747e0d8c42f02998c4b0da7cc1e8f8ec1ffac552_m

نظر إلى السماء وقال للملأ: يا لغبائكم وحماقتكم، لو أن ربكم حقيقي وموجود هناك. غابت يده داخل كيس بلاستيكي اخرج منه ما يبدوا كتابًا مقدسًا، انزل سحاب بنطاله وقضى حاجته على غلافه أمام ذهول الناس، الكل يعيش عجز الصدمة الذي يجعلك لا تستجيب لأي أمر سوى الوقوف، ليترك الدهشة تصنع بك ما تصنع. أكمل ما كان يصنع وبدأ البعض يتدافع ليصل إليه، وقبل أن يصلوا إليه رفع كفه يطلب منهم الانتظار والتريث، ابتسم وقد اصابته نشوة انتصار، وعلت ملامح وجهه مشاهد الغرور وإشاراته، ثم قال بصوت عالٍ: يا أيها الناس، يا من تسمعون وتعقلون، أخاطب العاقل منكم، أخاطب من يريد أن يسمع الحق ويتبعه، احاججكم بهذا – مشيرًا إلى رأسه التي غطاها شعر أسود تتخلله خيوط من الأبيض- من يغلب حجتي هذه فسأعترف بربكم وخالقكم وصانعكم وموجدكم، ومن لا يغلب حجتي، فليعترف بي وليعظمني وليشهد أنني على حق، كان المشهد بالأسفل مضطرب جدًا، البعض يهم بالحراك، والآخر لا يقوى عليه، وثلة عاقلة تدعو الجميع بأن يتريث وتعانق أذرعهم صدور المتهورين منهم، ومنهم من ينادي بقتله ونحره كالنعاج، ويطلب رجمه كالشياطين والجان. وبينما الأغلبية غلب عليه الوجوم والدهشة، الجميع يراقب ولكن كلٌ بطريقته وخلفيته ومفاهيمه. صمت للحظة: نظر نحو الكتاب الملقي بين ساقيه؛ فقال ولا تكاد ابتسامته تفارقه: انظروا ماذا فعلت بكتابكم، انظروا ماذا صنعت بكلمات الخالق، انظر كيف دنست قداسته، وكيف أفسدت نظافته وطهره، إن كان هنالك خالق كما تدعون، ويقبل منكم ما تفعلوا ويرفض ما أفعل، فليقتلني الآن هنا، الآن ع هذه العتبة. ثم أعاد بصره إلى السماء. كان مساءً ملبدًا بالغيوم، لكنها لم تمنح تلك البقعة أي قطرة ترتوي منها.

هدأ الضجيج، وخفتت الأصوات، وشخصت الأبصار، والكل في تلك اللحظة قلق محتار. تمتم القليل بأدعية خفية يسأل فيها الخالق أن يقبض روحه، وآخرين أغمضوا أعينهم في تضرع يتمنون أن تنزل صاعقة تقسم جسده كقطعة يقطين. لم يحتمل الجميع ذلك الصمت وتلك الأدعية الخفية، فبدأوا يصيحون بالويل والثبور، وأن الجحيم مقر كل مختال فخور، وصاح البعض بأن الرب فوق السماء موجود وسينتقم منه قبل أن يفارق عتبته، بينما كان البعض لا يدري إلى أي الفريقين ينتمي.

مرت الدقائق الأولى من الحجة والرهان كأنها دهر من الزمان، تلفت الجميع وأخذوا يحدقون ببعضهم البعض، بدأت الشتائم تتمازج والصراخ يتعالى، بينما كتب الصمت على وجوه ثلة منهم أسطر من قناعة كادت أن تتلبسهم لولا أن شق السماء برق أضاء المساء وكأنها الظهيرة، وتلته أصوات اهتز لها البشر والحجر، تهللت أسارير البعض وكأنهم ظفروا بعظيم، أو كأن الجنة فتحت أبوابها لهم، وظنوا أن الضوء القادم سيشق صدر هذا المجرم الفاسق، صاحب الخطيئة التي لا تغتفر، وأنه لن يجد له لا منجى ولا مفر؛ فبدأ الجميع ينظر إلى السماء في انتظار البرق التالي، البرق الذي سيصنع العذاب ويكون المعجزة الشاهدة على حقه.

طال الانتظار كثيرًا، شعر الكثيرين بخيبة أمل، شعروا بالكراهية، بالحقد، بالكثير من المشاعر السلبية، صاح من بينهم رجل كهل: الرب منتقم منتقم. الوجوه تتفرس بعضها، والأفكار تتلاطم في تلك الرؤوس كبحر استيقظ للتو. الكل يتمنى لو مات هذا الرجل مع غضب السماء الأول، والبعض ينتظر المعجزة، ولكن لا شيء من هذا حدث. تحول الشعور من إثبات وجود، إلى خوف من أن يحمل المجتمعين خفي حنين، خوف من أن يهتز يقينهم، أن يتلاشى إيمانهم، أن تذوب قطعة الثلج التي تمسك بمياه قناعاتهم في قالبها الذي ظنوه أزليًا لا يتلاشى ولا يجف، حتى أن البعض بكى، وجع الهزيمة وقع على صدر البعض وكأنه فقد من يحب، وبينما المشاعر تتعاظم كموجة شتوية، رفع الرجل سحابه مزهوًا بنشوة انتصاره على الجموع، على الإله، على القدسية التي يرى أنها مزيفة ولا حقيقة لها ولا فيها، على المعجزات الخارقة، على الغيبيات غير المدركة، على الجان والملائكة والعقاب الرباني. وبينما كان يرتدي تلك المشاعر معطفًا يقيه مطر السباب والشتائم والكراهية، وبينما يقلب تلك الأمور في رأسه، أدركه شعور فضيع بالألم، إدراك متنصل من الحياة، إحساس بارد جدًا وكأن الهواء اخترق جسده كجدار من قماش، أدركه ذلك الشعور من التلاشى من الذهول والذبول والأفول فور سماع الناس لصوت عالٍ جدًا من خلفه لحقتها معجزة مضيئة ضربت عمودًا بقربه، بقعة حمراء أخذت تتسع رقعتها في ثيابه، مطر غزير أخذ يهطل على المكان ليبلل جسده الممرغ بلون الجوري الفاقع سقط على ركبتيه، ثم هوى نحو الأرض التي ارتطم جسده المحتضر بها. وبينما الجموع تراقب المشهد انسل من خلفه رجل يضع يده داخل معطفه واندمج بين الجموع التي تعالت صيحات النصر والفرح فيها.

عطش لزخاتكم

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s