المنبه الذي لا يرن

22491486_10155623227045446_2779728727379722435_n

إنها الثانية عشر منتصف الليل، يحصل يوسف على وجبة العشاء، وهي عبارة عن زجاجة حليب، يتهجى النوم على وسادته الصغيرة حتى ينام، يحاول الثرثرة، وكل ما يخرج من فمه هي محض أصوات يحاول تلحينها حتى ينام.

لأكسب بعض الوقت اتناول زجاجات الرضاعة لأغسلها، صدقني لن ترغب في غسل زجاجة مخصصة لتقليل الغازات، ففيها الكثير من القطع التي عليك أن تدخل فيها أنواع مختلفة من فرش التنظيف. عيني تراقب الساعة حتى لا تفر بالوقت، ادس الزجاجات والقطع في جهاز التعقيم، اضع الماء في الغلاية، اجهز سريري واتمدد.

اتذكر أنه يتعين على ضبط المنبه على الوقت المحدد، اضغط على زر التشغيل، وأكاد اقسم أن الجهاز اللعين يسخر مني حين يظهر لي ما تبقى من وقت ليرن المنبه، ساعتان وأربعون دقيقة، إن الوقت لا يجامل أحدا. ارفع كفي إلى السماء وادعو أن ينام هو بشكل جيد حتى يتسنى لي أن أنام بشكل أقل من جيد.

استيقظ مفزوعًا، اطل عليه، إنه نائم، هو فقط يصدر اصواتًا، اضع يدي قرب انفه، إنه يتنفس الحمد لله، اعاود النوم، وبعد ساعة اسمع صياحا متقطع، ارفع يدي من تحت الغطاء متمنيا أنه لم يستيقظ بعد وأن هذه اضغاث أحلامه الصغيرة. يتحول الصياح المتقطع إلى بكاء متصل، انهض مثقلا بسهر الأيام الماضية، أمضي نحو المصباح وأصنع به عكس ما اصنعه بجهاز التكييف.

اخرج الزجاجة وبالملقط احشر القطع في بعضها، اغلي الماء، احضر الثلج، ابرد بعض الماء الجاري وأضعه في كأس أحشر فيها الحليب ليبرد، الصياح يتعالى، اهرع لأحمله حتى يسكت، اتناول الحليب بعد ان فتر، احمله واضمه إلى صدري، وأرضعه من الزجاجة، بينما يتردد على نظري ضباب النعاس.

الممرضة قالت: دعه يتجشأ حتى لا يتقيأ، هكذا انظر. عملية صعبة، ضمه إلى صدرك ورأسه على مستوى كتفك، ربت على ظهره، واقسم بالله أن التربيت ليس جزء من العملية، ولكنني تعودت على ذلك لأوهم نفسي أنها أسرع طريقة لجعله يتجشأ، الوقت يمضي بسرعة خيالية، وبعد أن يفرغ من زجاجته، اضعه في مهده واقوم بتغطيته ثم اجلس لادردش معه، لا يبدو أنه يريد النوم ما الخطب يا ترى. انظر إلى الساعة، إنها الثالثة والنصف صباحا!

حبيبي متى ننام، أنا متعب جدًا، أتذكر شيئًا، علي تغيير الحفاظ، وقبل أن افكها، ارفع كلتا كفي إلى السماء، ثم أهمس له وأقول لا تقل لي أنك فعلتها ! هذا ليس الوقت المناسب لأسوأ مهمة، لست مستعدا لذلك يا حبيبي، وللأسف، يبتسم هو معلنا أنني في ورطة. انظفه واضطر لاعداد كمية صغيرة من الحليب حتى ينام بها.

اضبط المنبه كل ثلاث ساعات كما قالت الطبيبة، إنها عملية شاقة جدًا، بالكاد يمكنك أن تقضي منها ساعتين، لأن الساعة الأولى تنقضي في غسل الزجاجات وتعقيمها، وفي استيقاظه قبل منبهك بالطبع، ينقضي المساء وبالكاد حصلت على ثلاث إلى أربع ساعات من النوم المتقطع، كأنك تحمل شطيرة، تتناول منها قضمة كل ساعة، فلا أنت شبعت، ولا أنت استمتعت، وتبقى أمام خيار واحد، أن تقرر النهوض والاستحمام لتطرد النوم متمنيا أن يكون نوم الغد أفضلا حالا من اليوم.

