون مظلة، تمنيت أن أسير بقربها واضعاً كفاي فوق رأسها كي لا تلمسها قطرات المطر   ما أن خرجت حتى بلل المطر شعرها الداكن   أخذت قطرات المطر تداعب خدها كي تستفزني   وددت لو المس خدها المخملي الذي يُكَسر قطرات المطر ويحولها إلى أجزاء صغير   حينها خطر ببالي أن انزل فأجمع تلك الأجزاء المتساقطة من على خدها؛ ولكنها فكرة أغبى من صاحبها خدها المحمر والمليء بقطرات المطر يشبه تفاحة أصابها ندى الصباح، بالقرب من ثغرها نصبت شامة  زادت من جمالها عبرت الطريق…عادت وأغلقت الباب وراءها وأغلقت أنا عيني.

كل يوم يخطفه الزمان من عمري اشعر بأنه بلا طعم انتظر فقط نظرة منها علَّ هذه النظرة تحقنني مخدراً في وريدي فلا اشعر بجروح الدنيا وآلامها، ما لهذه الأيام تمضي بسرعة فيمضي بنا الزمان فأراني كبرت وبدأ موسم البياض على محصول شعري خطوات حنينه حملت امرأة كبيرة في السن : بني.. لماذا تطاردها،واجه حقيقتك إن كانت تريدك للمحت لك  لذا خلص نفسك  تردد صدى كلمات أمي  خلص نفسك؛ وكأن أمي تخيط جرحي دون مخدر نزلت فخلدت للنوم  ليلة سُرق القمر فيها عدت لأحلم…ولكن في إحدى الأيام التي كنت احلم فيها.

استيقظت، ودون وعي مني توجهت بي قدمي نحو النافذة، وقلبي يخفق بشدة يكاد أن يمزق صدري، حاولت فتح النافذة ولكن أمي أحكمت إغلاقها دون أن اعرف سبب لذلك هرعت إلى العلية؛ فوجدت أن القمر قد سُرق، والظلام يسود المكان، لكن لحظة عجباً أناس يحتفلون ،والقمر مسروق!!  سرت بخطى متثاقلة جداً وأخذت انظر، لحظة، أناس مجتمعين بكل ألوان الطيف، زغاريد عالية، ومصابيح اتخذت كل ألوان الفرح والسعادة  بدله سوداء لا اعرف صاحبها وفستان ابيض لفاتنــــ…. غصة ابتلعت صوتي، إنها هي إنها هي!!  ياااااه… ألم يكن بيننا وعد وميثاق! تباً كان ذلك في حلمي.. ياااه ماذا عساي أن افعل كيف لي أن أعيش بدونها،  دون أن انظر إليها   تباً يا لي من أحمق؛ ليتني جمعت تلك القطرات ووضعتها في قنينة واحتفظت بها، تباً لي. بدأت ابكي  ولم املك شيئاً سوى العودة لاحتضان وسادتي واحتضان أحلام.

مضت بي الأيام  وأخذت ما في خزانتي وقصدت السوق ادعيت أنني أبيع هذه الأشياء، لكنني كنت انتظر عودتها أو مرورها ولو لمرة واحدة بي، تكفي لتسعف جروحي. بعد مضي شهور وأنا افترش الطريق، جاءتني طفلة وقالت بصوت بريء عمي تفضل بعض النقود، رفعت رأسي مبتسماً ولكنني رأيت فيها شيء اذكره، فإذا بها آتية، أبعدت الطفلة عني  وألقت ببعض النقود بقربي  وانصرفت  وعادت السماء لتمطر من جديد !

سبتمبر 2009

وهم الكارما !

karma

إن الاعتقاد بالكارما، جاء من باب العدالة شبه المعدومة في الدنيا كنوع من اراحة النفس من عبء الشعور السيء الذي يثقل كاهل البشر الواقعين تحت نار شرور البشر، الرازحين تحت صخرة الظلم، فالمظلوم أحيانا لا يملك يد حديدية يقتص بها لنفسه أو لمن يحب، فيعول على العدل الدنيوي، وبأن الدنيا ستأخذ حقه قبل يوم الدينونة. فهو أمل وإن كان زائفًا، إلا أنه أفضل من مواجهة الواقع المرير.

نحن ومهما حاولنا استرداد حقوقنا بالنص القانوني، نجد أننا لا نشعر بالعدل التام، ليس لضعف القانون، ولكن لغياب الاقتصاص المرضي والعادل حسب مشاعرنا الفردية، فما يراه القانون عدلا تاما تجاه قضية، يجده الضحية غالبا غير منصف، لذلك لا بدّ من عدل مطلق عاقل يسترد حقك مستنسخا كما تم سلبه منك.

وسميت تلك في ثقافات متعددة بالكارما، فعل الدوران، كما تدين تدان، والحوبة، والدنيا دوارة. نحن اوجدنا هذا العدل العاقل من رحم الدنيا وقانون ليس كقوانين الطبيعة العشوائية، انما قانون بالغ العقلانية متحكم ومنتبه ومصمم وكأنه إله أو ملاك كريم.

