index

فتحت عينيها وأخذت تحدق بالسقف بعد أن طردها النوم من قاعة الحلم، كان عقلها يقلب الكثير الأوراق، وشريط الذكريات أخذ يعبر الخدوش التي أحدثها الزمن في جدار الغرفة وهي تحوم حول أرجائها شبه المعتمة. مدت يدها نحو الطاولة الملتصقة بسريرها وسحبت هاتفها منه، نظرت إلى الساعة، كانت تشير إلى الساعة الثامنة مساءً، بحثت بين الرسائل سريعًا عن شيء عدى الأخبار والإشاعات والتهنئة الفارغة، وحين فقدت الأمل بحمامها الزاجل، أعادت الهاتف لمكانه وقامت بالضغط على زر تشغيل الثريا المعلق على الحائط فوق ملاذها الوحيد، لتساند المصباح الأصفر الصغير الذي لا تحب أن تتركه دون روح تطرد الظلام الذي تخاف معانيه. نهضت وقد اتجهت نحو المرآة وأخذت تمشط شعرها، وبينما هي على ذلك، سحبت نفسًا عميقًا ثم عاد المشط لينزلق بين خصلات شعرها الأسود، أخذت تحدق في ملامحها التي سخرت منها السنوات بعد أن تركت آثارها عليها، أخذت تتلمس تجاعيده وتعبر تجاويفه، وأخرجت علبة مساحيق التجميل، ووضعتها أمامها.

مررت كفيها على ساقيها اللتان أخفتهما بإتقان عن الزمن كي لا يصنع بهما ما يصنع بالإنسان عند مروره بجسده، أو ما صنع بوجهها، نظرت لجسدها الذي أخفت أجزاءً منه بملابسها الداخلية، تحسست بطنها المشدود، ثم بدأت تنظر للطائر المحلق المرسوم بين صدرها وعنقها، لا شيء يعيبها وكل هذا تملكه، كانت تملك جسدًا مشدودًا، وقوامًا ممشوقًا، ولونًا أبيض ساحر خلاب يجتاح كما الربيع كل سهولها وأراضيها. خرجت من الغرفة وعادت وقد طوقت نفسها بمنشفة كبيرة، ومنشفة أخرى صغيرة كومتها فوق رأسها كالملوك القدامى.

عادت لتجلس أمام انعكاسها، بذات الصمت ونفس الهدوء، وأخذت تحرك الفرشاة تارة، وتارة قطعة من القطن، ثم أصبعًا دبقًا باللون الأحمر، وآخر يميل إلى الجفاف أسودٌ مررته بجفنيها بخفة كما يفعل النّحات مع قطعة خشب باهضه الثمن، وحين انتهت، سرحت طويلًا في تلك التي صنعتها بيديها، فكرت طويلًا، هي ستصلح هذه المرة، أم ستخيب في أن تصل بها لما تريد. وبعد الكثير من التحديق والتحسين، فكت وثاق شعرها، وعادت لتمشطه من جديد، على صوت جهاز التجفيف الذي صنع ضجيجًا كانت تفتقده في غرفتها الساكنة.

وبعد أن انهت تمشيط شعرها وتجفيفه، اعتدلت لتخرج من شرنقتها وعكفت تحدق في جسدها العاري، وبعد تأمل طويل رسمت ابتسامة واسعة بعد أن شعرت بثقة كبيرة، سحبت نفسًا عميقا مبتهجًا ورفعت حاجبها بغرور وأخذت تحدث انعكاسها: اليوم سيكون مختلفًا، اليوم سأحظى بما أريد، فلا أحد سيرفض كل هذا، ومن يستطيع أصلًا، فقط أريد منه أن يصل لهذه المرحلة، ولن أجعله يندم، سأجعله يحلق ويزحف ويسبح كيفما شاء. تناولت مرطب الجسم برائحة الفراولة الذي تحبه، وأغرقت يدها به، ثم تركت يداها تنزلقان في كل الاتجاهات، ولم تترك بقعة من جسدها لم تمر بها. تناولت من خزانة ملابسها قميصا بكم طويل يستر ذراعيها وصدرها، ارتدته على مهل، وبنطالٌ قصيرٌ لا يستر إلا شبرين من أعلى فخذيها، بحذاء أحمر وحناء أظافر تتستر بذات اللون. أما اناملها فقد سحبت من الدرج الكثير من الخواتم والاساور وقطع الإكسسوار المبالغ فيها، وبعد أن شعرت أن كل شيء في مكانه أو كما يجب، أغلقت باب شقتها الصغيرة وتركت بعض المصابيح الخافتة فيه مضاءة.