وينقضي النهار بنفس الوتيرة، ولكن استبدل النوم بقضية أخرى، الكتابة، القراءة، مشاهدة التلفاز أو حتى النوم… الخ

آه نسيت أن أخبركم، زوجتي سافرت لتقدم امتحانات نهاية السنة، وأنا الآن في نهاية الأسبوع الثانية منذ استلامي العهدة الكاملة لرعاية ابني يوسف، الآن فقط فهمت معنى الأم الحقيقي، معنى أن تسهر أمك وأنت نائم، معنى أن تتعب وأنت مرتاح، معنى أن تقلق وأنت مطمئن.

الآن فقط فهمت لماذا لا يستطيع أغلب النساء أن يعتنين بأنفسهن، لماذا لا يملكن الوقت للقيام بمهام أخرى سوى الرعاية، لماذا مزاجهن متعكر، لماذا أجسادهن منهكة، أنا انقطعت عن الكتابة والقراءة والخروج من البيت، فلا يمكنك أن تنظم وقت الأطفال، فالأطفال كائنات عشوائية، لهذا لا تظن أن بإمكانك تنظيم وقتك، فهم وقتك ومنبهك الوحيد.

اعتذر لجميع المتابعين عن الانقطاع، ولكن حقا قلة النوم مأزق كبير، ودور الأم أعظم من أن يتقمصه رجل.

هنا وصلة لمقال اشكالية النوم، مرتبط جزئيا بهذا المقال

https://altaye6.com/2017/10/06/sleepingprob/

لماذا تفشل علاقاتنا

22550472_10155615138395446_4375303614313961386_o

العلاقات والمعارف هي هدف الإنسان الدائم في الحياة، فهو كائن مفطور على المشاركة والتفاعل والحب، ومن دون الآخر الإنسان لا يمكنه أن يعيش، وسيبحث بطبيعة الحال عن شبيه له، حتى لو كان ذلك الشبيه شيء مختلق من خياله. استحضر في هذه اللحظة الكرة التي كان يصادقها بطل فلم castaway والتي أسماها بويلسون. تلك الكرة التي كان يدردش معها ويشكو لها ويصطحبها أينما ذهب وارتحل ويحاول استشارتها وحتى اطعامها، رغم عدم تجاوبها معه واستحالة ذلك -إلا في عقله طبعا-. وذلك حتى لا يصبح مجنونا لاتساع بقعة الوحدة التي يعاني منها بطل الفلم.

الذكاء الاجتماعي مصطلح جديد يصف مدى قدرة الشخص على التعاطي، التنقل والتفاوض في العلاقات الاجتماعية المعقدة والبيئات المختلفة بفاعلية، لكن كون الشخص ذكي اجتماعيا، لا يخوله ولا يمنحه القدرة المطلقة للمحافظة على العلاقات، إنما على فتح وتكوين علاقات جديدة بالأصح؛ فلماذا ومهما بلغنا من مهارات اجتماعية، نخسر علاقات كثيرة كلما مضينا قدمًا بأعمارنا؟ الإجابة الأقصر! لأن حالاتنا البشرية متغيرة ومتقلبة سواء من جهتنا نحن أم من جهة الآخر الذي نحاول التمسك به.