مفهوم العدالة مفهوم واسع جدا، وقد يكون العدل أحيانا ظلم لآخر، أو آخرين، كميزان العدل في التصويت، فهو يضحي برغبة ٤٩٪ من أجل اغلبية ال ٥١٪، ولهذا قد يكون العدل في شخص هو ظلم لآخر. خذ على سبيل المثال لو أن أحدهم قتل ابن شخص ما، ثم دارت الدوائر وقتل ابن القاتل، فمن وجهة نظرنا فٱن العدالة تمت، بينما هنالك اساسا قاتلان ومقتولان، وليس قاتل ومقتول وقصاص. وهي المعادلة الأحق. لذا فإن الاعتقاد بالكارما اعتقاد بعدالة ذاتية شخصية منبثقة من رغباتنا الخاصة وليس عدالة عاقلة بحد ذاتها.

يجب الاقتناع بأن العدالة غير موجودة محررة في الطبيعة ومتحكمة و تسير بذاتها، بل نحن اوجدنا عبر المؤسسات والحضارة قوانين؛ تضمن اقل وأبسط جزء من العدالة يمكن تحقيقه في هذا الكون، وعلينا أن نقبل ونرضى بانعدام العدالة، وإن العدالة ليست موجودة إلا عند الله العدل الحكم.

الإنسان يملك قدرة عظيمة على ربط الأمور، عظيمة جدا تفوق حتى قدرته على ادراكها، لو أن شخصا عاير أحدهم، وبعد فترة تلبسه ما كان يعاير به الآخرين، فإننا ومباشرة سنقول أنه بسبب معايرته أصيب بها، والأمر لا يتجاوز كونه صدفة قابلت قدرا، فالصدفة أنه تحدث، والقدر أنه كتب عليه ذلك مسبقا، ولو أنه لم يتحدث، لما القى أحدهم بالا له. وقس ذلك على كل ظنونك وامانيك. وحدثني، كم مرة التقت الصدف بالاقدار!

ما الذي يحدث هنا إذا!

غالبا يقال: وقع في شر اعماله، أو حفر حفرة لأخيه ووقع فيه. فإن الإنسان ومن فطرته حب الخير، وينازعه الشر بقدر ما تم تغذيته بخير بشكل عكسي، كلما زاد الخير فيه قلت منازعة الشر له. لذا وحين يصنع أحدهم شرا بأحد، يحمله دافع الغضب والانتقام، والذي يعميه غالبا عن الصواب والمنطق، فتجده يصنع الضرر دون أن ينظر للطريق، للشخص، وللمكان.

مثلا، شخص دخل شارعا دون أن يبالي بالسيارات لأنه مستعجل وتسبب في ارباك حركة السير بتهوره، ولأنه مستعجل جدا، ويسير بسرعة وفي ذات الطريق يخرج أحدهم إلى الشارع فيلتقي به، ويسبب له حالة الارباك نفسها التي سببها للآخرين. لو لم يكن مسرعا، لخرج الآخر دون أن يزعجه أو يتسبب بتعطله، ولأن عقل الإنسان يحب الربط بل ويعشقه، فهو بطبيعة الحال سيربط بين تصرفه وتصرف الذي خرج أمامه فجأة، فيشعر أن هنالك رابط حقيقي.

وقس على ذلك كل تصرفاتنا البشرية، لذا، الشر يتسبب في توترنا، لأننا غير راضيين عنه، او منفعلين به، ولذا نقع في شرورنا. السارق كلما مارس السرقة زادت احتمالية الامساك به، القاتل، كلما زاد قتله واجرامه، كلما زادت احتمالية وقوعه ضحية البيئة التي يعيشها، رجل المافيا، تاجر المخدرات، وكل مجرم يبقى ضحية البيئة التي القى نفسه فيها، ولا ننسى أهم قضية وهي إرادة المجتمع، فالمجتمع يرغب في خلق العدالة وصناعتها، ولهذا تجد الإنسان ينتقم من صاحب الفعل والظلم بالقدر الذي يمكنه فعله، ويقع المجرم في انعكاس شره، وهو هذه الإرادة العظيمة لدى المجتمع في استرداد الحقوق.

لو أنك لم تسخر من شخص بشكل علني، لما ربط الناس بين ما اصابك وبين ما سخرت منه، وبين من أنكر عليك وبين من تنمرت عليهم. الكارما ليست سوى قدرتنا على الربط الذي يعيد لنا الطمأنينة التي نحتاجها.

اذا، أين الملجأ !

الملجأ هو تطور وعي الإنسان وإدراكه لسن القوانين التي تضمن له عدالة مجمع عليها تضمن عدم وقوعه في الظلم حتى ينتظر عدالة دنيوية أخرى، حتى لا يحتاج لتلبس حالة الانتقام والكراهية، وما هو أهم منه هو الإيمان بأن الله عادل سيأخذ حقنا بالشكل الذي ليس إلا عدالة مطلقة في حكمه وكتابه ولا عدل أعلى من عدل الله يوم يعدل بين الخلق.

أدب الندم !

28378785_10155999177400446_660591033870003216_n

الندم، شعور يقتحم الإنسان حين ينظر لما افتعله وأوجده من اشكالية حلت به وسلبت منه احساسه بالراحة تجاه قراره أو قراراته، خليط من الحزن والكآبة والأسى والقهر والألم، هذه الحالة التي تمر بك، بعد أن تكتشف أن خياراتك لم تكن موفقة تجاه شيء ما. هو شعور لا يحتاج لمدة زمنية، قد يكون شيء لحظي، فور اقتناءك لشيء أو بيعك له، فور زواجك أو بعد طلاقك بسنوات.

