20120907_134512

الحب هو قوام كل شيء، وسبب استمرارية أي شيء حولك، إن أحببت شيئًا سيبقى معك، وإن أحببت فلمًا سيبقى في ذاكرتك، وإن أحببت صورة ستعلقها في جدار غرفتك، وإن أحببت مشروبًا، فهو أول من ستفكر فيه قبل أمك حين تشعر بالعطش، أي شيء يزال منه الحب لا قيمة له، خذ على سبيل المثال هدية لم تنبع من حب وكان غرضها مصلحة، لن تصل لقلب الشخص أبدًا، بل قد يكون مفعولها عكسيًا، نحن نستطيع تحسس الحب وإن كان مقداره شعرة فقط في مقدار المساحة الكلية للشيء الذي في متناول أيدينا، بدون الحب لا تثمر الشجرة، ولا تتفتح الزهرة، ولا نطعم السعادة.

الحب ليس فلسفة تدرس، أو مصطلحًا يحفظ، الحب ليس إله إغريقيا يحمل قوسًا وسهمًا يطارد الناس، الحب ليس رقمًا يلقي به شاب تحت قدمي فتاة ليحظى بما تحمله هذه الأقدام. الحب بذرة، والأطفال هم الأرض الخصبة التي يزرع فيها الآباء ما يريدون جنيه من ثمار، وإن زرع الآباء الحب، سينمو فردٌ في المجتمع يجيد التعبير عن الحب، والبيت الذي لا يزرع إلا الكراهية، أو حتى لا يجيد زراعة الحب، فلن يحصد سوى الشوك، أو الإهمال أو التجاهل حال كبر أبنائهم. يكبر الآباء ثم يشتكون عدم تودد أبنائهم لهم، أين كنت وقت الحرث، كنتَ مشغولًا بعملك، بأصدقائك، بمبارياتك في التلفاز! وأنتِ ماذا كنتِ تصنعين، تعملين في شركة وتوكلين مهمة الزراعة لخادمة لا تجيد حتى العربية، كيف تريدون حصاد مالم تقوموا بزراعته.

آه من العادات والتقاليد ومن سطحية بعض المجتمعات التي ترى أن من العيب على الرجل أن يبكي! وكأن الرجل خلق بلا دموع، وعيبًا عليه أن يظهر ضعفًا فهو الصرغام، الفارس الذي لا يهزم، والسيف الذي لا يكسر. عيب عليه أن يحب أو أن يعبر عن حبه لصديقه؛ ففي ذلك شذوذ، ولزوجته، فهذا خروف بصوف، ولربه فهذا من الرياء، وللناس فهذا يقلل الكبرياء، كل ما على الرجل فعله، هو أن يعيش كآلة عديمة الأحاسيس، وكصراف آلي يقدم المال دون مشاعر، وكضابط في ثكنة عسكرية يصرخ بالأوامر والتعليمات دون مودة. إن كل ما نصنعه الآن هو التزام أعمى بعادات وتقاليد جاءت دخيلة على الفطرة السليمة وعلى التعاليم الدينية القويمة.

إن أغرب شيء وأكثره مدعاة للضحك حزنًا على حالنا هو أننا نرى في الحب ضعفًا وندعي أننا لا نريده، ولكن الأمر ليس كذلك البتة، انظر لقاعات السينما ذات الأفلام الرومانسية، ستجدها تعج بالناس، بالكاد تجد لك مقعدًا يحتوي جسدك المثقل بالوحدة الداخلية. انظر لأكثر الكتب مبيعًا، أغلبها قصص وروايات ومواضيع الحب. انظر إلى جذوع الشجر، وكراسي الحدائق وحيطان المدينة، كلها حفور وخربشات لقلب يحمل حرفين، اسمين، أو حتى شكلين متعانقين. ادخل إلى أحلام اليقظة، بل حتى أحلام المنام، الناس يطاردون الحب في كل مكان وفي كل زمان، لذا نحن باختصار نريده ولا نجيده، نتمناه ولا نهبه، نرغب في حصد ثماره دون زراعته، وسنبقى في هذه الدوامة مالم نتغير.