في كل مرة تقابل أحدًا ما، لن تكون حاملا ذات الأفكار والهموم أو حتى المشاعر، وهذا ما يجعلنا أو الآخر نرسم الكثير من الخيالات حول سبب تغير هذا الشخص، ربما غاضب مني، ربما لم يعد يحبني، ربما ازعجته، ونبدأ بوضع كلماته وجمله وحتى تنهيداته على طاولة التحقيق، نحاول أن نفكك كل جملة، وأن نحلل كل عبارة، ما يضعنا في موقف دفاعي جدًا يؤهلنا لتعكير صفو اللقاء، وقد نحمل تلك الأفكار معنا إلى البيت حتى السنة القادمة من التفكير، وقد يستحيل الأمر في أفضل الحالات إلى سوء ظن وتسرع في إطلاق الأحكام

ولا نكتفي بهذه الجريمة وحدها، بل حتى لا نبادر في مصارحة الآخر “ربما” حول المشكلة أو الأفكار التي تجول في رؤوسنا عمومًا، وهذا يترك فجوة كبيرة بين طرفي القضية، فالمصارحة مهمة، ولكن يجب أن يتم الباسها ثوب الهدوء والمودة.

الصدق فضيلة، ولكنه في العلاقات ليس كذلك دائمًا، فغالبا الصدق ليس بمنجاة فيها، بل أحد أكبر مدمريها. ولأننا لا نجيد أخبار كذبة محكمة، نفقد ثقة الآخر، وأحيانا ليس لأننا لا نخبر كذبة جيدة، بل لأننا ننسى الأكاذيب التي رتلناها، وبعد مدة طويلة يُفتضح أمرنا، فحبل الكذب أقصر من المسافة بين ألسنتنا وأسماعهم، لسنا بحاجة لأن نكون “كَذَبَة” إنما الأمر متوقف على الوضع الراهن والذي يحتم علينا أن نكذب، فقد يكون الكذب هو حبل النجاة الأخير الذي يجعل العلاقة متماسكة أكثر. قد يعترض البعض على هذه الفكرة ولكنني مؤمن أن العلاقات لا تنجو إلا بمس من كذب.

لا عيب أن نتمسك بعاداتنا وألا نخرج من قوالبنا، لكننا نبالغ أحيانا في ذلك، للدرجة التي نجعل من حولنا رهن تلك العادات والتصرفات، كأن نشترط شرب الماء في كوب زجاجي أزرق، أو نضع الجميع تحت رحمة التكييف الذي تشير لوحته للرقم 16 درجة مئوية! يمكنك بكل بساطة أن تجد أرضية مشتركة لكل شيء، فلست وحدك في تلك الغرفة، وليست المطابخ مجمعا تجاريا لتناسب ذوق شربك، فاوض في التكييف، واقبل ما يقدم لك، وراقب عاداتك وتذكر أن تجعلها في حدودٍ لا تضايق أحدًا منك أو من نفسه.

وكونك قد تنازلت لا يعني بالضرورة أن يشعرك ذلك بأنك أكثر من قدم التضحيات، فهذه هي علة العلاقات، أن جميع الأطراف تظن أنها قدمت ما لم يقدمه الآخر، أو قدمت أكبر التضحيات والتنازلات، وكأن الموضوع تحدٍ، وكأن القضية سباق، أنا فعلت وفعلت، نرددها وكأننا نتحسر على ما قدمناه، فنجعل الآخر يشعر بأن الأمر منّة وحتى نشعر أنفسنا بأن هذا هو أصل العلاقة، وأننا لم نقدم له من باب المودة أو الحب، إنما من باب التداين، قدم وسأرد لك، افعل وسأفعل لك، وهو ما اخرج العلاقات من سياق المودة إلى سياق أقرب ما يكون إلى المن منه إلى العتاب.

