check-that

اخذت تحدق باتجاه العدم، تسترجع شريط حياتها في صمت مهيب، كل تلك الآلام، كل ذلك الفيض من الوجع، لا شيء يستدعي ابتسامة طارفة، لا شيء يدعو للفرح، تحاول البحث في الماضي عن أي شيء يستحق أن تناضل من أجله، شيء يمنعها من أن تمارس هذا المجون، وتكسر كل تلك الكؤوس، وتفارق كل تلك النزوات التي تراودها لتنسل كما الخيط من ثوب الحياة الرث. معركتها الداخلية كانت أكبر من احتمالها، استلت سيفًا ابيضًا، أحرقت مقدمته لتقاتل كل ذلك الحزن، وكل تلك الذكريات، تنفث من بين شفتيها الغضتين التي ينام عليها لون أحمر شيطاني.

جلس بقربها محاولًا استمالتها، مختبأً من فضيحة الصباح، إلى ستر الليل وستاره. لكنها لم تكن هناك، كل تلك الأغاني، وأصوات الكؤوس، وصوت الشراب المندلق من زجاجات العنب المعتق، لم يكن يلج إلى سمعها، كان المطر بداخلها غزير، يطغى على أي صوت حقيقي حولها. وحين يئس من مناداتها، مد يده ووضعها على كتفها، وقبل أن تدركها استفاقة المكان، نفضت يدها بقوة ودفعته، ثم نظرت نحوه والشرر يحرق كل الجرأة الكامنة في وجهه، مضى وهو يتمتم “عاهرة تستشرف، ما هذا العالم المتناقض” ليجلس عند أول فتاة تبتسم له، محاولا أن يتناسى هذه اللحظة التي أفسدت متعته.

ضربت الكاس على الطاولة، وغادرت المكان وخديها يحترقان بنزيف دموي حار، فلم يعد المكان قادرًا على أن يخرجها من كل تلك المعارك، أن ينسيها كل تلك الأوجاع، أن يزيل آثار الكي والضرب التي بقيت شاهدة على معاناتها، ومع كل لمسة لأي ندبة، كانت الذكريات ترصف الطريق نحو عرض سينمائي هي بطلته. أما أكبر ندبة، فهي تلك التي تركها عمها غائرة في صدرها، لا ترى ولا تمس.

كانت في كل يوم تستفيق فيه، تحاول محو الأمس من تفاصيلها، ونسيان كل شيء؛ تطاردها تلك الطفلة التي في المرآة بدموعها الغزيرة، وثيابها الممزقة، قامت بتبديل هذه المرآة عدة مرات، ولكن دون جدوى، فتلك الطفلة لم تغادر مع تلك المرايا المهشمة. كانت حين تكون بكامل قواها البدنية، تضرب بقبضتها ذلك الانعكاس، وحين تكون في أقصى انهيارها، كانت لا تجيد سوى السقوط في وادي النحيب، وتلك الطفلة لا تصنع شيئًا سوى أن تحدق فيها بتلك البراءة المسلوبة، والجسد المنتهك.

تحاول مع كل شيء، وتبحث في كل جسد عن فكرة واحدة، أنا ملك نفسي، وهذا جسدي، أهبه لمن أشاء، وأمنعه ممن أشاء. كانت تظن أنها تنتقم لنفسها، ولتلك الطفلة الباكية التي تطاردها في أحلام اليقظة والمنام. كانت تكره العالم الذي لمن ينصفها، وكانت تلعن الملائكة في كل مرة تسترجع اللحظة التي كمم فيها فمها وأغلق باب غرفته خلفه، وهو يطمئنها أنه سيلعب معها فقط. فبعد أن تركها بثيابها الممزقة، أخذت تبحث عن الملائكة التي أخبرتها والدتها أنهم يحرسونها، كانت تناديهم من خلف فم مكمم، وتتضرع في كل دمعة أن ينقذوها.

عندما كانت صغيرة حملت في قلبها الخوف والخشية من أن تخبر أهلها بسبب تهديده المستمر لها، كبرت وكبر الألم والوجع، وحين بلغت رشدها، خشيت من رد فعل أهلها في مجتمع يلوم الفتاة دائمًا، يرى فيها أحيانا أنها عاهرة، والشريفات منهن لم يجدن فرصة، مجتمع سيسوغ ألف عذر لعمها وسيرى أنها هي من أغرته بزينتها، بثيابها، وحتى بوجودها قربه؛ فهم يريدونها مسجونة في تابوت، حتى يرضوا عنها. وحين استجمعت رباطة جأشها؛ قررت أن تخبر أكثر من تثق به، هي تثق به أكثر مما تثق بيدها حين تمسك سكينا تقطع به فاكهتها المفضلة. ذهبت لتخبر عمتها، كانت تنتظر تعاطفها، هيجانها، وغضبها ووقوفها في صفها، ولكن سرعان ما كشرت تلك عن أنيابها وهددتها بأنها لو تحدثت سيسبب ذلك الكثير من المشاكل، قد تنهار العائلة كلها، وعمها متزوج ولديه أبناء سيصابون بالحزن والأسى، وقد لا يصدقها أحد، بل هي نفسها لم تمهل نفسها الوقت لتصديقها، بل أخبرتها أنها ربما تحمل ذكريات مغلوطة، لأن عمها شخص محبوب في العائلة، ولا يمكن لرجل مثله أن يبدر عنه تصرف كهذا. كان هذا أول صدر تلجأ إليه، وآخر سمعٍ توقعت أن يخذلها بهذا الشكل.