يتعاظم شعورنا بالندم حسب الخسارة التي حلت بنا، وقد يرتبط الأمر برأي الناس أحيانا، تكون سعيدا بخيار ما، فتحل عليك لعنة الآراء التي لم تطلبها اصلا، بشع، صغير، باهظ، رخيص.

شعورك بالندم على تفويت الموعد ببضع دقائق أكبر منه عند تأخرك عنه بما يزيد عن ساعة، لأنك ترسم كل الاحتمالات التي كادت أن تمنحك تلك الدقائق المطلوبة. وكلما زادت احتمالات انقاذك للموقف، كلما تعاظم شعورك بالندم.

حين يراودنا شعور الندم، نود العودة بالزمن لتصحيح أو تغيير خياراتنا، صحيح أن ذلك غير وارد، ولكن لو عدنا، فإننا لن نغير شيئا، فنحن نتعلم من ندمنا الدرس الذي يجعلنا نعتقد بأن خيارنا الآخر أكثر صوابا، فإن عدنا بالزمن، وإن افترضنا أننا غيرنا خيارانا، فإن شعورنا بالندم من الخيار الأول سيتلاشى من ذاكرتنا، وتجربتنا ستكون وكأنها لم تمر بنا اصلا، وعندما نعود للحاضر، سنتمنى العودة بالزمن لتغيير خيارنا لاعتقادنا أن الخيار الآخر هو الأفضل لمستقبلنا، وهذه هي متناقضة الخيار الآخر.

لا يمكنك التخلص من الشعور بالندم أبدا، وهذا ما لخصه الفيلسوف سورين كيركيقارد في كتابه: اما/أو: تزوج وستندم، لا تتزوج وستندم ايضا، تزوج أو لا تتزوج ستندم في كلا الحالتين، صدق زوجتك وستندم، لا تصدق زوجتك وستندم أيضًا، صدقها أو لا تصدقها، ستندم في كل الحالات. ولأننا نظن أن الضفة الأخرى من النهر دائما أكثر اخضرارا، لهذا نندم.

في تصويت على تويتر قمت به، كان ندم الناس على العلاقات والصداقات والخيار الأكاديمي أكبر من التربية والوظيفة، ليس لأنهما أقل أهمية بالطبع، بل لأننا لا نرى نتائجها بسرعة كما يحدث مع العلاقات والمجال الدراسي، فالتربية كمثال لا نرى نتائجها إلا بعد عقود أو سنوات عديدة من الزمن، وكذلك خيار الوظيفة، وذلك لأننا نتعلم أخطائنا من نتائجها وحسب.

نحن نستطيع النظر للماضي، ولكن لا يمكننا استشراف المستقبل، وهذا ما يجعل من المستحيل أن نصنع خيارات لا نندم عليها، ولأنه أيضًا لا يوجد قرارات مطلقة الصواب. لهذا حاول أن تأخذ الدرس وتتعلم منه كيف تتعامل مع مواقف مشابهة بحذر أكبر وتفكير أكثر عمقًا، حتى يقل شعورك بالندم على خياراتك القادمة، لأنك دائما ستخطئ التقدير. وكلما ازدادت معرفتك وتعمقت تجربتك زاد احتمال شعورك بالندم، لأننا لا نندم، إلا حين نتعلم.

الفضيحة والفضيلة

DSC_7050_preview

كلنا نختبئ خلف حاجزنا الورقي المسمى بالفضيلة، وما أن يمزق ذلك الحاجز حتى نطفق خصفًا من ورق التبريرات التي نستر بها ما انكشف، هذا الحاجز نخفي وراءه كل عيوبنا، كل أسرارنا، كل نزعاتنا ورغائبنا التي نحاول سترها ليل نهار بكل ما أوتينا من قوة ومن رباط الخير، لا أحد لا يملك خطيئة، أو عيبًا لا يريد لأحد حتى الله أن يراه. وهذا الافتضاح الذي يحصل بإرادتنا أو دون ذلك يعتبر فضيحة، أيًا كان الشخص وأيما كان المجتمع الذي فيه والذي يحدد شكل الفضيحة وحجمها.

في البدئ يجب الفصل بين الفضيحة الجنسية، والفضيحة كمفهوم عام أي ما يحاول الآخر إخفاءه من عيوب. مطاردتنا للفضيحة الجنسية لا يقارن بباقي الفضائح، فهي تعيد رسم خيالاتنا ورغباتنا، فأحيانا نتمنى أن نكون برفقة هذا الشخص، ومعرفة تجربة الحب معه، وملاحقة هذه الفضيحة تتيح لخيالنا الفرصة بأن نجنح قليلًا من الخيال التام، إلى الخيال المربوط بحقيقة مرئية وشبه ملموسة، فمطاردتنا لها دافعها اللاواعي، وهو أحيان الرغبة الخفية. ليس بالضرورة تلك الرغبة مرتبطة بشخص تحبه، أحيانا بالمشهور أو قالب الشهرة بحد ذاته، فهو بعيد المنال غالبًا، وهو يبدو أكثر جاذبية من غيره بسبب هذا البعد الكوني الذي خلقه حشد من المعجبين والمتابعين. جانب آخر وهو بحثنًا عن تلك التفاصيل التي تخفيها الثياب والأخلاق، فهي لا تظهر لنا الجانب الآخر من الشخص، الجانب الذي قد لا يدركه إلا أقرب المقربين، وهي نزعة من فضول لا يؤمن بالقيود

