هل نحتاج السيئين في حياتنا؟

20900569_10155444913285446_506067229128411497_o

هل نحن بحاجة لأولئك السيئين في حياتنا، أولئك العابسين المارين بملامحنا، موظف خدمات فض، ثرثار في وسط قاعة السينما يتحدث على الهاتف، شخص لا يعرف الأدب، يسرق دورك أمام صراف آلي أو يتجاوز موعدك في المستشفى، أو آخر يقطع طريقك بلا احترام لقوانين السياقة، أو جار يلقي بالأوساخ من نافذته، أولئك الذين يجعلون لحظاتنا مزعجة بعض الشيء، ويصيبوننا بجلطة مؤقتة، وغبطة طويلة، أولئك الذين يجيدون استفزازنا وسرقة أعمالنا، وتملق الآخرين من حولنا.

يمكنك أن تجيب عن السؤال اليومي ممن يحيط بك “كيف كان يومك” عبر مفردتي “لا بأس” خلال أيامك العادية، أيامك التي لا يحصل فيها شيئًا مميز والتي تعيد استنساخ رزنامة السنة الماضية فيها. تسليم تقرير، كتابة برقية، معالجة خلل في النظام، أو إرسال حاسبك الآلي إلى الفني. ولو كنت خارج العمل، فالأمر سيكون طويلا قليلًا، ك” الشارع كان مزدحما” “الصف كان طويلًا”، إجابات مقتضبة، ودردشة شبه منعدمة بينك وبين من يسألك، ربما اختك، ابنك، زوجتك أو أمك.

لا نجيد نحن البشر بسهولة ملئ الفراغ بالحديث مع من نشاهده كل يوم، كما أن اللحظات الجميلة ليست بتلك الغزارة حتى تتكرر في أيامنا، لذا فإن أفضل دردشة قد تكون تلك التي جعلتنا غاضبين، حزانى، أو حتى مستائين، فنحن غالبا نجيد التعبير عن المشاعر السلبية أكثر من إجادتنا التعبير عن تلك المشاعر الجيدة، نحن غالبا نكتفي بالابتسام طوال اليوم عندما نشعر بشيء مبهج، وقد نسرده لشخص أو اثنين، لأننا غالبا نخشى أن يحسد فرحنا أحدهم. أما بالجانب الآخر، فنعود عابسين، بحاجبين مقطبين، ننتظر أن يسألنا أي شخص حتى نفرغ الدلو الممتلئ بداخلنا. زميل، صديق، مسؤول، زوجة، أخت أو حتى عابر سبيل يشاركنا الغضب نفسه. انظر هذا الأحمق قد أخذ دورنا.. تأخرت شركة الصيانة الخاصة بالمصعد وها نحن نستخدم الدرج! هل لديك فكرة عن التعب الذي أعاني منه! وأشياء من هذا القبيل. صدقني، قد نكون صداقات بسهولة أثر شخص سيء مر بنا صدفة.

لا يكتفي السيئين بمساعدتنا في خلق صداقات جديدة أو أحاديث متواصلة، بل يساعدنا في تجديد مشاعرنا، فنحن ننتظر أن نشكو أحدهم لمن نحب، فتتصل بك خطيبتك لتشتكي زميلتها التي حدقت فيها بشيء من الاحتقار، أو تلك التي لم تبادلها التحية، هي تنتظر ذلك السيل من المشاعر الذي يخرج من فم اهتمامك، هي ستنتظر اللحظة التي ترتمي فيها في حضنك حتى تشكو لك وتشعر بكل محبتك واهتمامك.

يعود الأب مهموما، يلقي بثيابه ويرتمي في السرير، ينتظر أن تشعر زوجته بكل ذلك الاستياء الذي ارتمى معه في ذات البقعة، أو في الغداء يشكو سوء تعامل مديره معه، فيحيط به أبناؤه ليعلنوا كراهيتهم ولعناتهم على المدير وتعاطفهم مع والدهم، يبداءون في احتواء همه، في موافقة ردود فعله، أو حتى في محاولة إيجاد حلول للمشكلة، تلك اللحظة التي لا يتمناها أحدهم، تشعل بيتا كامل، فتصنع صومعة من الاهتمام المتبادل والمودة والتقارب.

الإنسان لا يستطيع أن يقر بتمكنه من شيء ما لم يمتحنه، لذا فإن السيئين وسيلة جيدة لنمتحن الكثير في حياتنا، أخلاقنا، ردود أفعالنا، صبرنا المزعوم، قدرتنا على التسامح، غفراننا المنقوص، وكذلك قدرتنا على أن نكبح كل الشياطين التي بداخلنا، حينها فقط يمكننا أن ندّعي أننا أفضل حالًا من ذلك الذي لم يتأدب مع نادل المطعم المسكين، أو ذلك الذي سرق الإشارة منا، أو تلك التي ألقت بفاتورتنا بإسلوب يشيء بالوقاحة.

