وهم الكارما !

karma

إن الاعتقاد بالكارما، جاء من باب العدالة شبه المعدومة في الدنيا كنوع من اراحة النفس من عبء الشعور السيء الذي يثقل كاهل البشر الواقعين تحت نار شرور البشر، الرازحين تحت صخرة الظلم، فالمظلوم أحيانا لا يملك يد حديدية يقتص بها لنفسه أو لمن يحب، فيعول على العدل الدنيوي، وبأن الدنيا ستأخذ حقه قبل يوم الدينونة. فهو أمل وإن كان زائفًا، إلا أنه أفضل من مواجهة الواقع المرير.

نحن ومهما حاولنا استرداد حقوقنا بالنص القانوني، نجد أننا لا نشعر بالعدل التام، ليس لضعف القانون، ولكن لغياب الاقتصاص المرضي والعادل حسب مشاعرنا الفردية، فما يراه القانون عدلا تاما تجاه قضية، يجده الضحية غالبا غير منصف، لذلك لا بدّ من عدل مطلق عاقل يسترد حقك مستنسخا كما تم سلبه منك.

وسميت تلك في ثقافات متعددة بالكارما، فعل الدوران، كما تدين تدان، والحوبة، والدنيا دوارة. نحن اوجدنا هذا العدل العاقل من رحم الدنيا وقانون ليس كقوانين الطبيعة العشوائية، انما قانون بالغ العقلانية متحكم ومنتبه ومصمم وكأنه إله أو ملاك كريم.

مفهوم العدالة مفهوم واسع جدا، وقد يكون العدل أحيانا ظلم لآخر، أو آخرين، كميزان العدل في التصويت، فهو يضحي برغبة ٤٩٪ من أجل اغلبية ال ٥١٪، ولهذا قد يكون العدل في شخص هو ظلم لآخر. خذ على سبيل المثال لو أن أحدهم قتل ابن شخص ما، ثم دارت الدوائر وقتل ابن القاتل، فمن وجهة نظرنا فٱن العدالة تمت، بينما هنالك اساسا قاتلان ومقتولان، وليس قاتل ومقتول وقصاص. وهي المعادلة الأحق. لذا فإن الاعتقاد بالكارما اعتقاد بعدالة ذاتية شخصية منبثقة من رغباتنا الخاصة وليس عدالة عاقلة بحد ذاتها.

يجب الاقتناع بأن العدالة غير موجودة محررة في الطبيعة ومتحكمة و تسير بذاتها، بل نحن اوجدنا عبر المؤسسات والحضارة قوانين؛ تضمن اقل وأبسط جزء من العدالة يمكن تحقيقه في هذا الكون، وعلينا أن نقبل ونرضى بانعدام العدالة، وإن العدالة ليست موجودة إلا عند الله العدل الحكم.

الإنسان يملك قدرة عظيمة على ربط الأمور، عظيمة جدا تفوق حتى قدرته على ادراكها، لو أن شخصا عاير أحدهم، وبعد فترة تلبسه ما كان يعاير به الآخرين، فإننا ومباشرة سنقول أنه بسبب معايرته أصيب بها، والأمر لا يتجاوز كونه صدفة قابلت قدرا، فالصدفة أنه تحدث، والقدر أنه كتب عليه ذلك مسبقا، ولو أنه لم يتحدث، لما القى أحدهم بالا له. وقس ذلك على كل ظنونك وامانيك. وحدثني، كم مرة التقت الصدف بالاقدار!

ما الذي يحدث هنا إذا!

غالبا يقال: وقع في شر اعماله، أو حفر حفرة لأخيه ووقع فيه. فإن الإنسان ومن فطرته حب الخير، وينازعه الشر بقدر ما تم تغذيته بخير بشكل عكسي، كلما زاد الخير فيه قلت منازعة الشر له. لذا وحين يصنع أحدهم شرا بأحد، يحمله دافع الغضب والانتقام، والذي يعميه غالبا عن الصواب والمنطق، فتجده يصنع الضرر دون أن ينظر للطريق، للشخص، وللمكان.