نحن نحب الفضائح، بل أكثر من ذلك؛ نحن نعشقها، نحب أن يكون الآخر دائما متاحًا، دائمًا معيوبًا، لا نحب ما نراه منه عبر فضائله وحكمته وإحسانه، لا نحب ان نراه خلف نجاحاته ومقابلاته وانتصاراته، فنحن نحاول أن ننتصر على عقد نقصنا بهذا الشكل أحيانًا، وأحيانا أخرى نود أن نشعر بأننا طبيعيون، نخطئ كما ذلك الذي بنينا له تمثالًا في أذهاننا، على الرغم من أنه لم يُطلب منا ذلك، يبدو دائمًا البقاء في الجانب الآخر سهلًا، حيث يمكنك أن تلقي أحكامك على الآخرين، وتتفرد بسلطتك التي تظنها وهبت لك حال وقوع الآخر في خطأ.

ربما تشعرنا الفضيحة بأننا أفضل من الآخرين -وإن لم نكن كذلك- وأننا أكثر استقامة وكمالا، نحاول أن نجد طريقة لهدم الصرح الذي بناه هذا الممثل أو تلك الفنانة وهذا المقدم، قد نظن أن سبب فشلنا هو نجاح هؤلاء، فلو منحنا ذات الجمال، ذات الصوت، أو حتى ذات الكاريزما لربما كنا مكانه، نحن نكشف ونفضح أنفسنا في خضم هذا السعي عن عدم رضانا الداخلي، عن حالات انهزامنا أمام الحياة التي نظنها لم تنصفنا كفاية، وانصفت كل هؤلاء.

اما الجانب الأبرز في القضية هو الفضول، الإنسان يحب أن يعرف، أن يعرف عما يخصه وما لا يخصه، والفضيحة تبدو مادة مثيرة للانتباه، لمدى الأثر الذي تسببه تلك الفضيحة، لأنها تؤثر على الشخص ومن حوله، وتغير حياته أحيانا بشكل تام، وهذا يخرجنا من الأحداث الروتينية إلى حدث مُغرٍ، وهذا الفضول نفسه يدفع الناس للتلصص والنظر عبر نوافذ الآخرين.

الفضيحة تساعدنا أحيانا في تفادي الافتضاحات، والتفكير في كيفية التعاطي مع الفضيحة في حال كنا مكانه، وما يدور في عقل المتلقي للفضيحة عدى تمنيه ألا يكون مكانه، هو التحليلات والتخمينات والمخارج التي يبحث عنها لينأى بنفسه عن ما قد يحدث الفضيحة، أو يهذب تصرفاته بحيث يتخلص من مسبباتها. الفضيحة تبدو ورغم خطورتها، موضوعًا مثيرًا يصلح للدردشة، مهمًا يصلح للنقاش، مسليًا أحيانا، يصلح للضحك وإلقاء النكت.

دعنا لا نكن مثاليين بعض الشيء، ولنكن أناسي، لست بالضرورة شخصًا سيئًا حين تبحث أو تصغي باهتمام إلى فضيحة، أو تناقشها، كل ما في الأمر أنك إنسان، ربما كل ما في الأمر أنك تود أن تعرف، وإن لم تكن مهتمًا بالفضيحة، ولم تبحث أبدًا عنها، أبدًا أبدًا…. اقترب لحظة، انظر في عيني، آه صدّقتك الآن، يبدو أننا بحاجة لنسخ عديدة منك، أو ربما ببساطة، نحن بحاجة لأن نتعلم كيف نتعاطى مع الفضيحة، ألّا نحولها لموضوع نقاش، ألا نشارك ما يصلنا مع الآخرين، فقد نكون يومًا ما بين زوايا المستطيل الذي يسمى بالهاتف، يتبادلنا الناس، ينظرون إلى سروالنا الذي تمزق، ورسائلنا الغرامية التي تسربت، وصورنا المضحكة التي نحتفظ بها دون أن ندري لمّ نفعل ذلك، حينها سنتمنى حقًا، لو كان العالم كله فاضلًا مثلك، لا يشارك فضائحك، لا يحولها لنكتة، لا يلوح بها لك، كلما وقفت على المسرح لتقول شيئًا مفيدًا للآخرين، ليذكرك بأنك ملطخ بالخطيئة التي لا يمكن للزمن أن يغسلها، وحينها فقط، قد تتمنى لو أن الأرض انشقت، أو السماء انفطرت، أو أنك كنت نسيا منسيا. وتذكر فقط، أن حرفًا واحدًا يصنع الفرق بين الفضيلة والفضيحة، حاول أن تتجنبه قدر الإمكان، وستجد حرف الحاء يطاردك في عين حاقد وحاسد، فتجنب أن تكون أحدهما.

