26198291_10155822254305446_4678631683942533452_o

 

ظننت أن قرار انتحاري للهرب من حياتي كان قرارا جيدا بما يكفي. كنت اخطو إلى الداخل نحو الشمس لنغرق سويا، جمال الغروب جعل أضفى على رغبتي كثير من النعومة والجاذبية. كنت انظر من خلف كتفي أثناء سيري البطيء، كان كل شيء يصغر رويدًا رويدا، الناس والشجر والصخر والأرض التي تبدو أقل استقرارا من دواخلي. كم يبدو العالم أكثر أمانا من بعيد. حين وصلت للبقعة الداكنة من هذا البحر الهادئ، اندفعت وحررت جسدي مستقيما، كانت أول ثوان لي هي أفضل اللحظات التي عشتها منذ ولادتي، كل الضجيج الذي بداخلي صمت فجأة حين صرت تحت الماء، اسمع صوت حركة الماء من حولي، واشعر بجسدي يهبط متحررا من كل ثقل، راودني شعور أعادني طفلة إلى رحمي الأول، و أعاد الصوت الحياة إلي رويدا رويدا، رغم أنني هاربة إلى الموت. استحضر وقبل أن أفرغ الهواء الذي بداخلي كل حالات الفشل التي عشتها كل اللصوص الذين سرقوا مني طفولتي ومراهقتي ولم يشبعوا حتى طاردوا شبابي، وأخشى أن يفعلوا ذلك حتى هرمي، ولو كان بيدهم لفعلوا ذلك حتى في قبري.

كان شريط حياتي يمر أمامي ببطيء الغرق الذي امارسه، كنت أود لو تنقضي هذه اللحظة أسرع مما ينبغي، من سيبالي بموت عورة، الكل سيشعر بالراحة، فهم لا يمارسون طغيانهم عليها لخوفهم عليها، بل لخوفهم منها، هم يخافون أن تمارس الحياة كما تحلو لها، تتخذ قراراتها، تصنع ذاتها، تجلب لهم العار والفضيحة، هذه هي مخاوفهم وهلاوسهم، هم يريدوننا فتيانًا حتى ما إذا مارس الحياة كما تحلو له قالوا “هو ولد شايل عيبه” أما نحن فالعيب هو من يحملنا كما يبدو، منذ النطفة الأولى وحتى اللفظة الأخيرة. لو كان خوفهم علينا هو وقودهم، لما كنا نحيا حياة المعتقلات المقتولات. لا أدري ماذا كان سيصنع والدي لو علم أنني أحب ابن جارتنا، وأنني أحلم كل يوم بأنه يقبلني كما في قصة الأميرة النائمة، أو أنني حاولت الخروج وحدي عدة مرات لأسير قليلا في متنزه المدينة لأنني سئمت البقاء بين حيطان البيت التي لا تجيد سوى فضح وحدتنا. لا أدري ماذا سيفعل أهلي لو رفضت الزواج من ابن عمي الذي يفصل بيننا عمر وكأنه قرن.

لن استطيع أن احصي عدد المرات التي كنت اضطر أن افرق بين ساقيَّ حتى تتأكد جدتي من أنني لا زلت فتاة، وأن جارتنا اللعينة التي اتهمتني بما يسمونه شرفي كانت تكذب كعادتها. لن احصي كم مرة نهرتني أمي لأنني وضعت عطرًا، أو ظهرت شعرة متمردة من تحت حجابي دون علمي قبل أن ابلغ الخامسة عشر من عمري. أو حين ظهر ساعدي عندما رفعت يدي لأنزل شيئًا من رفوف الدكاكين. لكن يمكنني أن أحصي كم عدد العباءات الملونة أو المطرزة التي اشترتها لي أمي… نعم صفر، كانت كل عباءاتي عبارة عن قطعة قماش سوداء فقط، لا أدري هل يمكننا أن نرتدي على الأقل لونا أقل تشاؤما منه، أم مكتوب علينا أن نرتديه فقط في قبورنا!

وحين ظننت أنني افر من كل هؤلاء إلى زواج يأخذني بعيدا عن هذا النحس الذي لازمني وتلك المعارك التي خاضتها روحي التائهة داخل هذا الجسد المضرج بالجروح والندب والكدمات، وجدتني احيا بذات الحظيرة، من أسرة تعاملني كحيوان إلى زوج لا يقل عنهم صفة من الحيوانية، خرجت من معتقل سياسي إلى معتقل انفرادي، حيث القانون والأعراف تمنحه حق التسلط والتنمر والحبس والحرمان، كنت افكر كثيرا بهذا المهرب، ولكن كنت أتردد مرارا وتكرارا، حتى ادركتني مشاعر أمومة طائشة همست لي أنه وربما يكون ملاذي الأخير هو صوت بكاءه، وضحكاته التي لا يفهمها بعد، فقررت أن أحمل وانجب طفلا أو طفلة، يملؤون علي مماتي ويعيدونني إلى الحياة.