استسلمت للصمت، وحل عمر الزواج، ولكنها وفي عرف مجتمعٍ شرقي، لم تعد أنثى، لم تعد عذراء، لا يحق لها الزواج والارتباط وبدء حياة جديدة قد تنسيها كل تلك الجروح الطرية والندب الغائرة، كانت تتهرب من كل شخص يتقدم لها، مما استدعى شك من حولها في أمرها. ومع رفضها المستمر، بدأت جلسات التحقيق والاستجواب، ثم تحول النمط إلى العنف والضرب، ومع استمرار تلك المعاملة من ذوييها، قررت أن تخبرهم، أن تبوح، أن تنفجر؛ فصرخت وألقت بالصخرة التي كانت فوق صدرها طيلة تلك السنوات أمامهم. حل صمت مهيب، سكوت مبهم، العيون تعانق بعضها، والشفاه تعانق بعضها. من عند تلك النقطة، أخذت جلسات التحقيق تأخذ منحى آخر، تشاورت العائلة بخصوص الأمر، وأخذ البعض يشكك في كلامها، بينما تبدو علامات القلق على الآخرين، يعلو صوت واحد “لو خرج الأمر من هنا، ستكون الفضيحة، وستتفكك العائلة، وما الدليل على ما حدث، وكيف نثبت ذلك أصلًا، أرى أن يتكتم على الأمر” وهكذا اتفق الجميع على جعلها الضحية للمرة الثانية، ضحية وحش بجسد إنسان، وضحية عدم الاهتمام، بعدم المبالاة لكل ذلك الألم الذي يعاقرها ليل نهار، كانت تلك اللحظة التي لعنت فيها العالم، وهربت إلى حيث يمكنها أن تجد فيها مقبرة تدفن فيها أحزانها، إلى كأس ينسيها حتى اسمها، إلى ضياع يخرجها من ضياعها الآن.

كل تلك الذكريات كانت تطاردها في كل الشوارع والأزقة التي مرت بها عائدة إلى شقتها، هاربت من كل ذلك الصخب، وكل تلك الكؤوس والضحكات المصطنعة. توجهت نحو حاسبها الآلي، وضربت على لوحة المفاتيح بأصابع مرتبكة: أتمنى لو يفهم العالم أنني حاولت أن أحيا كالآخرين، أن اتزوج، أن أكون أسرة، أن أصنع لذاتي حضورًا وكيانًا، ولكن العالم ألقى النرد على طاولة احتضاري، وأختار أن يكممني مرتين، أن يمزق ثيابي في عمرين، أن يعدني عاهرة لأنني اخترت أن أهب جسدي لمن أشاء، ولكن حينما اغتصب جسدي دون إرادتي وكما شاء هو، وضعوا أيديهم في آذانهم وغشوا أعينهم، فأنا المخطئة في كلا الحالتين، لم يضع أحدهم نفسه في مكاني، ومن غير المنصف أن يفعل أحدهم ذلك، فلم يحيا أحدهم تفاصيل حياتي وتقاسبمها، ولم يشاطرني مشاعري وآلامي واحتضاري. لا أطلب منكم أن تضعوا أنفسكم مكاني، بل أتمنى منكم أن لا تتغنوا بالشرف على جثتي. أنا راحلة، أنا مغادرة، سأترككم تتصنعوا المثالية، وتخفون من أنفسكم ما هو أشد مما صنعت بنفسي. لست نادمة سوى على أنني ولدت في هذا المجتمع، مجتمع لا يرحم، ولا يعلم ولا يتفهم.

اتجهت إلى الحمام، ملأت الحوض بماء الحار، امسكت شفرة حادة، وأخذت تمزق يدها به، ارخت يدها وجسدها وأخذت تحدق بالسقف، ابتسمت حين رأت ضوء أبيض وشعرت معه بخدر ينتشر في جسدها، قالت بهمس: ها هي الملائكة يا أمي ستحملني لمكان أفضل. ثم أغمض عينيها وسقط رأسها، وابتسامة لم تفارق شفاهها.

عطش لزخاتكم

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s