سارت على أربع قوائم مطاطية حتى وصلت إلى شارع المطاعم الكبير، كانت ترمي ببصرها بحثًا عن موقفين، واحد لسيارتها، والآخر لقلبها، وبعد بحث طويل في هذا الشارع النابض بالحياة، ترجلت من سيارتها، وبهدوء أغلقت الباب خلفها، سارت وبدأ حذائها يعزف لحنه الملفت. وع ذلك الوقع كانت تنظر إلى الأرض تارة كي تظهر لمن يحدق بها أنها لا تبالي بأحد وأنها تملك بين قمة رأسها وأخمص قدميها ما يستحق أن يُلتَفَتُ إليه، وتارة ترفع بصرها تتفرس الوجوه علّها تجد عينًا تحدق باهتمام، وما بين النظرتين محاولات خفية للفت الانتباه.

كل عين نظرت إليها من الخلف سحرها اللون الأبيض الصارخ والنافذ من ساقيها، وكل من كان ينظر من الأمام لا يرتد بصره لأعلى من ساقيها. كانت تنتشي وكأن كل نظرة ما هي إلا قطرة في كأس نبيذ فاخر تصب لها. بعد الكثير من المسير والتحديق، وبعد أن امتلئ كأسها، دخلت أحد المقاهي التي تتردد دائمًا عليها. وضعت أمامها كوب قهوتها الذي سيبقيها يقظة لأي التفاتة، اتخذت طاولتها المعتادة مكانا لجلوسها، اعتدلت في جلستها ووضعت ساقًا فوق الأخرى.

عن يمينها جلست مجموعة من الشبان تتراوح أعمارهم بين العشرين والرابعة والعشرون ربيعًا، وعن شمالها يجلس شاب وزوجته، في بوتقة تقول بشكل واضح “لم نكمل عامنا الأول من الزواج”، كانا متلاصقين جسدًا، متنافرين انتباهًا واهتمامًا، في يد كل منهما هاتفه يقلبه كيف يشاء، ومجموعة أخرى انشغلوا بأحاديثهم الخاصة وضحكاتهم العالية.

أخرجت هاتفها وبدأت تقلب الرسائل طويلًا، ثم أغلقته، ثم بدأت مسرحية التحديق في كل اتجاه بهدوء تارة وبيأس تارة أخرى. أخذت تبحث عن حظها في عيون الشباب وعن ملجأ لها في أجسادهم، كانت تبحث عن أي التفاتة تقول لها “أنت جميلة” التفاتة تقول لها “هل يمكنني الجلوس في هذا الكرسي برفقتك” أو حتى ابتسامة يلقيها عابر سبيل يعيد لها الشعور بأنها جميلة أو يزرع فيها اليقين بأنها لا زالت فاتنة تستطيع أن تجر خلفها كل من تشتهي وتريد كما كانت تفعل.

انقضي المساء، وانتصف الليل، وبدأ الظلام يحزم أمتعته فرحلته لم يبقى لها الكثير من الوقت، تركت هي خلفها كوب قهوتها الباردة، وطاولة فشلت في جمع شتاتين، وعادت إلى شقتها. وصلت إلى غرفتها، وقفت أمام المرآة، تناولت منديلًا مسحت به مساحيق التجميل من على وجهها، ومسحت دموعًا انسابت دون أن تشعر بها، ألقت بثيابها في المكان الذي كانت تقف فيه حين خلعتها. اقتربت من ملاذها الآمن مررت يدها على طوله تمسحه وكأنها تتحسس الأطياف التي مرت من هنا وهي جالسة على طرفه، هذا هو المكان الذي اعتاد أن يحمل جسدها وأجساد غرباء آخرين كانوا يبددون وحدتها، أجسادًا لم تعرف عناوينها ولا أعمارها ولا حتى موطنها، أجسادا مارس أصحابها الكذب، وهبوها أسماء مستعارة، وأعمارا مستعارة، وحتى مشاعر مستعارة، الصدق الوحيد الذي مارسته تلك الأجساد هو الرحيل دون عودة، تاركين خلفهم جسد أنثى يبحث عن موطن، يبحث عن ملجأ، يبحث عن ذاكرة لشيء حقيقي سوى هذا العالم المظلم الذي تحاول أن تهرب منه.

سحبت غطائها وكممت حزنها وتركت دموعها تبلل وسادتها، ومصباحها الأصفر يحاول بصعوبة أن يبدد تلك الوحدة التي تحيط بالمكان.

عطش لزخاتكم

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s