20232900_10155359582130446_269131498027709967_o

أول ما يسبق الإنسان هو الفرضيات. تسبق قراراته وآرائه فرضيات لا يمكنه التخلي عنها حتى يحل محلها الواقع، أو قد تبقى على ما هي عليه، قد يفترض من يقرأ نصوصي أنني خريج كلية آداب، ولن يأتي في باله لوهلة أنني قد أكون خريج هندسة حاسوب وهو ما أنا عليه. وهذه الخصلة هي التي تجعل الإنسان كيان صانع ومطلق للأحكام، هذا ذكي، هذا مغفل، هذا فقير وهذا غني، وهذا “مبهدل”. ولهذا أحكامنا دائما سطحية وساذجة وقشرية جدًا، لا تملك من المقومات ما يعتمد عليها كرأي، ولا تفتقر لما يبقيها مجرد انطباع، هي نتاج اجهاض مفاجئ لعقلانيتنا.

يحدث أن ترى مشهدًا رجل يشد طفلة بعنف وهي تصرخ، تراودك فكرة أنه رجل يحاول اختطافها، ثم ومن خلف المشهد تبدأ في قراءة تقاسيم وجهه ووجهها، وتبدأ في ملاحظة الفروقات السبعة، وبعد أن تثبت لنفسك ألا شبه بينهما وأنه من الممكن ألا يكون والدها، تكتشف أنك ورغما عنك قد أطلقت حكمك. تمر بعدها مباشرة بفتاة وقد تكشف جزء من صدرها، تنظر باهتمام كبير، ثم تدير وجهك وتترك عينيك عند عتبتيها، وتقول في نفسك هذه منحطة وتريد أن تغري الناس، وفجأة تتعثر أمام مشهد احمرار وجهها وقد امسكت بفستانها الذي فكت ازراره. تنظر لأحدهم يتناول طعامه بشماله، تستغفر الله وتشتمه مع اصدقاءك، ثم يغيب عن المشهد أن يده الأخرى مبتورة. تهمس لصديقك “صديقك هذا مدلل، انه لا يشرب سوى المياه المعلبة، كيف سيعيش لو سافر لأفريقيا!” ولا تريد أنت أن تتقبل فكرة أنه لم يعتد سوى أن يشرب هذه المياه، وبينما أنت عائد لا تنفك تواصل رمي أحكامك يمنة ويسرة حتى تصل إلى منزلك معتدًا بنفسك وقد مارست دور الرقيب على العالمين.

في خضم نقاشنا سألني صديقي: هل تستطيع ألا تحكم على الآخرين، قلت بثقة مهزوزة: أحاول ذلك، فأنا اترك الخلق للخالق قدر ما جاهدت نفسي. لكنني لا أستطيع ألا أكون مطلقا للأحكام على أقل تقدير داخل زنزانة افكاري المتهمة. فتلك الأحكام نتيجة ما تشربناه وتربينا عليه وتوارثناه في أزقتنا الثقافية. لكن ما أحاول صنعه ألا أؤثر على من هو أمامي بأحكامي، وألا تخرج من سجنها، وإن حاولت الخروج، وضعتها في سجن انفرادي، معلقٌ في جدرانها كل عيوبي. فمتى يذكر الفرد عيوبه، يقل انتقاده وحكمه على الآخرين. قال لي: إذا نحن كما أردت أن اخبرك لا نستطيع إلا أن نكون قضاة لمتهمينا الذي لا يدركون أنهم في قاعة محاكمنا. ابتسمت وقلت نعم، ولكن يجب علينا ألا نحاكم الآخرين، ننظر لهم شزرًا، نتمتم بلعناتنا وشتائمنا، نردد هذا خطأ وهذي غير أخلاقي ولو كنت مكانه.

كثيرًا ما رددنا جملتي ليتني كنت مكانه، أو لو كنت مكانه. الأولى تمني ما في يد الأول، وهي فخ الأنانية الذي نهوي فيه دائمًا، فأنت لا تعلم بماذا ضحى حتى يصل، وكم يقاسي حتى يستمر في هذا المكان. والثانية محاولة تقييم الآخرين تبعًا لأخلاقياتنا وقدرتنا على أن نكون أفضل منه، أكثر احسانا، أفضل هندامًا، أو حتى أكثر ثباتا أمام الصعاب.

