539685_433536663387598_1024367709_n

كنت كلما عدت من مدرستي الابتدائية الإعدادية، أقصد الطريق المؤدية إلى السوق المركزي، فألج السوق من الباب الخلفي تحديدًا من باب جرار يرتفع للأعلى أدخل تحديدًا إلى المكان الذي أرى فيه أطيب الألوان والأشكال، أرى فيه كل شيء لم أستطع تناوله وأستطيع فقط شمه، لمسه أو النظر إليه، يااه رائحة الفواكه كانت تعيد الحياة إلي بعد يوم دراسي طويل.

كنت أظن دائمًا أن اليوم الذي أنظر فيه لهذه الفواكه فقط سينتهي عمّا قريب، وستصبح كل الفواكه بين يديَّ أتذوقها بعد شمها ولمسها وتقبيلها. لا زلت أضحك على نفسي حين التقيت أول مرة أنا وتلك الفاكهة الدائرية البنفسجية كنت قد رأيتها في الثلاجة وتجهمت أمامها وقلت لأمي: أبي اليوم مريض أو يشكو من شيء؟
لمَّ يا بني.
أنظري أنا وإخوتي اتفقنا على ذلك
فقد رأينا والدي وقد وضع كرات البصل الصغيرة
داخل الثلاجة.
حينها سمعنا والدي وأخذ يضحك ضحكًا مستمرًا حنونًا، وقال: تعالوا يا أولاد.
هذه فاكهة، وتسمى العنب.
رفعَ كلٌ منا حاجبه وقال: أتضحك علينا ! هذا بصل، وأنت فقط تخترع اسما من عندك
لتخدعنا به، وترغمنا على طبق “القاورما” الكريه.
أنظر هذا بدون قشر.
ربما قمت بتقشيره: بصوت واحد أجبناه.
طيب سأغسله وتذوقوه ومن ثم قرروا إذا ما كان بصلًا أم لا.
أذكر جيدًا كيف أغمضت عينيَّ وتلك الفاكهة تنفجر داخل فمي وتتكسر وتتحول إلى ماء عذب، كانت عينيَّ تتلألأن وقلبي يساوره شعور غريب من البهجة والمتعة والسرور. وبعد أن ذابت في فمي كلها وبقيَّ جلده الحلو المذاق قلت … أبي أبي، ما أسم هذه؟
إنه عنب.
أبي، أنا أحب العنب، أعطنا المزيد.
ثم أخذت أخرى وألقيتها لتنفجر في فمي، وتلتها أخرى وأخرى حتى امتلئ فمي بها.
كنت لا أعرف كيف أصف ما يجري في فمي
وحين كبرت كنت أشبهه ببالونٍ ممتلئ بماء حلو وعذب ينفجر ما أن نرميه في أفواهنا كقنبلة موقوتة.
هنا في السوق المركزي أقف والعنب لم يعد يستهويني ولا يشدني إليه، ولكنه بين الحين والآخر يعيد لي ذلك المشهد وتلك الذكريات. كنت أحب الذهاب للسوق المركزي ليس فقط للتمتع بتلك الألوان والأشكال بل لأنني كنتُ محبوبًا عند الباعة، فيمطرونني كلٌ مما عنده حبة موز، برتقالة، مجموعة صغيرة من البالونات المتفجرة وأحيانًا قليلًة أحظى بتفاحة من عند صديقنا البائع اللطيف سردار.

كان سردار رجلًا بشوشًا لطيفًا جدًا مع زبائنه، كان قلبه أبيضًا لا يعرف سوى أن يوزع السرور على من حوله، كنت أنا صغيرًا جدًا وقصيرًا، وكان طويلًا وفوق هذا يعتلي قمة السوق، حيث يركب درجًا خلفيًا ليصل لقمة محله المنحدر كالتل، لكن أيما تل، تل به كل ما لذ طاب وكل ما نبت من تحت التراب.

كنت أحاول الدخول من خلف السوق المركزي، كي يراني عمدًا،
فأقول له: سردار، كيف حالك.
فيبتسم ويقول: أهلًا يا أحمد كيف أنت.
بخير أجيبه.
فيتجاهلني حين يكون مشغولًا
وأسعد كثيرًا حين لا يكون لديه عمل
فهو يناديني ويجلسني بالأعلى لأرى السوق
من سماءه الصغيرة.
فأبتسم، فيعطيني أي شيء أشير إليه
ومن ثم يقول لي: خذ هذه وبلغ والدك ووالدتك تحياتي.
خذ هذه أحيانًا تكون فاكهة، وأحيانًا تكون جزرًا أو خيارًا.
لم أكن أبالي بالذي يعطيني إياه طالما ليس بصلًا أو ثومًا.
وحين آتي برفقة والدتي، كان يزيد الوزن، فقطعتين إضافيتين

من أي شيء نريد، وحين نحاول أن نعيدها يرفض ويقول، أنتم زبائني
وهذا شيء بسيط. كنت أنظر للأشياء وأشتهيها، فيفهم لمعة عيني ولهفة لعابي الذي يسيل بخجل خشية أن تكتشف أمي أنني أتعمد إظهار رغبتي لم أكن أحب أن أطلب الشيء، أحب أن يعطيني إياه بنفسه، كانت أمي تحذرني “إياك وأن تمد يدك لشيء أو تقول أعطوني” فأجد لسان نظري يطلب ما يريده من محل سردار، هنالك بالطبع حدود لما يمكن للبائع أن يعطيني إياه بعكس رغباتي الصغيرة التي لم تكن تعرف الحدود، ولكن الخجل يحدها من طلبه.

رآني سردار قبل سنوات عدة وقد كبرت، رآني فتهللت أساريره وكأنه رأى أحد أقاربه وأكاد أجزم الآن بأنه كان يود ضمي، لو لا حدود الدول بيننا والتي تفرض أن لا يضم من هم في شرق آسيا، من هم في المشرق العربي، معللًا ذلك باختلاف الثقافة، متخفيًا بتلك الحجة من العنصرية
المقنعة.
بعد أن رآني اشتريت من عنده بعض الخضروات، الآن بات باستطاعتي أن أشتري أي شيء، وكل لون ولكن لم تعد الألوان تحمل ذات الطعم، ولا بداخلها ذات البهجة والسرور، لكن تبقى الألوان تغير حياتنا وتشكل مزاجنا ولكن ليس بالقدر الذي قد كانت عليه حين كنت صغيرًا.

اليوم صدفة، دخلت المطبخ، قالت لي أمي: إن سردار مات اليوم. حينها قلت: الله … لا يمكن أن أقولها، فسكتت. تذكرت حينها كل تلك الذكريات و تذكرت السوق المركزي والتل الذي اعتلى قمته سردار، فأضحى في مخيلتي الآن بلا ألوان ولا روائح زكية كالتي كانت تحملها ذكرياتي، أيقنت لحظتها أن الألوان لم تكن في الفواكه والخضروات التي في السوق المركزي، بل كانت الألوان تتناثر من وراء ابتسامة بائع الألوان صديقي الكبير سردار.

22/2/2013

بين الحقيقة والذكريات والخيال

عطش لزخاتكم

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s