ولا نكف حتى نخوض غمار سباق آخر، فنحن وكأننا في مسابقة من سيخسر المليون، نستسهل التخلي عن علاقاتنا، لا نكلف أنفسنا إلا ما نظنه وسعها، فلو اجفل منا شخص أو غاب، فإننا نهمله ونتخلى عنه بسهولة. كنت أدردش مع أحد أقربائي قبل فترة طويلة عن الصداقات والعلاقات وكيف أنني استطعت الحفاظ على علاقاتي الأهم بكل السبل الممكنة، فحدثني عن صديق مقرب له، وكيف أنه وعده وبعد طول غياب بزيارته حين عاد من السفر، صديقه الذي بكى فراقه، لم يكن حاضرًا ابدًا في عدة زيارات خاطفة له. فقلت له: افعل ما ينبغي، اطمئن عليه، فلربما هنالك ما يضايقه في حياته الخاصة، وحين بادر قريبي بالتصرف، ما كان من صديقه إلا أن فتح قلبه وأخبره أنه يمر بظروف لا تطاق وأنه سيلتقيه ليفضفض له. نحن لا نعذر الناس، ولا نفترض حسن النوايا في الغياب، ونصغي دائمًا لأولئك الذين يرددون “ارحل عمن انشغل عنك” “لا تطارد من يتخلى عنك”، دون أن نضع كل شيء تحت المجهر، لنرى ما الذي يحدث، وكل ما نفعله أننا نبادر بالرحيل، فذلك يشعرنا بالرضى المؤقت والحسرة الطويلة، نرحل لأننا ببساطة نكتفي بسبب واحد للفراق، بينما لا يكفينا ألف سبب لنستعيد صديقا.

وآخر إشكالية وأهمها، أننا تحولنا لكائنات مادية، يهمها ما ستحصل عليه من الآخر أكثر مما عليها تقديمه، نهمل التفاصيل الصغيرة، كالاهتمام، والتقدير والحب والامتنان والشكر والمشاعر التي يكنها الآخرين، ننسى المساعدة و”الفزعة” حين يفشل الآخر في تلبية رغائبنا المادية، نتيه في دائرة “العشم” ورفع الآمال والتوقعات؛ فالأقرباء أو الآباء أو حتى الأصدقاء تجد بعضهم ينتظر من الآخر أن يقدم له شيئا ما مقابل صداقته، مقابل أبوته، مقابل قرابته، وكأن أساس العلاقات هو توزيع الماديات والأموال، ومن لا يقدم أو لايدفع مقابل العلاقة فهو غير مخلص لها. والمشكل يحصل لو كان لديهم قريب ثري، أو ربح اليانصيب، أو حظى على منصب رفيع، فالكل يأمل أن ينال حظا من ذلك الثراء أو تلك الجائزة أو هذا المنصب، كأن يهبهم سيارة، عقدا من الذهب، مبلغا مجزيا من المال، هم لا يطلبونه، هم يشعرون أن ع الآخر دائما المبادرة والنظر بعين العطاء تجاههم، الطرف الآخر لا ينظر للمعادلة دائما بنفس الشكل، لذلك يخسر الناس دون أن يدري ما المشكل، قد لا يراهم هو محتاجين له أو لثروته جائزته أو منصبه، فهذا ما يعكسونه في أحاديثهم، أما مكنوناتهم الشاعرة بالخذلان، فتحمل الكثير من الحزن والغضب والكراهية، التي تنخر جدار المودة حتى ينهار ويفصل بينهما. وأعتقد بأن من يربح اليانصيب سيخسر الجائزة وكذلك الناس.

هذه أهم الأسباب التي تفشل بسببها علاقاتنا وتفسد غالبا مودتنا، متى بدأنا في التخلص منها تباعا، عشنا مرتاحين مطمئنين متفائلين بعلاقات عظيمة نحكيها ونربيها في أبنائنا وأحفادنا. وتذكر أن العلاقات الاجتماعية تحتاج لصيانة مستمرة، وحسن ظن كبير، وتواصل ووضوح متصل.

انتهى المقال. بالأسفل قصة مرتبطة بالمقال لمن أراد أن يكمل المشوار.

