16195501_10154763996780446_7420587434884022973_n

نبدأ مسيرة الإنسان الجديد بصرختنا الأولى. إجهاشتنا الطويلة. صرخاتنا المتتالية. نصرخ في وجه الحياة من أول لحظة لنا، فنحن عاجزين كليًا، لا نملك من القوة إلا ما يخولنا لتحريك أطرافنا الصغيرة، ولا نملك من الإدراك إلا فطرتنا، حاجتنا للطعام، حاجتنا لرائحة مألوفة، حاجتنا للهدهدة وللشعور بالأمان. نحبو في محاولتنا للوصول إلى مرادنا في عالمنا الصغير، لعبة بعيدة، صدر حنون، أو أي شيء نستطيع أن نتناوله بأيدينا.

نكبر فنتعلم المشي؛ يبدوا حينها الوصول إلى رغباتنا أكثر سهولة وأسرع. نخربش على الحيطان. نكسر الألعاب بحث عن متعة جديدة بداخلها، نحاول أن نستكشف غموضها؛ فهكذا ولدنا، ولدنا برغبة المعرفة والبحث. نكبر وقد اصطبغنا بمحيطنا، بأهلنا، بابن جارتنا، بتلك الألوان المتراقصة في الشاشة، أو حتى في ستار الليل. نتعلم التواصل بشكل أفضل، نتحدث، نثرثر عن أحلامنا الصغيرة، عن أمنياتنا، عن لعبة نود اقتنائها، عن قبلة نريد أن تطبع على وجوهنا.

عالمنا الصغير لا يعرف المستحيل، نتخيل أنفسنا أبطالًا خارقين، نظن أن بإمكاننا أن نصبح أسرع العدائين، وأقوى المحاربين، أمهر الأطباء، وأكبر الفنانين والممثلين. نكبر قليلًا، قليلا جدًا ونبدأ في رسم حدودٍ لمقدراتنا، القفزة لا تصل إلى السماء، اليد لا تصل إلى البعيد، القوة لا تشبه قوى رافع الحديد.

أحلامنا بدأت تتشكل وتأخذ أطوارًا أقل خيالًا، نكبر أكثر فتصبح أحلامنا بلا خيال، وكل طموحاتنا أقرب إلى الحقيقة منه إلى المحال، نقلد فنانًا، نحاكي هدافًا، نمثل دور الطيار والمقاتل. الآن لم يعد الحائط يناسبنا، نبحث عن ورقة بيضاء نقية كقلوبنا التي لا تعرف الكراهية والضغينة.

خربشة أولى محاولاتنا، أولى خيالاتنا، نهديها حين ننتهي لمن نحب، نكبر أكثر نرتقي سلم العلم، أحلامنا الآن موجهة، وأكثر تركيزا، نعلم ما نريد ونطمح بالطبع في المزيد، ولأننا نخشى أن نموت أن نموت وحيدين، نخشى من فكرة أن نحيا دون أن نرى رأسًا يومئ للحديث، أو قلب يصغي لأوجاعنا، ويسمع حكايانا، يربت على أكتافنا، ويقف على خشبة المسرح ليصفق لتفاهاتنا، وانجازاتنا. يشعرنا وأنه وبين كل هذا الحضور العظيم، هنالك يد نألف تصفيقها تشعرنا بالأمان، وتزيل منا رهبة المكان.

نفتش عن الحب، نفتش عنه بين طيات الكتب، وتحت ظلال السحب، خلف شاشات الهواتف والحواسيب، وخلف نوافذ البيوت، وبعد ليلة مليئة بالمصابيح والبهجة، نكمل مسيرة الإنسان، نبحث عمّا يميزنا، عما يجعلنا مختلفين، نسعى أن نكون الأفضل، أن نصبح الأثرى، أن نغدو الأذكى وأن نمسي الأفضل، كل فردٍ منا يريد أن يصنع مجدًا لنفسه، يحاول أن ينعتوه بالعظيم فيما هو ماهر فيه، يخفي ذلك تحت سترته، أو بين تمثيليات تواضعه. لا أحد متواضع، الكل يريد أن يُثنى عليه ويمدح، ذك لجاهه وسلطانه، وهذا لعلمه وعبقريته، والآخر لفنه وسحر صوته أو رسمه، أو حتى لمسرحية تواضعه، فنحن وفي مسيرتنا يريد كل فردٍ منا أن يقول أنا هنا، أو أنا كنتُ هنا، فهذا هو وهم الخلود، فأقل درجات الخلود أن نترك خلفنا أثر.

ماذا تنتظر، انهض، انهض يا عزيزي من ركام الرتابة، وقم حتى يبقى لك هاهنا أثر. ‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎

عطش لزخاتكم

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s