ما نردده دائما أن وجود السيء في حياتنا يجعلنا نبدو أفضل حالًا، أو وجودهم كوجود الحزن لا بد أن يمر بنا حتى نستشعر الفرح، ولكن ليس ذلك مهما، بل الأهم هو أنه يجعلنا نعي كيف يشعر الآخرين لو أننا قمنا بذات التصرف ليجعلنا نحسن التصرف دائما معهم، حتى لا ندرج تحت قائمة شخص سيء، يجعلنا نتعلم كيف نكون جيدين كفاية مع من حولنا مهما كانت حالاتنا وظروفنا، يجعلنا نقدر حقا تصرفات النبلاء والكرماء والمحسنين، يجعلنا نفكر أكثر في عواقب كل شيء، وفي مآلات كل تصرف، وفي خلفية كل كيان، حتى نهذب الأجيال التي تحتنا. ويجعلنا ندرك أن الناس ليسوا سيئين، بل ربما يمرون بوقت عصيب، أو قد مروا به سابقًا، وأن السيء هي تصرفاتهم التي قد نهذبها نحن حين لا نكون جزءً منهم.

رحلة في هم

20767728_10155430925035446_7925284641787634284_n

همسة: تحذير لذوي القلوب الضعيفة، الرجاء تجاهل النص لسوداويته.

نمر بحالة لا تشبه شيئًا نعرفه بتاتًا،
طعم من الضيق،
رائحة من هم،
وكأس من شاي قاتم.
نتلوى من وجع لا يرى،
ونبكي من دمعٍ لا يسكب.
نشعر أن كل محاولة للتخفيف عنا
لن يتجاوز امتداد غيمة سرعان ما تزول
من قال أن الغيم جميل،
الغيم لا يحمل جسدًا يهوي
الغيم يحمل أحزان أهل الأرض
وحين يخيب أمل وصولها يهطلها
أخرى على رؤوس أرواحهم
وأرواح العابرين بأزقتهم صدفة
الغيم يغادر سريعًا ، وإن كان جمال الغيم في ظله،
فظله لا يطارده إلا أحمق أختنق معدمًا بهمومه
فاستحال روحًا تطارد جسدًا، آه قد نصبح
يومًا ذلك الأحمق !
نتعلق بدمعة نجرها لنصعد من جرف هاويتنا،
ولكنها لا تأبى الخروج
نحاول المضي قدمًا ولا نستطيع
وتستحيل أحزاننا إبرًا في أحذيتنا،
تجرح كل خطواتنا
يقتفي أثرنا همٌّ آخر يريد أن يدرك دوره
يلحق ذات القطار والآثار.
نغمض اعيننا وكأننا نبحث عن
شيء في ظلمتها، ربما مصدر الماء
أو نبعه
لأننا نظن أن الخلاص تحته
أو في جوفه، أو حتى نبحث
في اغماضتنا عن زهرة جلجامش
علّ الهموم تخلد في كيان آخر
لا ينتمي لأرواحنا.
نود أن نرتل طلاسمنا، هلوساتنا
هذياننا، جرات أقلامنا الخاطئة
التي نحاول أن نصوبها بأن نخربش فوقها.
ولأن جميع حواسنا حزمت حقائبها
تُتأتئ أعيننا جملة الهم، فتنحرف يمينًا وشمالًا
ثم تقف جامدة لا تنظر لشيء لتراه
فقط تأتأة وحرف ساكن لا تحركه إلا كسرة
في القلب تجره على طول الطريق المؤدية
إلى ذاكرته، فيبحث عن إبرة وخيط وأدواتِ
طبية موجودة في أدراجه وقوالبه
البحث في تلك الأدراج قد يكون مؤذيًا
فلا نعرف إن كان كل ما سنجده قد يساعد
في رتق الجرح، أم تمزيقه وصنع جرح آخر.

في تلك اللحظة
تشتاق أكتافنا إلى كف تقفز فوقها، وما بينهما
إلى رحلة إلى أرض ثالثة ينام الحزن عليه.
وقطارين يمضيان بإتجاه عكسي مائل على الخدين
يمسح من على السكة ما نحسبه دمعة.
نكون في لحظة كسراج نفخ فيه؛ فَبُثَ فيه من موت
فلم يعد ينير شيئًا، يمسي داخلنا مظلمٌ وكأن السواد
بصق بوجه كياننا، وسماؤنا خاوية من النجوم
فكل النجوم ركلتها الدنيا تسقط شهبًا يفرح برؤيتها
كل عدو لنا مر عابرًا بملامحنا.
نستلقي على الأرض ومن هول ما بنا، نجد أن الأرض من تستلقي علينا
فننام مثقلين
منتظرين الغد؛ فحقيبة الغد، علّ و ربما تخفي شعورًا أجمل
يٌغَيّب هذا الشعور في جوفها بلا عودة، وكأن ظاهر الحقيبة
شمس ساطعة، وجوفه ثقبٌ أسود لا يترك أثرًا لهم دخله

يضع الظلام سبابته تحت ذقن الضوء
يتغزل به، فيدلق حياءه مع أولى نسمات الصباح
نستيقظ، فننسى كل شيء حدث بالأمس
كما سينسى البقية هذا النص.

*جزء من النص مفقود لم يتمكن الكاتب من ترجمته.

3-6-2013