fr8

إن المطلع على الفلك والكونيات وعلومه لا يخفى عليه دقته المتناهية، من حركة الكواكب وأفلاكها، إلى عددها ومواقعها، ولا يخفى عليه حجم الكون الشاسع الواسع المتسع باستمرار، والذي لشدة دقته لا زال كوكبنا يحتوينا والمخلوقات التي معنا منذ أجل معروف وإلى أجل غير معروف ناهيك عن الجمال الذي يكتنف أركانه والتي نراها ليلًا في سماء صافية لا أنوار تحجبنا عنها. وكل هذه الدقة وهذه العظمة وهذه القوة التي جعلت هذا الكون متماسكًا لا تدل إلا على عظمة خالقه.

من المهم أن نفرق بين الظواهر الطبيعية لنواميس الكون التي سطرها الله في ملكوته بأدق التفاصيل وأعقدها، كالجاذبية، والمجال المغناطيسي للأرض، ودوران الأرض، وأفلاك الكواكب، والتفاعلات التي في قلب نجمنا الأهم الشمس، وبين المسائل الاعتقادية الروحانية والإيمانية (الميتافيزيقية) التي لا تدركها الأبصار، فالله حد قدرات الإنسان بفيزياء الكون فقط، وما تجاوزه يعد في بعد لا يمكن لنا أن نخترقه إلا حين ننتقل من هذا الكون وقوانينه إلى تلك الحياة التي بعد الممات.
حيث أن هذا الكون الذي نعيشه مقروء ويمكن دراسته واستنباط قوانين تشرح جزءًا منه تعيننا على الحياة فيه وتسهل علينا الأمور الصعبة التي فرضتها طبيعة هذا الكون، أما الآخر فمبهم نؤمن به كما جاء ايمانا ويقينا بالله وبما جاء به رسوله.

وبما أن الكون مقروء وثابت إذا يمكن تدوينه وتسجيله وحفظ ترتيباته كما فعلنا بمراتب أو منازل القمر ومواقع النجوم وحركة الأفلاك، وأوقات الصيف والشتاء، والخسوف والكسوف وهلال رمضان. وبما أن نواميس الكون دقيقة وثابتة ومحكمة الدقة إذا لو كانت ليلة القدر لها ادلة فلكية كالتي يشار لها دائما بهدوء اشعة الشمس وغيره لكنا استطعنا تحديد ليلة القدر فلكيا وثبت لنا تاريخ محدد لها لا يفوته ولا ينساه أحد.

ولما كان أصل رمضان هو التعبد والاعتكاف ونيل ثواب رمضان كله؛ فإن استطاعتنا تحديد ليلة القدر فلكيا سيذهب ببعضنا لترك التعبد في غيره حتى اذا ما ادركنا التاريخ المعني والمحفوظ والمسجل سهرنا حتى مطلع الفجر؛ فخرجنا عن سبيل القصد منه وهو الاجتهاد في الطاعات طوال الثلاثين يوما والاستزادة بما بقي من أيام قبل انفلات الايام الاخيرة من بين ايدينا.

الله لم يمنح الرسول القدرة على أخبار الناس بليلة القدر ونُسِّيها لعدة جوانب، اولها أن تحديد ليلة القدر بيوم محدد يحرمنا اجر وفضل القيام في العشر الاواخر ومدعاة للكسل والتقاعس والنأي عن العبادة في سائر الأيام والاكتفاء بهذه الليلة دون غيرها، والثانية أن رؤيتنا للهلال ليست ثابتة، فهي صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، لذا إن تم تحديد التاريخ فإننا كذلك لن نكون متيقنين ما إذا كانت هذه الليلة الفردية هي الفردية أم هي الزوجية تبعًا لصيامنا. لذا نكتفي بحديثين وهما ” التمسوها في العشر الأواخر” و ” تحروها في السبع الأواخر” و (خرجتُ لأُخبِرَكم بليلةِ القَدْر، فتَلاحَى فلانٌ وفلانٌ؛ فرُفِعتْ! وعسى أنْ يكونَ خيرًا لكم؛ فالْتمِسوها في التَّاسعةِ والسَّابعةِ والخامسةِ) وهنا دليل على أن الخير في عدم معرفتنا وإدراكنا لليلة القدر لنتلمسه في كل الليالي العشر، ومن يقول بأنه يكفيني أن اتحراها في الأوتار (الليالي الفردية) فهو يقع في مشكلة صغيرة، وهي كما ذكرت في هذه الفقرة أن الليالي الفردية قد لا تكون هي الفردية بحسب رؤيتنا للهلال، فقد تكون الرؤية خاطئة كما حدث في عدة مرات في السنوات الماضية.

ختاما أقول إنه لم يثبت فلكيا وبشهادة فلكيين اسلاميين على مدى العشر سنوات الماضية اي تغيير فلكي في العشر الاواخر ابدا ناهيك عن ان الشمس لا يمكن لها أن تقلل من تفاعلاتها أو حرارتها أو حتى اشعتها لان قلته او زيادته يعني هلاك الارض ومن عليها. لذا هذا قد ينفي فكرة ان ليلة القدر هي ليلة فلكية، لذا وإن اقتنعنا بأن ليلة القدر ليلة روحانية وليست فلكية فإننا بذلك نبتعد من الجدل في مسألة أدركناها أم لم ندركها واكتفينا بالقصد الاساسي وهو التعبد والتقرب إلى الله والانشغال بالطاعة في كل رمضان حتى لا تفوتنا ابدا ليلة القدر فنبكي ونتحسر عليها ونحاول أن نقنع أنفسنا أن شمس اليوم ليس لها أشعة، وما فوتناه كانت بأشعة.

همسة، سبب كتابتي لهذا المقال المتواضع هو أن بعض المجموعات أخذت ترسل صورًا للشمس الهادئة اليوم وقالوا بأنها من علامات ليلة القدر، فكان السؤال الأهم، ماذا لو أن كل العشر الأواخر كانت هكذا، ماذا لو كان كل قطر لا تشتبه فيه حالة الشمس نظرًا للمناخ الذي يعيشونه؛ فما كان جواب قومي إلا أن قالوا أخرجوهم إنهم أناس يتفكرون.

عطش لزخاتكم

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s