يثبب

برنامج تم، برنامج تليفزيوني عرض طوال شهر رمضان على مدى 29 حلقة، أبطال البرنامج هم من عامة الشعب، ليسوا مشاهيرًا، ليسوا شخصيات عامة، ليسوا عارضي أزياء أو ممثلات فاتنات، هم أفراد مروا بظروف قد لا يتصورها أحد، وإن كانت حالات قد تخطر على بالنا، إلا أن رؤية الشمس والوقوف تحتها ليس كمعرفتها. وهذان هما مفتاحا نجاح البرنامج، أن الناس تحب من يلمس مشاعرهم، الشخص البسيط الغير متكلف، العفوي الذي لا يمثل ولا يتصنع، والمفتاح الثاني أنهم اظهروا الشمس.

مجموعة من الشباب، استلهموا أفكارهم وخرجوا عن المألوف وخاطبوا الجهات وبحثوا الحالات واختاروا منها ما نعرف وما لا نعرف، وكانوا هم حلقة الوصل بين ابطال الحلقات والمتبرعين. كل طرف من الأطراف الثلاثة مستفيد، الأول ستفك أزمته، والثاني خرج بفكرة واوصل رسالة، والثالث معلن صف أسمه في قائمة المساهمين أو الداعمين للبرنامج من باب دور المؤسسات في الأعمال الخيرية والمساهمات الاجتماعية.

تبدوا الفكرة جيدة ومثرية حتى يخرج الناس برأيين مختلفين ومتضاربين ولا حياد بينهما، فإما مؤيد وإما معارض، وقبل الإدلاء برأيي الشخصي دعونا نغوص قليلا في الحد الفاصل بين الرأيين لنرى إن كان بالإمكان إيجاد أرضية مشتركة.

تكمن وجهة نظر المؤيد أن البرنامج لقننا درسًا أن نحمد الله على نعمه وفضله علينا، وزرع فينا ثقافة العطاء بعد أن لمسنا هموم الناس واقتربنا من البسطاء والناس التي تمر بظروف لا علم لأحد بها. أن لدينا برنامجًا هادفًا محلي الصنع جديد ومبتكر حملت همه وسعت لنجاحه أيدي شابة يافعة ارتأت ألا تكون لهم هوية ولا تواجد حقيقيًا في المشهد الكلي.

والطرف الآخر ينتقد الأسلوب والفكرة كونها تسكب ماء وجه الناس، وما الإنسان دون كرامة، وتنشر غسيل حالات الناس على الملأ.

يجيب الطرف المؤيد أن الفرد وافق على الظهور في البرنامج كما ذُكر في مقدمته.

فيعترض الآخر ويقول “ماذا لو رفض هل ستسحب منه الأموال والتبرعات، هل سيخشى هؤلاء من المجازفة بهذه الفرصة للخروج من المأزق الذي أوقعتهم فيه فخوخ الدنيا ومكائدها.

ويستمر الجدل رغم أن البرنامج لم يختم بعد. اليوم قبل تدوين هذه الخاطرة بساعات قليلة شاهدت الحلقة الأخيرة. والتي أجابت عن السؤال الرئيس الذي يقول “ماذا لو لم يقبل” وفعلًا اتضح أن هنالك من لم يقبل ولم يعرض ولم تسحب منه أي من هذه التبرعات التي خصصت لحالته، وتبقى هنالك المشكلة والمعضلة الوحيدة واقفة كطائر لقلق يترصد كل من يؤيد البرنامج “الكرامة المهدرة”

في أحد تعليقاتي على أحد المقالات التي تنتقد برنامج تم قلت التالي ” بين انسكاب ماء الوجه وحفظه، خط يفصل نوعين من البشر. لا يمكننا أن نتفق جميعا طالما المسألة مرتبطة بالشعور” فما يشعرك بالتقزز ليس شرطا بأن يشعرني بذلك، ونفس درجة البرودة قد تجعل أطرافي ترتعش، بينما يتعرق الرجل الذي يجلس بقربي، ولكيلا نجدف بعيدًا دعنا ندون بشكل أدق بغيتي، نيكولو مكيافيلي يقول في كتابه الأمير: الشعور بالظلم هو المحرك وليس الظلم نفسه” أي أن الأمم لا تتحرك بسبب الظلم، بل عند شعورها بالظلم، فإن ظلمت ولم تشعر بهذا الظلم لن يحركها شيء.

لنعود لقضيتنا من هذا المحور، دعنا نأخذ الكرامة مثلًا قبل الثرثرة عنها بشكل اعتباطي، تعريف الكرامة “هي قيمة الإنسان وهذا تعريف ثابت. أما ماهية القيمة فهي متحولة تتماشى مع الزمن وتطور العقل البشري”، ولأنها متغيرة ومتطورة إذا هي ليست ولن تكون ثابتة، هي تقديرية، لذا فيمكننا القول بأن من قبل الظهور في برنامج تم هو شخص قبل بالوضع ولم يشعر أو لم يرى أن فيها أي إهانة أو تقليل من كرامته، بينما رأى بعض المشاهدين ذلك، وهو السبب الرئيس في هذا الاختلاف الكبير بين قبول الفرد أو رفضه.

حملات التبرع، برنامج خواطر، الجمعيات الخيرية، كلها تمارس سياسة التسويق لأعمالها، فإن انتقاد برنامج مثل تم يستدعي هو الآخر أن يتم انتقاد كل البرامج التي بالأعلى، لأنها وبحسب شعورهم كلها تُعرض كرامة الإنسان للإهانة، لكن صوت الانتقادات لم يكن عالٍ بشكل كافٍ ليتوقف هؤلاء، بل وإن شعورنا ومعارضتنا من وجهة نظري التي قد تبدو قاسية قليلًا فيه لمسة عنصرية، تأمل الشاشة والصور المعلقة التي تستخدم صور الفقراء للترويج لحملة تبرعات، فإن كان استخدام الجائع كدعاية لحملة أمر مقبول لماذا لا يقبل برنامج كتم!

ونأتي لختام المسك، ونذكر بقصة الأعراب الذين جاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم الصوف فرأى سوء حالهم قد أصابتهم حاجة فحث الناس على الصدقة فأبطئوا عنه حتى رئي ذلك في وجهه قال ثم إن رجلا من الأنصار جاء بصرة من ورق ثم جاء آخر ثم تتابعوا حتى عرف السرور في وجهه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من سن في الإسلام سنة حسنة فعمل بها بعده كتب له مثل أجر من عمل بها. فكان حثا من الرسول للصدقة علنًا كما سنها وفضلها سرًا بغية المصلحة الأساسية وهي أن يشجع الناس بعضهم بعضا على التصدق، وهذا هو هدف البرنامج، أن نكمل المشوار ونكون نحن جهاز تم، لأننا وفي خضم همومنا الشخصية ومشاغلنا الخاصة، ننسى حق الآخرين علينا، ونعم الله علينا بأن جعل حاجة الناس لدينا.

أشكر كل القائمين على برنامج تم وعلى مجهودهم الكبير وتميزهم، واشكرك أيها القارئ على وقتك الثمين، واعتبر هذا مجرد رأي شخصي، والرأي الأخير في النهاية لك.

 

عطش لزخاتكم

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s