مثلا، شخص دخل شارعا دون أن يبالي بالسيارات لأنه مستعجل وتسبب في ارباك حركة السير بتهوره، ولأنه مستعجل جدا، ويسير بسرعة وفي ذات الطريق يخرج أحدهم إلى الشارع فيلتقي به، ويسبب له حالة الارباك نفسها التي سببها للآخرين. لو لم يكن مسرعا، لخرج الآخر دون أن يزعجه أو يتسبب بتعطله، ولأن عقل الإنسان يحب الربط بل ويعشقه، فهو بطبيعة الحال سيربط بين تصرفه وتصرف الذي خرج أمامه فجأة، فيشعر أن هنالك رابط حقيقي.

وقس على ذلك كل تصرفاتنا البشرية، لذا، الشر يتسبب في توترنا، لأننا غير راضيين عنه، او منفعلين به، ولذا نقع في شرورنا. السارق كلما مارس السرقة زادت احتمالية الامساك به، القاتل، كلما زاد قتله واجرامه، كلما زادت احتمالية وقوعه ضحية البيئة التي يعيشها، رجل المافيا، تاجر المخدرات، وكل مجرم يبقى ضحية البيئة التي القى نفسه فيها، ولا ننسى أهم قضية وهي إرادة المجتمع، فالمجتمع يرغب في خلق العدالة وصناعتها، ولهذا تجد الإنسان ينتقم من صاحب الفعل والظلم بالقدر الذي يمكنه فعله، ويقع المجرم في انعكاس شره، وهو هذه الإرادة العظيمة لدى المجتمع في استرداد الحقوق.

لو أنك لم تسخر من شخص بشكل علني، لما ربط الناس بين ما اصابك وبين ما سخرت منه، وبين من أنكر عليك وبين من تنمرت عليهم. الكارما ليست سوى قدرتنا على الربط الذي يعيد لنا الطمأنينة التي نحتاجها.

اذا، أين الملجأ !

الملجأ هو تطور وعي الإنسان وإدراكه لسن القوانين التي تضمن له عدالة مجمع عليها تضمن عدم وقوعه في الظلم حتى ينتظر عدالة دنيوية أخرى، حتى لا يحتاج لتلبس حالة الانتقام والكراهية، وما هو أهم منه هو الإيمان بأن الله عادل سيأخذ حقنا بالشكل الذي ليس إلا عدالة مطلقة في حكمه وكتابه ولا عدل أعلى من عدل الله يوم يعدل بين الخلق.

هل نحتاج السيئين في حياتنا؟

20900569_10155444913285446_506067229128411497_o

هل نحن بحاجة لأولئك السيئين في حياتنا، أولئك العابسين المارين بملامحنا، موظف خدمات فض، ثرثار في وسط قاعة السينما يتحدث على الهاتف، شخص لا يعرف الأدب، يسرق دورك أمام صراف آلي أو يتجاوز موعدك في المستشفى، أو آخر يقطع طريقك بلا احترام لقوانين السياقة، أو جار يلقي بالأوساخ من نافذته، أولئك الذين يجعلون لحظاتنا مزعجة بعض الشيء، ويصيبوننا بجلطة مؤقتة، وغبطة طويلة، أولئك الذين يجيدون استفزازنا وسرقة أعمالنا، وتملق الآخرين من حولنا.

يمكنك أن تجيب عن السؤال اليومي ممن يحيط بك “كيف كان يومك” عبر مفردتي “لا بأس” خلال أيامك العادية، أيامك التي لا يحصل فيها شيئًا مميز والتي تعيد استنساخ رزنامة السنة الماضية فيها. تسليم تقرير، كتابة برقية، معالجة خلل في النظام، أو إرسال حاسبك الآلي إلى الفني. ولو كنت خارج العمل، فالأمر سيكون طويلا قليلًا، ك” الشارع كان مزدحما” “الصف كان طويلًا”، إجابات مقتضبة، ودردشة شبه منعدمة بينك وبين من يسألك، ربما اختك، ابنك، زوجتك أو أمك.

