10882192_10152904790150446_3395885071164311762_n

يسأل بعض الفلاسفة سؤالا جدليا حول الكون والحقيقة، وهو: هل كل ما نراه حولنا ونلمسه ونشعر به حقيقة! هل على سبيل المثال يدك ورجلك وأنفك موجود في الأماكن التي تراها في جسدك !

سيقول البعض: لأنني أرى يدي وأستطيع لمسها، وحمل الاشياء بها إذا هي حقيقية. دعنا نتجاهل فكرة حمل الاشياء وسنعود لها لاحقا، ودعنا نتحدث عن الحواس، في تجربة لحدود العقل في الإدراك، قام مجموعة من المختصين بعمل كشك صغير يروجون فيه لأداة مساج صغيرة تسمى النحلة. تطلب احداهن من زبائن المجمع الاستلقاء على الكرسي بشكل يغطي وجهه، لتقوم هي باختبار الجهاز الصغير. وبينما الزبون جالس يقوم خمسة اشخاص بالانضمام إليها بوضع خمس نحلات على ظهره. وبعد برهة تعتذر منه وتخبره بأنها ستذهب لدقيقة ثم تعود، فيشعر الزبون بانه ومع غيابها لايزال يحس بالجهاز على ظهر؛ ليتفاجئ بأن هنالك خمسة اشخاص يقومون بتجربة الجهاز ع ظهره. وحين سؤاله قال أنه لم يشعر سوى بنحلة واحدة! وهذا يبين أن العقل له حدود يعجز عن تجاوزها ولهذا لم يدرك أو يشعر ببقية النحلات. فهل لا زلت مقتنعا بأنك تتحسس يدك؟

أحد أعراض الملاريا المتقدمة هي الملاريا الدماغية والتي تتسبب بتصرفات غريبة للمريض، ومنها رؤية أشياء لا كيان لها وتصور أشكال لا وجود لها. الرحالة في البادية ومن شدة العطش يتراءى لهم وجود واحة بها نبع مياه وظلال وافرة وأشجار مثمرة. المسير في ظلام دامس لمسافة طويلة يجعل الإنسان يرسم أشكالًا وصورًا أمامه تشعره بالطمأنينة والراحة أحيانًا، أو تشعره بالخوف والرهبة أحيانًا أخرى، يمكن لمجموعة من الأشخاص إقناع صديق لهم برؤية شيء قد مر بهم وكيف له أن يفوته، فيبدأ عقله فيما بعد بمحاولة حشو الذاكرة بالشكل الذي وصفوه ويبدأ العقل في تقبل تلك الفكرة بما يسمى بمبدأ الإيهام.

هذه مجموعة من المواقف المشهورة لتعاطي العقل مع ما يمر به الإنسان من ظروف صحية، جسدية أو بصرية أو وهمية تجعله يرى أشياء لا وجود لها، فهل لا زلت مقتنعًا أن ما تراه وتلمسه هو حقيقة مطلقة مجردة من أي تضخيم أو تفخيم أو تصغير حتى، وكمثال تجيب عنه بنفسك، انظر لحجم أسنانك، ثم مرر لسانك على أحدها، وستجد أن لسانك يشعرك بأن سنك أكبر مما يبدو عليه في الحقيقة!

يتساءل البعض، هل نحن نعيش داخل المصفوفة – الماتريكس – مثلا؟ أم داخل حلم كفلم البداية –انسبشن-، ام أن عقلنا متصل بجهاز متقدم جدا كفلم الشفرة – سورس كود-. أغلب هذه الأفلام تتكئ على فكرة أننا محبوسون داخل عقولنا وحدودها، وأن كل ما حولنا أو ما مررنا به قد لا يتجاوز كونه اشارات عصبية بين شبكات العقل مرتبطة ببعضها البعض بما يسمى الذاكرة أو الذكريات. لذا نعيد السؤال، هل كل ما حولنا حقيقي؟
حتى الأمور التي نظنها بديهية لن تعدو كونها خليقة الذاكرة وليس بالضرورة خليقة الواقع.

لا يمكن معرفة ذلك أبدا –أننا نعيش في عالم كالماتريكس وانسبشن وسورس كود- ولا يمكن اثبات ذلك فكلمة اثبات لا ترادف الحقيقة دائما، فقد أثبت القدماء أن الشمس تدور حول الأرض وكان ذلك مناسبا فهو يفسر الشروق والغروب، وأن الشمس مركز الكون وكان ذلك يفسر كل الأمور التي كان البشر في حاجتها آنذاك، لذا فإن مبدأ الإثبات ليس بالضرورة متصلا بالحقيقة.

الطريقة السليمة في تعاطي العقل مع المحيط الذي بتنا نألفه بشكله الحالي تسمى العقلانية، والطريقة الأخرى تسمى الجنون. فعلى سبيل المثال، كثير من المجرمين تم اخلاء سبيلهم بحجة الجنون وذلك لأنهم ظنوا أن أبنائهم كانوا شيطانا أو وحشا أو على أقل تقدير هكذا صور لهم عقلهم ما هو أو من هو ماكث أمامهم. يمكنك قراءة الكثير من هذه القصص المطوية في سجلات المحاكم. الجنون دليل براءة لا يمكن رفضه إن ثبت على المتهم ذلك، تقول أحد الفتيات أن أختها عندما تدخل في نوبة جنون، فإنها تظنها شخصًا آخر، وتظن أن لديها قوى خارقة، وتسرق عجلات من الطريق لأنه يخيل لها أنها في أحد الأفلام السينمائية وأن عليها الوصول لتمثال الحرية قبل الوقت المحدد.

يقول علي الوردي في كتابه مهزلة العقل البشري، العقل البشري صنيعة من صنائع المجتمع. ومن مزايا هذا العصر أن الحقيقة المطلقة فقدت قيمتها وأخذ يحل محلها سلطان النسبية. صدق فيما قال: فكل ما يحيط بنا ما هو إلا جزء من الحقيقة، والواقع ما هو إلا تصور وضعه العقل، وما نحن إلا مخلوقات تؤمن بأن هذا هو الواقع ولا شيء سواه حقيقة، كذلك نؤمن أن لا شيء يستطيع العلم أو التجارب فعله حتى يحولوا الإيمان إلى شيء حقيقي يقيني مطلق، ومهما خرق الإنسان في الأرض، واخترق في الفضاء، فلن يجد الحقيقة المطلقة، المعادلة التي تحول إيمانياته إلى يقينيات، وعوالم الكون الخفي إلى ظاهريات. وبسبب اهتمام تشارلز ساندرس بمصطلح المأزق الأناني (وهو مشكلة عدم القدرة على عرض الواقع خارج تصوراتنا الخاصة بنا) فقد رسم خطا يفصل بين العالم الحقيقي كما هو عليه والعالم كما يقوم عقل الإنسان بفلترته عبر حواسنا.

سؤال مشاغب، هل تستطيع أن تثبت أنت أن هذا النص موجود وليس مجرد خاطرة مرت بك بينما كنت تتصفح هذا الموقع؟

عطش لزخاتكم

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s