غرق

26198291_10155822254305446_4678631683942533452_o

 

ظننت أن قرار انتحاري للهرب من حياتي كان قرارا جيدا بما يكفي. كنت اخطو إلى الداخل نحو الشمس لنغرق سويا، جمال الغروب جعل أضفى على رغبتي كثير من النعومة والجاذبية. كنت انظر من خلف كتفي أثناء سيري البطيء، كان كل شيء يصغر رويدًا رويدا، الناس والشجر والصخر والأرض التي تبدو أقل استقرارا من دواخلي. كم يبدو العالم أكثر أمانا من بعيد. حين وصلت للبقعة الداكنة من هذا البحر الهادئ، اندفعت وحررت جسدي مستقيما، كانت أول ثوان لي هي أفضل اللحظات التي عشتها منذ ولادتي، كل الضجيج الذي بداخلي صمت فجأة حين صرت تحت الماء، اسمع صوت حركة الماء من حولي، واشعر بجسدي يهبط متحررا من كل ثقل، راودني شعور أعادني طفلة إلى رحمي الأول، و أعاد الصوت الحياة إلي رويدا رويدا، رغم أنني هاربة إلى الموت. استحضر وقبل أن أفرغ الهواء الذي بداخلي كل حالات الفشل التي عشتها كل اللصوص الذين سرقوا مني طفولتي ومراهقتي ولم يشبعوا حتى طاردوا شبابي، وأخشى أن يفعلوا ذلك حتى هرمي، ولو كان بيدهم لفعلوا ذلك حتى في قبري.

كان شريط حياتي يمر أمامي ببطيء الغرق الذي امارسه، كنت أود لو تنقضي هذه اللحظة أسرع مما ينبغي، من سيبالي بموت عورة، الكل سيشعر بالراحة، فهم لا يمارسون طغيانهم عليها لخوفهم عليها، بل لخوفهم منها، هم يخافون أن تمارس الحياة كما تحلو لها، تتخذ قراراتها، تصنع ذاتها، تجلب لهم العار والفضيحة، هذه هي مخاوفهم وهلاوسهم، هم يريدوننا فتيانًا حتى ما إذا مارس الحياة كما تحلو له قالوا “هو ولد شايل عيبه” أما نحن فالعيب هو من يحملنا كما يبدو، منذ النطفة الأولى وحتى اللفظة الأخيرة. لو كان خوفهم علينا هو وقودهم، لما كنا نحيا حياة المعتقلات المقتولات. لا أدري ماذا كان سيصنع والدي لو علم أنني أحب ابن جارتنا، وأنني أحلم كل يوم بأنه يقبلني كما في قصة الأميرة النائمة، أو أنني حاولت الخروج وحدي عدة مرات لأسير قليلا في متنزه المدينة لأنني سئمت البقاء بين حيطان البيت التي لا تجيد سوى فضح وحدتنا. لا أدري ماذا سيفعل أهلي لو رفضت الزواج من ابن عمي الذي يفصل بيننا عمر وكأنه قرن.

لن استطيع أن احصي عدد المرات التي كنت اضطر أن افرق بين ساقيَّ حتى تتأكد جدتي من أنني لا زلت فتاة، وأن جارتنا اللعينة التي اتهمتني بما يسمونه شرفي كانت تكذب كعادتها. لن احصي كم مرة نهرتني أمي لأنني وضعت عطرًا، أو ظهرت شعرة متمردة من تحت حجابي دون علمي قبل أن ابلغ الخامسة عشر من عمري. أو حين ظهر ساعدي عندما رفعت يدي لأنزل شيئًا من رفوف الدكاكين. لكن يمكنني أن أحصي كم عدد العباءات الملونة أو المطرزة التي اشترتها لي أمي… نعم صفر، كانت كل عباءاتي عبارة عن قطعة قماش سوداء فقط، لا أدري هل يمكننا أن نرتدي على الأقل لونا أقل تشاؤما منه، أم مكتوب علينا أن نرتديه فقط في قبورنا!

وحين ظننت أنني افر من كل هؤلاء إلى زواج يأخذني بعيدا عن هذا النحس الذي لازمني وتلك المعارك التي خاضتها روحي التائهة داخل هذا الجسد المضرج بالجروح والندب والكدمات، وجدتني احيا بذات الحظيرة، من أسرة تعاملني كحيوان إلى زوج لا يقل عنهم صفة من الحيوانية، خرجت من معتقل سياسي إلى معتقل انفرادي، حيث القانون والأعراف تمنحه حق التسلط والتنمر والحبس والحرمان، كنت افكر كثيرا بهذا المهرب، ولكن كنت أتردد مرارا وتكرارا، حتى ادركتني مشاعر أمومة طائشة همست لي أنه وربما يكون ملاذي الأخير هو صوت بكاءه، وضحكاته التي لا يفهمها بعد، فقررت أن أحمل وانجب طفلا أو طفلة، يملؤون علي مماتي ويعيدونني إلى الحياة.