لا نجيد نحن البشر بسهولة ملئ الفراغ بالحديث مع من نشاهده كل يوم، كما أن اللحظات الجميلة ليست بتلك الغزارة حتى تتكرر في أيامنا، لذا فإن أفضل دردشة قد تكون تلك التي جعلتنا غاضبين، حزانى، أو حتى مستائين، فنحن غالبا نجيد التعبير عن المشاعر السلبية أكثر من إجادتنا التعبير عن تلك المشاعر الجيدة، نحن غالبا نكتفي بالابتسام طوال اليوم عندما نشعر بشيء مبهج، وقد نسرده لشخص أو اثنين، لأننا غالبا نخشى أن يحسد فرحنا أحدهم. أما بالجانب الآخر، فنعود عابسين، بحاجبين مقطبين، ننتظر أن يسألنا أي شخص حتى نفرغ الدلو الممتلئ بداخلنا. زميل، صديق، مسؤول، زوجة، أخت أو حتى عابر سبيل يشاركنا الغضب نفسه. انظر هذا الأحمق قد أخذ دورنا.. تأخرت شركة الصيانة الخاصة بالمصعد وها نحن نستخدم الدرج! هل لديك فكرة عن التعب الذي أعاني منه! وأشياء من هذا القبيل. صدقني، قد نكون صداقات بسهولة أثر شخص سيء مر بنا صدفة.

لا يكتفي السيئين بمساعدتنا في خلق صداقات جديدة أو أحاديث متواصلة، بل يساعدنا في تجديد مشاعرنا، فنحن ننتظر أن نشكو أحدهم لمن نحب، فتتصل بك خطيبتك لتشتكي زميلتها التي حدقت فيها بشيء من الاحتقار، أو تلك التي لم تبادلها التحية، هي تنتظر ذلك السيل من المشاعر الذي يخرج من فم اهتمامك، هي ستنتظر اللحظة التي ترتمي فيها في حضنك حتى تشكو لك وتشعر بكل محبتك واهتمامك.

يعود الأب مهموما، يلقي بثيابه ويرتمي في السرير، ينتظر أن تشعر زوجته بكل ذلك الاستياء الذي ارتمى معه في ذات البقعة، أو في الغداء يشكو سوء تعامل مديره معه، فيحيط به أبناؤه ليعلنوا كراهيتهم ولعناتهم على المدير وتعاطفهم مع والدهم، يبداءون في احتواء همه، في موافقة ردود فعله، أو حتى في محاولة إيجاد حلول للمشكلة، تلك اللحظة التي لا يتمناها أحدهم، تشعل بيتا كامل، فتصنع صومعة من الاهتمام المتبادل والمودة والتقارب.

الإنسان لا يستطيع أن يقر بتمكنه من شيء ما لم يمتحنه، لذا فإن السيئين وسيلة جيدة لنمتحن الكثير في حياتنا، أخلاقنا، ردود أفعالنا، صبرنا المزعوم، قدرتنا على التسامح، غفراننا المنقوص، وكذلك قدرتنا على أن نكبح كل الشياطين التي بداخلنا، حينها فقط يمكننا أن ندّعي أننا أفضل حالًا من ذلك الذي لم يتأدب مع نادل المطعم المسكين، أو ذلك الذي سرق الإشارة منا، أو تلك التي ألقت بفاتورتنا بإسلوب يشيء بالوقاحة.

ما نردده دائما أن وجود السيء في حياتنا يجعلنا نبدو أفضل حالًا، أو وجودهم كوجود الحزن لا بد أن يمر بنا حتى نستشعر الفرح، ولكن ليس ذلك مهما، بل الأهم هو أنه يجعلنا نعي كيف يشعر الآخرين لو أننا قمنا بذات التصرف ليجعلنا نحسن التصرف دائما معهم، حتى لا ندرج تحت قائمة شخص سيء، يجعلنا نتعلم كيف نكون جيدين كفاية مع من حولنا مهما كانت حالاتنا وظروفنا، يجعلنا نقدر حقا تصرفات النبلاء والكرماء والمحسنين، يجعلنا نفكر أكثر في عواقب كل شيء، وفي مآلات كل تصرف، وفي خلفية كل كيان، حتى نهذب الأجيال التي تحتنا. ويجعلنا ندرك أن الناس ليسوا سيئين، بل ربما يمرون بوقت عصيب، أو قد مروا به سابقًا، وأن السيء هي تصرفاتهم التي قد نهذبها نحن حين لا نكون جزءً منهم.