المعادلة بسيطة، الحب يعني الاهتمام، الحب بلا اهتمام لا معنى له، كقصر مشيد فارغ من الداخل، ككتاب بلا حروف، كمرآة بلا انعكاس، لذا حين تحب سيعرف من تحبه أنك تحبه لأنك تهتم به، لكن ذلك لا يكفي. أحد الشباب العرب قاموا بتسجيل ردود الفعل قبل فترة لذويهم الذين لم يخبر أي طرف منهم الآخر بأنه يحبه، وأرادوا أن يستغلوا الفرصة ويجربوا ليروا ردات فعل أهاليهم، أغلب ردود الأفعال كانت محزنة، فمن لا يعتاد على كلمة أحبك، سيستغربها فجأة، كان أغلب الأهالي يسألون أبنائهم، هل من خطب يا أبني؟ أخبرني أرجوك مالخطب، حتى أن الأمهات يسألن متى وقت عودة الابن ليشعروا بالطمأنينة تجاه الموضوع، أحد الأمهات اللائي سمعن الكلمة لأول مرة بقيت طوال اليوم سعيدة وأخبرت أخت الشاب أن أمك سعيدة جدًا وأخبرتني بما قلته لها عبر الهاتف، أما أكثر مشهد مؤثر في الفيديو، فقد كان رد فعل الأبن الذي لم يرى والده لسنوات عديدة بسبب تواجده بعيدًا عن والده، فقد اجهش الابن بالبكاء حين سمع تودد والده له، وكيف أنه عبر له ولأول مرة عن حبه له وعن شوقه للقائه، وكم هو فخور به وبما يقدمه من مقاطع مفيدة للمجتمع، كان مشهدًا مؤثرًا، ولأن أمي تقطع البصل وأنا أشاهد الفيديو في المطبخ، ادمعت عيني بشكل مفرط.

التعبير عن الحب لا يحتاج أن نحفظ قصيدة، أو نزين الكلمات قبل إرسالها، التعبير عن الحب هو وصف ما نحب بأبسط كلمات وأسهل طريقة دون تكلف ودون مغالاة، يسألني البعض ما الذي يجب أن أكتبه لأبهر من أحب، أو لأبين صدق مشاعري، كيف أرد على هذه الأبيات التي أرسلتها لي صديقتي، ماذا نكتب على بطاقة الهدية لأبي، ابتسم وأقول له، ما الذي شعرت به وأنت تقرأ الكلمات، أو حين تسمع دعاءً ارسله لك، أو عندما ذهبت لتشتري الهدية، ما الذي أردت منه أن يصل لهم؟ يصمت قليلًا ثم يقول: أردت أن… نعم هذا ما يجب أن يكتب، أو يقال أو يرسل، لا تتكلف أبدًا مشاعرك، فما يقتل الود إلا التكلف، ولا يبلغ القلب إلا حسن التصرف.

هنالك أغنية مشهورة تقول كلماتها “لو لم يأتِ الغد هل ستعلم كم أحبها؟ لقد خسرت من أحبهم من قبل، الذين لم يعرفوا أبدًا أنني أحبهم، الآن أنا أحيا بندم” لذا وقبل أن نردد هذه الكلمات كواقع لا كأغنية، ونشعر بندم لن ينقطع أبدًا، قل لمن حولك ممن تحبهم أحبك، أحبك يا إلاهي فأنتَ ملاذي، أحبك أختي، أحبك أخي، أحبك أمي أحبك أبي، أحبك زوجتي، أحبكم أبنائي، أحبك معلمي، أحبك صديقي، أحبك يا من تقرؤني، وأحبكِ يا أنا.

2 thoughts on “نريده ولا نجيده !

عطش لزخاتكم

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s