حبلت ذات ليلة مظلمة كان يتصنع هو فيها الحنان والاهتمام والرعاية، أظن أن كل ما كان يبحث عنه هو أن ينادى أبو فلان، لم يكن يفكر أن حملي سيجلب له أخرى تشبهني، يحاول تقييدها كما فعل معي، البسي، كلي، لا تخرجي، سأضربك إن لم تستمعي لي، ويعيد نسخ تجاربي من جديد في قالب يشبهني بل هو قطعة مني، وكأنني أورث مأساتي وعذاباتي. كان وجهه ممتعضا وكان يحاول أن يرغم شفتيه ع الانفراج بشكل مزيف، وما أن سمعت صوت انغلاق باب البيت بعد أربعة أيام عشتها في حضرة ملائكة الرحمة بلا أبواب، دلف إلى غرفته من حيث لم يغادرها، وحملت ع عاتقي مسؤولية طفلان، هو أحدهما، اطبخ واكنس واسهر وارضع، بالكاد أجد وقتا للراحة، كان فقط يتنكر بزي الأبوة حين يمر بنا ضيوف كرام، ثم يمسح تنكره ما أن يخرخش الباب.

بدأ جسمي يقاوم الفكرة، ويحاول أن ينتزع مني فمي ليسحب نفسًا، وبعد مقاومة لم تطل، حررت فمي له، بل وكل جسدي، بدأت انازع الموت، وعقلي يعبث بكل أطرافي، شعرت برعب كبير، ما الذي ينتظرني في الضفة الأخرى، مر شريط آخر بحياتي، كانت بدايته دنيا، ابنتي، ولم تكن له نهاية، تذكرتها وكأنني التقيت ذاكرتي للتو، كان لليأس سطوة أكبر من أن يجعلني اذكر أو أرى أو حتى أفكر، تلك اللحظة الوحيدة في حياتي كلها التي تمنيت فيها حقًا أن أعيش، قاومت بكل قوة ونازعت بكل ما بقي من روحي المغادرة، رأيت ضوء أبيضًا، علمت بأنني سلمت نفسي، لم اعتقد يومًا أن الموت مخيف هكذا، الموت بحد ذاته ليس مشكلة، لكن السؤال الذي لا يجد الإنسان إجابة شافية له هو: أين سيذهب بعد الموت، فالعدم شيء مربك، رغم أننا جئنا منه، لا نستطيع أن نتصور الأبدية، ويستحيل علينا فهم العدم، ماذا بعد الموت، هل ينتظرنا حساب وعقاب، هل ينتظرنا بعث جديد، هل سيفتقدنا أحد، هل سيرثينا أحد، كيف سيحيا من نحب، وكل ما فكرت فيه في تلك اللحظة أمنية واحدة، أن أرجع، لأنني كنت أنانية بملاحقتي للموت ظنا منه أنه نهاية لمأساتي وحل لمشاكلي.

سمعت أصواتا كثيرة، بعضها يردد غطوها غطوها، وأخرى هل تتنفس؟ لم اشعر بأطرافي، ولكنني شعرت برغبة ملحة بأن اسعل، وبعدما فعلت، افقت ووجدتني ممدة عند الشاطيء، والنسوة من أهلي يحيطون بي، ينتظرون عودة زوجي ليذهب بي إلى المستشفى، بينما دنيا تبكي عند رأسي. مددت يدي نحوها واحتضنتها بما ملكت من قوة، وهمست لها: دنيتي، أنا اعتذر منك، كنت أنانية في قراري، سأفعل كل شيء، سأحارب كل شخص حتى لا تقاسي ما قاسيته، ستكونين حرة في مملكتي، سأكون قوية من أجلك، ومن أجل جيل يأتي من بعدك تخرجينه من سجوننا المقيتة، وتفكين أغلاله، دنيتي، كنت جبانة، وظننت أن الحل في الموت، ولكنني كما يبدو الحل في الحياة، ربما لن تفهمي كلامي الآن، ولكن ستتذكرينه يوما ما.

وهذا ما قالته لي أمي، أمي التي تعلمت منها الكثير، وبسببها ها أنا اليوم أقف أمامكم لألقي هذه الكلمة: قالت دنيا لجمهور الطلبة والآباء في حفل التخرج بشهادة الدكتوراة.

دعيني أخبرك بسر!

26060318_10155809463350446_4788323466595308592_o

كنت أشاهد أحد الأنمي المفضلين لدي، أكاديمية الأبطال، وفي أحد المشاهد المحورية والمؤثرة، همست عيني ببعض الدمع في نفس اللحظة التي دخلت فيها زوجتي الغرفة، حاولت إخفاء الدمع ولكن دون جدوى، ما كان من زوجتي إلا أن أتت من خلفي وأخذت تمسح دموعي وهي تبتسم وتقول “علمت من الخلفية الموسيقية أنك ستبكي هنا”، ابتسمت وقلت لها اجلسي هنا دعيني أخبرك بسر.

كان ذلك السر هو نظرتي الشخصية وراء الأسباب التي تدفعنا للبكاء أو التأثر بشدة لمشهد ما.