حبلت ذات ليلة مظلمة كان يتصنع هو فيها الحنان والاهتمام والرعاية، أظن أن كل ما كان يبحث عنه هو أن ينادى أبو فلان، لم يكن يفكر أن حملي سيجلب له أخرى تشبهني، يحاول تقييدها كما فعل معي، البسي، كلي، لا تخرجي، سأضربك إن لم تستمعي لي، ويعيد نسخ تجاربي من جديد في قالب يشبهني بل هو قطعة مني، وكأنني أورث مأساتي وعذاباتي. كان وجهه ممتعضا وكان يحاول أن يرغم شفتيه ع الانفراج بشكل مزيف، وما أن سمعت صوت انغلاق باب البيت بعد أربعة أيام عشتها في حضرة ملائكة الرحمة بلا أبواب، دلف إلى غرفته من حيث لم يغادرها، وحملت ع عاتقي مسؤولية طفلان، هو أحدهما، اطبخ واكنس واسهر وارضع، بالكاد أجد وقتا للراحة، كان فقط يتنكر بزي الأبوة حين يمر بنا ضيوف كرام، ثم يمسح تنكره ما أن يخرخش الباب.

بدأ جسمي يقاوم الفكرة، ويحاول أن ينتزع مني فمي ليسحب نفسًا، وبعد مقاومة لم تطل، حررت فمي له، بل وكل جسدي، بدأت انازع الموت، وعقلي يعبث بكل أطرافي، شعرت برعب كبير، ما الذي ينتظرني في الضفة الأخرى، مر شريط آخر بحياتي، كانت بدايته دنيا، ابنتي، ولم تكن له نهاية، تذكرتها وكأنني التقيت ذاكرتي للتو، كان لليأس سطوة أكبر من أن يجعلني اذكر أو أرى أو حتى أفكر، تلك اللحظة الوحيدة في حياتي كلها التي تمنيت فيها حقًا أن أعيش، قاومت بكل قوة ونازعت بكل ما بقي من روحي المغادرة، رأيت ضوء أبيضًا، علمت بأنني سلمت نفسي، لم اعتقد يومًا أن الموت مخيف هكذا، الموت بحد ذاته ليس مشكلة، لكن السؤال الذي لا يجد الإنسان إجابة شافية له هو: أين سيذهب بعد الموت، فالعدم شيء مربك، رغم أننا جئنا منه، لا نستطيع أن نتصور الأبدية، ويستحيل علينا فهم العدم، ماذا بعد الموت، هل ينتظرنا حساب وعقاب، هل ينتظرنا بعث جديد، هل سيفتقدنا أحد، هل سيرثينا أحد، كيف سيحيا من نحب، وكل ما فكرت فيه في تلك اللحظة أمنية واحدة، أن أرجع، لأنني كنت أنانية بملاحقتي للموت ظنا منه أنه نهاية لمأساتي وحل لمشاكلي.

سمعت أصواتا كثيرة، بعضها يردد غطوها غطوها، وأخرى هل تتنفس؟ لم اشعر بأطرافي، ولكنني شعرت برغبة ملحة بأن اسعل، وبعدما فعلت، افقت ووجدتني ممدة عند الشاطيء، والنسوة من أهلي يحيطون بي، ينتظرون عودة زوجي ليذهب بي إلى المستشفى، بينما دنيا تبكي عند رأسي. مددت يدي نحوها واحتضنتها بما ملكت من قوة، وهمست لها: دنيتي، أنا اعتذر منك، كنت أنانية في قراري، سأفعل كل شيء، سأحارب كل شخص حتى لا تقاسي ما قاسيته، ستكونين حرة في مملكتي، سأكون قوية من أجلك، ومن أجل جيل يأتي من بعدك تخرجينه من سجوننا المقيتة، وتفكين أغلاله، دنيتي، كنت جبانة، وظننت أن الحل في الموت، ولكنني كما يبدو الحل في الحياة، ربما لن تفهمي كلامي الآن، ولكن ستتذكرينه يوما ما.

وهذا ما قالته لي أمي، أمي التي تعلمت منها الكثير، وبسببها ها أنا اليوم أقف أمامكم لألقي هذه الكلمة: قالت دنيا لجمهور الطلبة والآباء في حفل التخرج بشهادة الدكتوراة.

عطش لزخاتكم

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s