aa

البشر بطبيعتهم لا يحبون كل جديد على عاداتهم وتصوراتهم وتقاليدهم وحتى بيئاتهم. نحن كبشر ميالون إلى البقاء في دائرتنا الشخصية، ومحيط الألفة، ونطاقاتنا المعتادة، ونخشى من كل وارد وشارد وعابر، وإن أرغمنا على ما لم نكن فيه نجد أنفسنا نقف أمامه نصده ونلعنه ونشتمه، ونبحث عن كل أخطائه ونجمعها في حصالة نكسرها كلما أردنا أن نتذمر وننصف فشلنا، أو نعلل حزنها وكمدنا.

يقول غاندي: في البداية يتجاهلونك، ثم يسخرون منك، ثم يحاربونك، ثم تنتصر”، هذا حال كل من جاء بما لم يأتِ به أحدٌ من قبل، ومقولته خير دليل ووكيل للتغيير، حيث أن طبائع الناس في النهاية القبول بالجديد وإن كان على مضض، علبة المشروب الغازي قفزت من مائة فلس إلى مائة وخمسون، الآن لا أحد يذكر تلك المعركة التي قامت ضد هذا التغيير الذي عملت به الشركة هنا، وهذا بالضبط ما حدث لقانون المرور الجديد في البحرين فور صدوره؛ فالكل أصبح كلاعب الخفة الذي بيده كور يرمي بها مرارًا في الهواء وفجأة فقد السيطرة عليها. لا شيء تغير البتة عليه سوى أن هنالك ما أربكه، أعترف تلك المبالغ التي تم تناقلها عبر وسائل الإعلام المتصل والمنفصل قد تسبب سكتة قلبية لموظف قد لا يتجاوز راتبه نصف تكلفة المخالفة، ولكن مع قليل من التفكير واستخدامي لقدراتي الرياضية التي قد تنافس الخوارزمي أجد أن السكتة القلبية قد تكون أخف وطأة من حادث تموت فيه أسرة، أو يدهس فيه طفل، أو يبقى فيه الضحية أو المتسبب في الحادث مصابًا بشلل، أو إصابات خطيرة تبقيه طريح الفراش بقية حياته، يطعمه الناس، ويذهب برفقته إلى دورة المياه آخرين ليساعدوه في قضاء حاجته.

أعلم كيف سيفكر كل شخص، “المرور يريد أن ينهب الشعب”، ولن ألوم أي شخص يفكر بهذه الطريقة، لكن بعملية رياضية حسابية أخرى أتفوق فيها على اينشتاين هذه المرة، دعنا نفكر في السيناريو التالي، تخيل أن المخالفات كلها بألف دينار، لو أنك يا شوماخر، وأنت يا وكيل مارلبورو، وأنتِ يا ميكابفوريفر، وأنا معكم لم نرتكب ولا مخالفة، البتة، هل ستنقص من أموالنا شيء؟ وتخيل لو أن الجميع أصبح يشعر بأنه يحتضن راتبه الشهري كلما أرتدى حزام الأمان، أو خبأه في حذاءه كلما قام بتخفيف سرعة القيادة، أو أمسك به بيديه كلما أمسك بالمقود دون أن يشغله هاتف أو مساحيق تجميل أو وجبة طعام أو حتى أصبع دخان، هل سينهب المرور الشعب رغما عنه حتى وإن لم يرتكب مخالفات!

إننا أحيانًا نقرأ كل موضوع باستعجال جم ودون حتى إعطاء الآخر فرصته لتوضيح وجهة نظره ورؤيته في المسألة. وأرى أن حملة “أعد النظر” والحملات التوعوية التي قامت بها إدارة المرور كفيلة بوضع النقاط على الحروف جميعها ما عدى الألف لأنني لا أتخيل ألفًا فوقها نقطة. البعض يتذمر ويقول بأن الحملة التوعوية أتت مع فرض القانون ومتأخرة، مع أن المرور يقوم بحملات توعوية مستمرة لكنها لا تلقى اهتمام الجميع لهذا لا يدري عنها ولا يدركها إلا تلك القلة المهتمة بالسلامة.

