r5h

يحكى أن مجموعة من الموظفين يعملون في محل ذو طابقين، نصفهم يعمل في الطابق الأرضي، والنصف الآخر في الطابق العلوي. وبينما هم يعملون سقطت أساسات من الأعلى وأصابت بعض العاملين بجروح متفرقة، وسقط مع تلك الأساسات عامل من الطابق العلوي وأصيب ذلك العامل بجروح متفرقة. أتت الشرطة لتسجيل الحادثة، فقال أحد المصابين: كنا نعمل وفجأة سقط السقف علينا وسقط معه أحد العاملين معنا من الأعلى. وقال آخر: وبينما أنا أسير انهارت الأرضية وسقطت إلى الأسفل معها. فالسؤال هنا، هل سقط السقف أم انهارت الأرضية!

كثيرًا ما نتجادل بشأن أمر ونصر على أننا الصواب وكل شيء عدانا هو الخطأ، ويكاد بعضنا يقسم بكل ما يعرف فقط ليثبت صحة كلامه، وكأن الدليل على صحة آرائنا وكمال حجتنا أن نقسم بالله. وكلنا يعرف أن ما يقوي وجهة نظرنا هي الأدلة والمعلومات أو البيانات والاحصائيات الحقيقية التي تدعم حججنا، وللفوز بنقاش أو لإقناع الآخر بوجهة نظرنا، أو على أقل تقدير يوضح سبب اقتناعنا بها.

قبل عدة أيام كان الجميع يتجادل في موضوع الفستان، أبيض وذهبي، أم أزرق وأسود. بغض النظر عن الثورة الجدلية التي أحدثها الفستان، والتحليلات العلمية والفيسبوكية؛ إلا أن واحدًا منا لن يشتريه أو يرتديه مهما كان لونه، وفوق هذا كله تجد البعض يتهم الآخر بأنه أعمى أو غبي أو لا يرى، مع أن الإحصائية تشير إلى أن الأغلبية رأوا ألوانًا عدى الأصلية، فأخذ البعض يتنصل من خياره ليكون مع الأغلبية ويكذب بصره كي لا يشعر بعقدة النقص.

الاختلاف نعمة قد يقلبها البعض لنقمة، تخيل لو أن الناس جميعهم متشابهون، نسخ مكررة اللون والفكر، تخيل ممر في مستشفى كل الأطباء ينادون المريض أحمد، وكل المرضى أحمد، تخيل العالم كله نساء فقط، أو كلهم رجالٌ فقط، تخيل أن جميع الهواتف والسيارات والمنازل والعمارات واحدة، مستنسخة، نتحرك في نسق لا يتغير، وكأننا نسيج واحد! مجرد تخيل عالم موازٍ لعالمنا ويشبهه يدعوا للضجر، فكيف بعالمنا نفسه يكرر نفسه وأفكاره، يكرر نفسه وأفكاره. أرأيت! لهذا قلت أن الاختلاف نعمة، وجمال الاختلاف في وجهات النظر والآراء يكمن في أن يوسع المدارك ويتيح التعرف على جميع الاحتمالات التي تدعم الرأي وتعزز ثقة الفرد بنفسه وتثري ثقافته، الآراء المتشابهة تغلق النقاش وتقتله، لهذا كلما تنوعت الآراء في أي جلسة، كلما أثنى الحضور عليها.

الكل يعرف تلك القصة المشهورة حول مجموعة من المكفوفين الذين دخلوا إلى غرفة وقيل لهم صفوا لنا ما هو الفيل، والذي لم يروه من قبل، فقال أحدهم وقد أمسك خرطومه، هو أشبه بالثعبان، وقال الثاني: هو أشبه بالمكنسة، وقال الثالث: هو عبارة عن أربعة أعمدة. لم يخطئ أي من المكفوفين هنا في وصفه، فكل يرى من زاويته الخاصة ما يعتقد بأنه الصورة الكاملة لما هو أمامه أو الحقيقة المطلقة. وبما أنه لا توجد حقيقة مطلقة، ليس بالضرورة إذًا أن نتفق في كل شيء، فالاختلاف في كل مسألة رحمة، ولكن كما أحب أن أقول دائمًا، اختلاف لا يؤدي إلى خلاف.

نعود إلى مسألة السقف والأرضية والتي تشبه إلى حدٍ كبير مسالة الفستان والفيل، فكل يرى الأمور من زاويته ومن موقع نظره، ومن خلفيته، وحتى من عيوبه الخلقية أو حتى من اختلافاته الجسدية، فما سقط هو السقف بالنسبة للعاملين في الأسفل، وما سقط هي الأرضية بالنسبة للعاملين في الطابق العلوي، لذا قبل أن تسعد بكونك ذو دماغ أيمن أو أيسر، وقبل أن تقول لفلان أنت أعمى، أو أنت غبي، وقبل أن تتباهى بوجهة نظرك أو حتى تفرضها، تذكر أن الاختلافات سنة الحياة، وهو ما يجعلني أنا الكاتب، وأنت من يقرأ، وأنت الممثل وأنا من يشاهد، وهي الرسامة ونحن من يستمتع برسوماتها.

يقع البعض في معضلة كبيرة وهيَّ تسفيه رأي الآخر والسخرية منه ونقده بنوع من التحقير والاستخفاف، وما يدعو للحزن هو أن يكون هذا الذي يحقر ويستخف بالآخر شخص ذو علم وصاحب إطلاع واسع. ولأنني مقتنع أن الإنسان كلما قرأ أكثر، كلما تفهم وتقبل الآخر بشكل أفضل، فإنني امتعض من فكرة أن يؤدي المثقف أو المطلع دور المتفلسف المستهزئ بالآخر، والغير متفهم لحيثيات الآخر، ولا قابلٌ لاختلافاته أو متقبل لآرائه. فمتى نعي أننا حتى نجد أرضية مشتركة تسع كل أجناس الأرض وألوانهم وأشكالهم وأخطائهم يجب أن نتقبل اختلافاتنا واختلافاتهم ونيقن أننا لا نشبه غيرنا إلا في كوننا من آدم، وآدم من تراب، ومتى ندرك أن السقف سقف لمن تحته، والأرضية أرض لمن يسير عليها.

عطش لزخاتكم

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s