 

 

حين كنت في الصف الخامس الابتدائي، اختصمت وصديق لي لا اذكر سبب الخلاف، امتنعت عن مرافقته للمدرسة، والجلوس معه في الفسحة ومشاغبته من خلال النافذة أثناء الحصة، وكل شيء تقريبا يصنعه الأصدقاء. بينما كان هو يلاحقني في الطريق، وينتظرني عند باب الفصل قبل الفسحة، وكل هذا وأنا متعصب للخصام متمسك به، وحين لم يجد مخرجًا، لم يرضى أن يعود بخفي حنين، بل عاد بأمه وطرق باب بيتنا، صدمت لرؤيته مع أمه، وهي تشكو خلافنا: يا أم طارق، لماذا يختصم أحمد وسلمان، سلمان يود الاعتذار ولكن أحمد لا يريد، أريدهما أصدقاء، ولا أريد لهما أن يختصما. كنت متجهما اطل من خلف أمي بغضب، حينها نادتني وقالت، هيا تصافحا وتصالحا أنتما صديقان جيدان. وحينها كما يقال “طاح الحطب” وعدنا صديقين حميمين جدا. هذه القصة لفتتني لأمر جعلني لا أنساها، وهو أن هذا الصديق فعل كل شيء، كل شيء للتمسك بالعلاقة وعدم خسارتها، رغم عنادي وتعصبي وحنقي، لم يستسلم، لم يستسهل خسارة صديق، لم يتردد في أن يحرج نفسه بجلب والدته للقيام بصلح الابتدائية. هكذا فقط يجب أن تحفظ العلاقات، بنفس البراءة، فالعلاقات أعظم قيمة من أن نبعثرها ونتهاون في افشالها.

 

إشكالية النوم !

20799080_10155428005025446_2437439476368240886_n

نذهب للنوم في المساء كجزء من قائمة مهامنا اليومية، أو كمهرب منها، وفي أسوأ حالاتنا هو مهمتنا الوحيدة التي تبدو ذات معنى. نلجأ للنوم أحيانا كوسيلة للهرب من أحلامنا التي لم تتحقق، من مصائبنا التي لا تنتهي، من مآسينا، من حالات جوعنا، أو وحدتنا المقيتة، ونلجأ إليه أحيانا كمخبأ من حزننا الذي لا يكف عن مطاردتنا حتى ونحن مختبئين تحت الغطاء، الحزن ليس كالأشباح، تختفي ما أن نلتحف أسرتنا أو نغمض أعيننا، الحزن يحتاج لحالة من الإغماء حتى يرحل بشكل مؤقت.

نستطيع أن نعتبر النوم زر إعادة التشغيل لأجسادنا، فهو يعيد لنا نشاطنا، يمحو ذاكرتنا المؤقتة، ويلوذ بنا من ألم الانتظار الطويل، ويسقط عن كاهلنا ذاكرة الحزن والفقد، ويبدد عنا الشعور بالوحدة لو كان استيقاظنا صباحا؛ فالوحدة تخشى النور، وتهاب الضجيج وأبواق السيارات وأصوات الجيران وأبواب العمارات. النوم يساعدنا في إيجاد حلول لمشاكلنا، وأفكار جيدة تصلح لمشاريع عملاقة، بل ويمكنه أن يدربنا على ردود أفعال قد تنقذ حياتنا، ويطور مهاراتنا. لذا ننام ونحن آملين بأن أحلامنا ستحمل لنا بشارات وأن شمس الغد تحمل أجمل مما حمل قمر المساء الحزين.

النوم لذيذ جدًا، طعمه ألذ من القهوة، ورائحته تفوح بالراحة والسكينة، وملمسه نختاره بأنفسنا بعناية فائقة، نلقي بكاهل اليوم على أطرافه الأربع، ونمدد جسدنا – إن لم يشاطرنا السرير أحد – بكل الاتجاهات التي نريد والتي لا نريد، نبحث بلهفة عن تلك البقعة الباردة منه قبل أن تبدد حرارة أجسادنا لذة الغرق في تلك البقع. نتقلب ونتموضع مرارا وتكرارا في بعض الليالي بحثا عن النوم في تفاصيل الوسادة، أو في بياض السقف.