مشكلتنا أو بعضنا أننا نظن أن الشوارع ملك خاص وشخصي، فلا نسمح لتجاوز، ولا نمهل القائد الذي أمامنا الفرصة لإيجاد فرصة لخلق مساحة عبور لنا، وتجد البعض يكاد يدخل بسيارته ليجلس في الكرسي الخلفي لسيارتك. دائمًا نظن أننا في سباق مع الوقت، لندرك وقت عملنا أو حتى موعد صديق أو موعد مباراة لكرة القدم، ولا ندري أن الموت قد يدركنا قبل أن ندرك مواعيدنا المتأخرة، أو نصل لكن بيد أو ساق مبتورين. أذكر أنه ذات مرة رأيت سائق سيارة أخذ يتجاوز في شارع ذو اتجاهين مما أربك بقية السائقين، ظننته يحمل زوجة جاءها المخاض، أو طفل ينزف، وأخذ طريقًا باتجاه منزلي، فما كان مني إلا أن رأيته يترجل من سيارته، ثم يحدق في السماء لبرهة، ويسير على مهل ليدخل البيت! بحثت عن الطفل الذي أنجبته زوجته، أو حتى آثار دم طفله فلم أجد، بلغة أخرى، لم يكن هنالك ما يستدعيه ليجازف بحياة الآخرين وحياته بهذا الشكل.

يعتقد البعض أنه ومع لبس الحزام فإنه سيكون محصنًا من الموت هو وبقية السائقين من حوله ويمكنه أن يقود بأي طريقة شاء، ويقطع أي إشارة يريد، ويحلق بأي سرعة يحب، ويظن البعض أنه ومع فتح إذاعة القرآن الكريم على صوت محمد العجمي أو السديس فإن ذلك سيكون درعًا له من الحوادث وإن كان يقود بتهور واستهتار، أو حتى في يده أصبع سيجار.

إن أهم أسباب التهور هو الغضب ، ويخلق هذا عدة مسببات، تهور السائقين، الإبطاء للنظر في حادث أو فتاة جميلة على قارعة الطريق، أخذ مسار الآخرين بالقوة من جهة الخطوط الصفراء، الوقوف فوق المربعات الصفراء عند الإشارات مما يعطل انسيابية الحركة، الإنشغال بوضع مساحيق التجميل في الطريق، الأكل والشرب والتدخين مما يجعل القائد بنصف تركيز مما يبطئ من حركته أو يجعلها غير مستقرة تتأرجح يمنة ويسرة، وأخيرًا الانشغال بالهواتف؛ استعيد هنا موقفًا بسيطًا لرجل أمامي إنشغل بالهاتف وأخذت سيارته تتأرج حتى كاد يصطدم بالسيارة التي عن يمينه، فقمت بالضغط على “الزمور” أو “الهرن” حتى يتنبه والحمد لله لم يتسبب في حادث.

ما أود أن أوجزه من هذا المقال أو الخاطرة أن أغلب من مات في حادث كان يظن أنه الأشد انتباها والأكثر حرصًا على الإطلاق، كتبت فتاة في الفيسبوك: من قال أن الكتابة في الهاتف أثناء القيادة أمر صعب؟ ثم تبعتها بقهقهة، وكان ذلك آخر ما كتبته في حياتها بعد أن اصطدمت بشاحنة لم تنتبه لتوقفها فجأة. الموت بالحوادث يعتبر أحد أهم عشرة أسباب للوفيات ويأتي في المرتبة السابعة. لذا وقبل أن تقرأ رسالة وصلتك، أو تجيب على مكالمة واردة فكر، هل هذه المكالمة تستحق أن أفقد أحد أطرافي لأجلها، أو حتى حياتي، أم أن حياتي أثمن من زر إعجاب في انستقرام، أو مكالمة يمكنني الرد عليها لاحقًا، لذا فإن هذا القانون خلق لمصلحة الجميع لا لسرقتهم، وقد لا يتماشى أو يتماهى مع مصلحة المتهورين من وجهة نظرهم، ولكنهم قد يدركون ذلك بعد فوات الأوان، ونتمنى أن يدركوه قبله.

قودوا بسلام، كونوا بأمان.

عطش لزخاتكم

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s