دائما ما يظن الفرد أنه القاعدة الذهبية، أو المعادلة الكونية التي إينما وضعتها ستخرج لك أفضل النتائج وأجمل اللوحات الأخلاقية، لو رأى رجلًا يضرب ويهان ذليل لا يملك حيلة سيهم بقول “لو كنت مكانه لطمست أنوفهم”، وهو من حيث لا يدري يغلف نفسه بحالة من المثالية الكاذبة، هو يزعم أنه أكثر شجاعا من الرجل الماثل أمامه، ولو كان حقًا مكانه لكان أول من يخنع. ولو فرضًا افتراضًا أنه شجاع حقًا وسيقف في وجه هؤلاء جميعهم، فإنه غفل عما يغفل عنه الناس حال اطلاق احكامهم، وهو “ما الذي يدريك ما الذي مر به هذا الرجل في حياته ليقبل كل هذا الذل والضرب، كم ابنًا يعوله، بماذا تم تهديده، هل يملك بنية قوية أم أنه مريض يعاني، كم مرة وعد زوجته بأنه لن يقحم نفسه في مشاكل وهو ما حذى به للاستسلام، أفكار كثيرة قد نجهلها ونركلها في لحظة واحدة، لحظة مطلقة الظلم.

لو كنت مكانه هي أكثر الجمل ديكتاتورية، فنحن نفترض أننا وما بداخل رؤوسنا هو الصواب، وأن كل ما لا يعجبنا أو لا نستطيع فهمه أو تقبله أو حتى تفهمه لا يعدو كونه قلة أدب وسفالة وجبن وحماقة وغباء. لو انتحر أحدهم سيقفز البعض ويقول: “هذا غباء كيف ينتحر، حتى لو كانت حياته سيئة يجب أن يصبر، لو كان صالح ما انتحر، لو كان عاقل ما انتحر” وقائمة التهم تنهمر كالمطر أمام جثة هامدة تركها صاحبها، يتنازعون أمرها.

الانتحار ليس شيئًا سهلًا ولا حتى مستساغا لمن يفكر في الانتحار، ولا ينتحر الشخص من حيث يريد، ولكنه وصل مرحلة من البؤس والقنوط واليأس والكآبة تبعًا لظروفه ما لم تحتمله نفسه ولم يقوى على التغلب عليه عقله. الشخص الذي يمر بحالة الكآبة قد يظن نفسه عالة على أهله، ويظن أن أفضل ما يقدمه لهم هو أن يخلصهم منه ومن تقلباته النفسية، قد يكون وصل إليها بسبب تحرش أو حالة اغتصاب في الصغر، قد يكون بسبب معاملة قاسية من أهله، أو حتى من التنمر المستمر من زملاءه، أو سخرية الناس من شكله، أو حتى ملاحقة العالم لفضيحة ألمت به لم يجد لها من مفر سوى التخلص من حياته. لهذا اتعاطف كثيرا مع من تخلصوا من حياتهم بسبب ما كابدوه من مشاعر لا يعلمها سواهم.

مشكلة بعض العامة وربما أغلبهم أحيانا، أنهم يظنون أن خبايا الناس كلها متشابهة ومتساوية، ليس البشر جميعا متشابهون من الداخل، وإن تشابهوا في القشور، فالشخصيات تحدد تعاطي الفرد مع المواقف، فمثلًا، لو أنك احضرت زجاجتين فارغتين وألقيت بهما من ذات الارتفاع وعلى نفس السطح وبنفس الزاوية، هل من الضروري أن تنكسر الزجاجتان؟ بالطبع لا، فقد تنجو إحداهما، وحتى لو انكسرتا، فإحدى الزجاجات ستتحول لشظايا صغيرة مبعثرة، بينما الأخرى قد تتحول لسلاح قاتل، رغم أن الزجاجتين مهشمتين عمومًا لكن النتيجة النهائية مختلفة جدًا.

لذا لا تنتظر أن يتحول كل ضحية إلى سلاح، ولا تغضب إن تحول إلى حطام، ففي الختام، دواخلهما مهشمة مهما بدت صلابتهما من الخارج، حتى معادلة “حط نفسك مكانه” أي أن تطلب من أحدهم أن يحس بالآخر غير منصفة هي الأخرى، فكل شخص له كيانه وطريقة تفكيره، حالته الذهنية في تلك اللحظة، وظروفه التي لن تتشابه معك وإن جمعتهما في غرفة واحدة.

يجب أن نغير نظرتنا للآخرين ونتوقف عن إطلاق الاحكام على تصرفات الآخرين؛ فنحن لم نذق الآمهم، لم نجرب جروحهم، لم نعبر من خلال همومهم، لم نتخيل حتى الظروف التي مروا بها لتصنع بهم ما صنعت، كونك نجوت بأعجوبة من الهموم والمشاكل والاضطهاد والاستغلال والتحرش، لا يعني أن الكون كله محظوظ مثلك.

One thought on “ليتني لست مكانه

عطش لزخاتكم

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s