في مشاهد الأفلام والمسلسلات وحتى القصص التي نقرؤها قد نتأثر، نحزن، أو في حالات التعلق العظمى نبكي، نبكي لأن المشهد حزين، والموسيقى مهيئة للحالة النفسية القادمة، ولأن النص يحكي بتفصيل يجعلنا ندهن لوحة المشهد الدرامي المحبوك بعناية، غالبا يبكي الناس عندما يتعلقون بشخصية، أما أولئك الموتى على هوامش النص أو المشهد فلا تربطنا به علاقة وطيدة حتى يتسنى لنا أن نعيش اللحظة، بل وجهاز التحكم بمشاعرنا موجودة لدى المؤلف أو المخرج، يسلط الضوء على الشخصيات التي تساهم في ذلك الرابط الخفي الذي نكونه مع الشخصيات الوهمية التي تؤدي الدور.

غالبا يظن الناس أن تأثرهم بسبب حزن المشهد، ولكن هذا فهم عام وسطحي بعض الشيء، فليست كل المشاهد الحزينة مستفزة للدموع، ربما التعاطف غالبًا، ولكن الدموع لا تنهمر بسهولة في تلك المشاهد، وما يجعلنا حقًا نبكي عدة أمور نسردها منفردة.

مجمل حالات تعاطفنا وتأثرنا يكون مع شخصيات محورية جاهد الكاتب في ربطنا بحياته وتفاصيله حتى أصبح بيننا وبينه علاقة حميمة وكأنه صديق أو فرد من أسرة أو حتى حبيب سري. وأي شيء يصيب تلك الشخصية يستحث بكائنا ودموعنا وتعاطفنا. ودعنا نسميه، العلاقة العاطفية الوهمية مع الشخصية.

يأتي في المرتبة الثانية، استعدادنا العاطفي للتأثر بالمشهد، فقد نكون بحاجة للتعبير عن أحزاننا ولكننا نفشل بجدارة في اخراج تلك الكومة الكبيرة من المشاعر، فنحن معتادين على الكتمان والتجاهل وعدم إعطاء الحزن حقه وكفايته في حياتنا، وحين يمر من بين أطراف رموشنا مشهد حزين، فإننا نخرج ما نظنه تأثر بالمشهد، وكل ما في الأمر أننا نخرج تلك الأحزان التي لم نمارس البكاء معها.

في عصر التكنلوجيا والسرعة والمال، تضيع مشاعرنا بين حزمة العلاقات المادية وعلاقات المصلحة حتى بين أفراد العائلات والأسر، مما يفقدنا كثير من المشاعر الإنسانية، والمحبة والمودة والحنان وكذلك الشاعرية، تلك المشاعر المكبوتة والمحبوسة في زنزانة الجفاف العاطفي تبحث عن مستقرها ومستودعها، والذي غالبا لا تجده، فيجد المرء نفسه تائها روحيا، لا يدري ماذا يفعل حتى يفرغ تلك الكمية من المشاعر، أو كيف يمارسها، ولا يتأتى له إلا عبر الشاشة أن يعيش تلك المشاعر لتستفز وعيه واللاوعي بداخله، فتجده يبكي ويحزن ويحب ويصرخ ويشجع ويتعاطف مع المشاهد والشخصيات والمواقف، فممارسة المشاعر الوهمية أفضل طريقة لحياة نفسية مستقرة، في عالم المصالح والمادة.

وأخيرا وليس آخرًا، وهو أهم نقطة لا يشعر بها الناس، وهي الرابط الواقعي بين المشهد وحياتنا الشخصية، من حالات الخذلان والخيانة، لحظات الإحباط والحاجة، ومشاهد الحياة التي تشبهنا إلى حد ما. نحن نبكي حين يكون المشهد مرآة لحالاتنا الشخصية، وتراكماتنا النفسية العميقة، وشعورنا بأن هنالك أمل قابع في ركن ما، شعورنا بأننا لسنا وحدنا من يعاني، لسنا وحدنا من يحمل وجعًا، لسنا وحدنا من يحمل جرحا أو ندبة عميقة، ولأن هذه المشاهد تقتحم العمق في عقلنا اللاوعي أكثر من عقلنا الواعي، فإننا نبكي أحيانا دون أن ندري أننا وفي العمق نبكي على أنفسنا التي نراها متمثلة في فلم سينمائي، مشهد أنمي، أو حتى رواية.

لذا حين تجد أحدهم يبكي على مشهد، لا تسخر من مشاعره، فأنت لا تعلم حقًا ما يوجد في العمق، ولكنك تعلم الآن أن في العمق ربما توجد شخصية هشة، أضعفتها الحياة، ولم تجد متسعًا سوى تلك الشاشة لتفرغ فيها تلك الحجارة عبر محجريها. وأننا حقًا بحاجة لأن نتذكر دائمًا أننا كنا ولا زلنا بشرًا ولسنا مجموعة حجارة.

المنبه الذي لا يرن

22491486_10155623227045446_2779728727379722435_n

إنها الثانية عشر منتصف الليل، يحصل يوسف على وجبة العشاء، وهي عبارة عن زجاجة حليب، يتهجى النوم على وسادته الصغيرة حتى ينام، يحاول الثرثرة، وكل ما يخرج من فمه هي محض أصوات يحاول تلحينها حتى ينام.