نأخذ النوم على أنه جزء بيولوجي من حياتنا، ولا ندرك كم يقتحم تفاصيلنا وأمزجتنا وحياتنا الاجتماعية ويؤثر حتى على علاقاتنا، وربما لا ننتبه لكم الخلافات التي يتسبب بها النوم، وليس النوم تحديدًا، ولكن عدم اخذنا كفايتنا منه، ورضانا عنه، وراحتنا بعده. دعنا نغوص في تفاصيل يومٍ واحدٍ من قِلة النوم، لنرى كيف يفسد علينا نفسياتنا وتفاصيلنا.

تستيقظ في اليوم التالي بالكاد تود أن تفارق السرير، سواء قضيت الساعات المناسبة للنوم، أم انقصت منها أم زدت عليها ورتلت الأحلام ترتيلا. يوقظنا عمل، أم يوم دراسي أو حتى حاجة في نفس الإنسان يقضيها. تأخذ حماما، وتهم بالذهاب إلى العمل، منهك من قلة النوم، تسير في الطريق تلعن من أعطى رخصة القيادة لسائق يختال في الشارع، ويشتمك أحدهم لأنك لم تنتبه له أثناء محاولته العبور، تصل إلى العمل، بالكاد تقوى على العمل، يصفعك المدير باجتماع مفاجئ، تبدو فيه كالسكارى، تنظر للساعة كل دقيقة؛ علّها استعجلت نفسها أو انسلت من بين عقاربها عشر دقائق دون أن تدري، ثم تفرك عينيك بحثا عن ملامح يقظة أمام الحاضرين، وكلما اقترب انتهاء الاجتماع، قفز زميل لك بسؤال أقعدك عشر دقائق أخرى، وأنت تتلوى من سكرات الاجهاد، تشتم السهر والحاضرين والسائق المختال، وتقسم بألا تكررها.

تعود إلى البيت مستاءً جدًا، وقبل أن تخلع ثيابك “حبيبي، احضر لنا بعض الخضروات، البارحة وعدتني بأنك ستحضرها في طريق عودتك” فتنهرها، أمك، أختك أو زوجتك، يوووه أنا متعب وأريد أن أنام. تدلف إلى الغرفة وتلقي بثيابك، فتدخل خلفك وتدخل في عراك طويل معك، تلعن فيه اليوم الذي تزوجتها فيه. تنهض أنت لتحضر حاجيات البيت لأنها لن تدعك تنام بسلام، قد تغلق التكييف، تفتح المصابيح بدعوى أنها تبحث عن شيء ما، فالأفضل أن ترفع الراية البيضاء مبكرًا.

ترجع فيتصل بك صديق نسيت موعدك معه، تحاول التهرب، ولكنه يضغط عليك، تعد لك هي الطعام، ثم تخرج، ولسوء حظك تضطر لأن تعود متأخرًا. تنظر إلى الساعة، آه يمكنني أن أنام مبكرًا، تضع رأسك، فتدخل عليك، وتحاول أن تقضي وقتًا معك، ولكنك ما تلبث أن تنظر للساعة متحججا بالذهاب إلى النوم، فأنت حقا متعب، تلقي عليك جملة تصفعك بها “لو كان صديقك، لنهضت وخرجت معه، أما أنا فهذا ما تصنعه بي” وتعجز أن تشرح كيف أنك لم تستطع التهرب. وتدخل في خصام لست بحاجته، تحاول النوم ولكنك لا زلت تفكر بأنك لا زلت مضطرا للاعتذار وأن ترضيها، تنظر إلى الساعة، إنها الواحدة، إنك على وشك تكرار مأساتك مرة أخرى.