رحلة في هم

20767728_10155430925035446_7925284641787634284_n

همسة: تحذير لذوي القلوب الضعيفة، الرجاء تجاهل النص لسوداويته.

نمر بحالة لا تشبه شيئًا نعرفه بتاتًا،
طعم من الضيق،
رائحة من هم،
وكأس من شاي قاتم.
نتلوى من وجع لا يرى،
ونبكي من دمعٍ لا يسكب.
نشعر أن كل محاولة للتخفيف عنا
لن يتجاوز امتداد غيمة سرعان ما تزول
من قال أن الغيم جميل،
الغيم لا يحمل جسدًا يهوي
الغيم يحمل أحزان أهل الأرض
وحين يخيب أمل وصولها يهطلها
أخرى على رؤوس أرواحهم
وأرواح العابرين بأزقتهم صدفة
الغيم يغادر سريعًا ، وإن كان جمال الغيم في ظله،
فظله لا يطارده إلا أحمق أختنق معدمًا بهمومه
فاستحال روحًا تطارد جسدًا، آه قد نصبح
يومًا ذلك الأحمق !
نتعلق بدمعة نجرها لنصعد من جرف هاويتنا،
ولكنها لا تأبى الخروج
نحاول المضي قدمًا ولا نستطيع
وتستحيل أحزاننا إبرًا في أحذيتنا،
تجرح كل خطواتنا
يقتفي أثرنا همٌّ آخر يريد أن يدرك دوره
يلحق ذات القطار والآثار.
نغمض اعيننا وكأننا نبحث عن
شيء في ظلمتها، ربما مصدر الماء
أو نبعه
لأننا نظن أن الخلاص تحته
أو في جوفه، أو حتى نبحث
في اغماضتنا عن زهرة جلجامش
علّ الهموم تخلد في كيان آخر
لا ينتمي لأرواحنا.
نود أن نرتل طلاسمنا، هلوساتنا
هذياننا، جرات أقلامنا الخاطئة
التي نحاول أن نصوبها بأن نخربش فوقها.
ولأن جميع حواسنا حزمت حقائبها
تُتأتئ أعيننا جملة الهم، فتنحرف يمينًا وشمالًا
ثم تقف جامدة لا تنظر لشيء لتراه
فقط تأتأة وحرف ساكن لا تحركه إلا كسرة
في القلب تجره على طول الطريق المؤدية
إلى ذاكرته، فيبحث عن إبرة وخيط وأدواتِ
طبية موجودة في أدراجه وقوالبه
البحث في تلك الأدراج قد يكون مؤذيًا
فلا نعرف إن كان كل ما سنجده قد يساعد
في رتق الجرح، أم تمزيقه وصنع جرح آخر.

في تلك اللحظة
تشتاق أكتافنا إلى كف تقفز فوقها، وما بينهما
إلى رحلة إلى أرض ثالثة ينام الحزن عليه.
وقطارين يمضيان بإتجاه عكسي مائل على الخدين
يمسح من على السكة ما نحسبه دمعة.
نكون في لحظة كسراج نفخ فيه؛ فَبُثَ فيه من موت
فلم يعد ينير شيئًا، يمسي داخلنا مظلمٌ وكأن السواد
بصق بوجه كياننا، وسماؤنا خاوية من النجوم
فكل النجوم ركلتها الدنيا تسقط شهبًا يفرح برؤيتها
كل عدو لنا مر عابرًا بملامحنا.
نستلقي على الأرض ومن هول ما بنا، نجد أن الأرض من تستلقي علينا
فننام مثقلين
منتظرين الغد؛ فحقيبة الغد، علّ و ربما تخفي شعورًا أجمل
يٌغَيّب هذا الشعور في جوفها بلا عودة، وكأن ظاهر الحقيبة
شمس ساطعة، وجوفه ثقبٌ أسود لا يترك أثرًا لهم دخله

يضع الظلام سبابته تحت ذقن الضوء
يتغزل به، فيدلق حياءه مع أولى نسمات الصباح
نستيقظ، فننسى كل شيء حدث بالأمس
كما سينسى البقية هذا النص.

*جزء من النص مفقود لم يتمكن الكاتب من ترجمته.

3-6-2013