لأكسب بعض الوقت اتناول زجاجات الرضاعة لأغسلها، صدقني لن ترغب في غسل زجاجة مخصصة لتقليل الغازات، ففيها الكثير من القطع التي عليك أن تدخل فيها أنواع مختلفة من فرش التنظيف. عيني تراقب الساعة حتى لا تفر بالوقت، ادس الزجاجات والقطع في جهاز التعقيم، اضع الماء في الغلاية، اجهز سريري واتمدد.

اتذكر أنه يتعين على ضبط المنبه على الوقت المحدد، اضغط على زر التشغيل، وأكاد اقسم أن الجهاز اللعين يسخر مني حين يظهر لي ما تبقى من وقت ليرن المنبه، ساعتان وأربعون دقيقة، إن الوقت لا يجامل أحدا. ارفع كفي إلى السماء وادعو أن ينام هو بشكل جيد حتى يتسنى لي أن أنام بشكل أقل من جيد.

استيقظ مفزوعًا، اطل عليه، إنه نائم، هو فقط يصدر اصواتًا، اضع يدي قرب انفه، إنه يتنفس الحمد لله، اعاود النوم، وبعد ساعة اسمع صياحا متقطع، ارفع يدي من تحت الغطاء متمنيا أنه لم يستيقظ بعد وأن هذه اضغاث أحلامه الصغيرة. يتحول الصياح المتقطع إلى بكاء متصل، انهض مثقلا بسهر الأيام الماضية، أمضي نحو المصباح وأصنع به عكس ما اصنعه بجهاز التكييف.

اخرج الزجاجة وبالملقط احشر القطع في بعضها، اغلي الماء، احضر الثلج، ابرد بعض الماء الجاري وأضعه في كأس أحشر فيها الحليب ليبرد، الصياح يتعالى، اهرع لأحمله حتى يسكت، اتناول الحليب بعد ان فتر، احمله واضمه إلى صدري، وأرضعه من الزجاجة، بينما يتردد على نظري ضباب النعاس.

الممرضة قالت: دعه يتجشأ حتى لا يتقيأ، هكذا انظر. عملية صعبة، ضمه إلى صدرك ورأسه على مستوى كتفك، ربت على ظهره، واقسم بالله أن التربيت ليس جزء من العملية، ولكنني تعودت على ذلك لأوهم نفسي أنها أسرع طريقة لجعله يتجشأ، الوقت يمضي بسرعة خيالية، وبعد أن يفرغ من زجاجته، اضعه في مهده واقوم بتغطيته ثم اجلس لادردش معه، لا يبدو أنه يريد النوم ما الخطب يا ترى. انظر إلى الساعة، إنها الثالثة والنصف صباحا!

حبيبي متى ننام، أنا متعب جدًا، أتذكر شيئًا، علي تغيير الحفاظ، وقبل أن افكها، ارفع كلتا كفي إلى السماء، ثم أهمس له وأقول لا تقل لي أنك فعلتها ! هذا ليس الوقت المناسب لأسوأ مهمة، لست مستعدا لذلك يا حبيبي، وللأسف، يبتسم هو معلنا أنني في ورطة. انظفه واضطر لاعداد كمية صغيرة من الحليب حتى ينام بها.

اضبط المنبه كل ثلاث ساعات كما قالت الطبيبة، إنها عملية شاقة جدًا، بالكاد يمكنك أن تقضي منها ساعتين، لأن الساعة الأولى تنقضي في غسل الزجاجات وتعقيمها، وفي استيقاظه قبل منبهك بالطبع، ينقضي المساء وبالكاد حصلت على ثلاث إلى أربع ساعات من النوم المتقطع، كأنك تحمل شطيرة، تتناول منها قضمة كل ساعة، فلا أنت شبعت، ولا أنت استمتعت، وتبقى أمام خيار واحد، أن تقرر النهوض والاستحمام لتطرد النوم متمنيا أن يكون نوم الغد أفضلا حالا من اليوم.

وينقضي النهار بنفس الوتيرة، ولكن استبدل النوم بقضية أخرى، الكتابة، القراءة، مشاهدة التلفاز أو حتى النوم… الخ

آه نسيت أن أخبركم، زوجتي سافرت لتقدم امتحانات نهاية السنة، وأنا الآن في نهاية الأسبوع الثانية منذ استلامي العهدة الكاملة لرعاية ابني يوسف، الآن فقط فهمت معنى الأم الحقيقي، معنى أن تسهر أمك وأنت نائم، معنى أن تتعب وأنت مرتاح، معنى أن تقلق وأنت مطمئن.

الآن فقط فهمت لماذا لا يستطيع أغلب النساء أن يعتنين بأنفسهن، لماذا لا يملكن الوقت للقيام بمهام أخرى سوى الرعاية، لماذا مزاجهن متعكر، لماذا أجسادهن منهكة، أنا انقطعت عن الكتابة والقراءة والخروج من البيت، فلا يمكنك أن تنظم وقت الأطفال، فالأطفال كائنات عشوائية، لهذا لا تظن أن بإمكانك تنظيم وقتك، فهم وقتك ومنبهك الوحيد.

اعتذر لجميع المتابعين عن الانقطاع، ولكن حقا قلة النوم مأزق كبير، ودور الأم أعظم من أن يتقمصه رجل.

هنا وصلة لمقال اشكالية النوم، مرتبط جزئيا بهذا المقال

https://altaye6.com/2017/10/06/sleepingprob/