هنا فقط نسرد مأزقا واحدا قد يصنعه النوم معك، إننا حقا نهمل ما يصنعه النوم بتفاصيلنا، قلته أو زيادته، لا أود الدخول في المشاكل الصحية التي يخلفها من سمنة وأمراض السكري، وتلف خلايا الدماغ، الإرهاق وكذلك الاضطراب. فبغيتي شرح أن قلة النوم تجعلنا ذوي مزاج سيء جدًا، تجعلنا أقل احتمالا للضغوطات، أقل رغبة في العمل، وأقل تركيزًا، تجعلنا عصبيين جدًا، لا نحتمل أي نقاش أو جدال أو حتى مجرد طلب أو سؤال، فكم من شجار احتدم بسبب أن أحدهم لم ينم جيدًا، وكم خلاف دب لأن أخا لم يستيقظ ليوصل أخته أو ليجلبها من المدرسة، أو زوجة لم تستيقظ لتجهز إفطار الأبناء فاضطر الزوج أن يعده متأخرًا بذلك عن عمله، مما تسبب له بمشكلة مع مسؤوله، فعاد على اثرها ليتشاجر مع السائقين والمارة وبواب العمارة وختمها بشجاره معها.

إن قلة النوم تفسد علاقاتنا بشكل كبير وواضح، وقد تجعلنا نشعر بالكآبة دون أن ندرك ذلك، نلجأ للقهوة والشاي والمنبهات لخداع أنفسنا بأن القضية لا تستحق، وأن قلة النوم ليس أمرا ذو أهمية، وبأن التفاصيل الكبرى هي التي جعلتنا نرتدي هذا الشعور البائس، كغلاء الأسعار، الأوضاع السياسية، والمشاريع المتعطلة، وليس حاجتنا الحقيقية للراحة. من يعتني بطفل جديد يدرك ذلك الشعور الذي يقتحمه ويقلب حياته رأسا على عقب، لذا ومهما بدى السهر فاتنا وساحرا، وأن النوم المبكر ليس سوى مضيعة للوقت، وأن العمل ليلا يحقق لنا الكثير، تذكر أن تجاهل ساعتك الداخلية اشبه بإقحام نفسك في زجاجة، وستصل لعنقها قريبًا حيث لن يحتمل جسدك ما تصنعه به، وسيتحتم عليك أن تحاول التعويض عما فاتك من نوم دون جدوى، لذا حاول أن تذهب للنوم باكرا وتأخذ  من النوم حاجتك وكفايتك، وإلا أنقلب النوم من ملجأ لك، إلى عدو يهوي بكل شيء فوق رأسك.

بدأ النعاس يتسلل من تحت السرير متشبثا بجفني، اجر الستار فيصدر صوت أشبه بتمزيق ورقة طويلة، اسحب غطائي، أضع اليوم تحت الوسادة والغد فوق المنبه، حان وقت النوم. تصبحون على خير.

ليتني لست مكانه

20232900_10155359582130446_269131498027709967_o

أول ما يسبق الإنسان هو الفرضيات. تسبق قراراته وآرائه فرضيات لا يمكنه التخلي عنها حتى يحل محلها الواقع، أو قد تبقى على ما هي عليه، قد يفترض من يقرأ نصوصي أنني خريج كلية آداب، ولن يأتي في باله لوهلة أنني قد أكون خريج هندسة حاسوب وهو ما أنا عليه. وهذه الخصلة هي التي تجعل الإنسان كيان صانع ومطلق للأحكام، هذا ذكي، هذا مغفل، هذا فقير وهذا غني، وهذا “مبهدل”. ولهذا أحكامنا دائما سطحية وساذجة وقشرية جدًا، لا تملك من المقومات ما يعتمد عليها كرأي، ولا تفتقر لما يبقيها مجرد انطباع، هي نتاج اجهاض مفاجئ لعقلانيتنا.

يحدث أن ترى مشهدًا رجل يشد طفلة بعنف وهي تصرخ، تراودك فكرة أنه رجل يحاول اختطافها، ثم ومن خلف المشهد تبدأ في قراءة تقاسيم وجهه ووجهها، وتبدأ في ملاحظة الفروقات السبعة، وبعد أن تثبت لنفسك ألا شبه بينهما وأنه من الممكن ألا يكون والدها، تكتشف أنك ورغما عنك قد أطلقت حكمك. تمر بعدها مباشرة بفتاة وقد تكشف جزء من صدرها، تنظر باهتمام كبير، ثم تدير وجهك وتترك عينيك عند عتبتيها، وتقول في نفسك هذه منحطة وتريد أن تغري الناس، وفجأة تتعثر أمام مشهد احمرار وجهها وقد امسكت بفستانها الذي فكت ازراره. تنظر لأحدهم يتناول طعامه بشماله، تستغفر الله وتشتمه مع اصدقاءك، ثم يغيب عن المشهد أن يده الأخرى مبتورة. تهمس لصديقك “صديقك هذا مدلل، انه لا يشرب سوى المياه المعلبة، كيف سيعيش لو سافر لأفريقيا!” ولا تريد أنت أن تتقبل فكرة أنه لم يعتد سوى أن يشرب هذه المياه، وبينما أنت عائد لا تنفك تواصل رمي أحكامك يمنة ويسرة حتى تصل إلى منزلك معتدًا بنفسك وقد مارست دور الرقيب على العالمين.

في خضم نقاشنا سألني صديقي: هل تستطيع ألا تحكم على الآخرين، قلت بثقة مهزوزة: أحاول ذلك، فأنا اترك الخلق للخالق قدر ما جاهدت نفسي. لكنني لا أستطيع ألا أكون مطلقا للأحكام على أقل تقدير داخل زنزانة افكاري المتهمة. فتلك الأحكام نتيجة ما تشربناه وتربينا عليه وتوارثناه في أزقتنا الثقافية. لكن ما أحاول صنعه ألا أؤثر على من هو أمامي بأحكامي، وألا تخرج من سجنها، وإن حاولت الخروج، وضعتها في سجن انفرادي، معلقٌ في جدرانها كل عيوبي. فمتى يذكر الفرد عيوبه، يقل انتقاده وحكمه على الآخرين. قال لي: إذا نحن كما أردت أن اخبرك لا نستطيع إلا أن نكون قضاة لمتهمينا الذي لا يدركون أنهم في قاعة محاكمنا. ابتسمت وقلت نعم، ولكن يجب علينا ألا نحاكم الآخرين، ننظر لهم شزرًا، نتمتم بلعناتنا وشتائمنا، نردد هذا خطأ وهذي غير أخلاقي ولو كنت مكانه.

كثيرًا ما رددنا جملتي ليتني كنت مكانه، أو لو كنت مكانه. الأولى تمني ما في يد الأول، وهي فخ الأنانية الذي نهوي فيه دائمًا، فأنت لا تعلم بماذا ضحى حتى يصل، وكم يقاسي حتى يستمر في هذا المكان. والثانية محاولة تقييم الآخرين تبعًا لأخلاقياتنا وقدرتنا على أن نكون أفضل منه، أكثر احسانا، أفضل هندامًا، أو حتى أكثر ثباتا أمام الصعاب.

دائما ما يظن الفرد أنه القاعدة الذهبية، أو المعادلة الكونية التي إينما وضعتها ستخرج لك أفضل النتائج وأجمل اللوحات الأخلاقية، لو رأى رجلًا يضرب ويهان ذليل لا يملك حيلة سيهم بقول “لو كنت مكانه لطمست أنوفهم”، وهو من حيث لا يدري يغلف نفسه بحالة من المثالية الكاذبة، هو يزعم أنه أكثر شجاعا من الرجل الماثل أمامه، ولو كان حقًا مكانه لكان أول من يخنع. ولو فرضًا افتراضًا أنه شجاع حقًا وسيقف في وجه هؤلاء جميعهم، فإنه غفل عما يغفل عنه الناس حال اطلاق احكامهم، وهو “ما الذي يدريك ما الذي مر به هذا الرجل في حياته ليقبل كل هذا الذل والضرب، كم ابنًا يعوله، بماذا تم تهديده، هل يملك بنية قوية أم أنه مريض يعاني، كم مرة وعد زوجته بأنه لن يقحم نفسه في مشاكل وهو ما حذى به للاستسلام، أفكار كثيرة قد نجهلها ونركلها في لحظة واحدة، لحظة مطلقة الظلم.

لو كنت مكانه هي أكثر الجمل ديكتاتورية، فنحن نفترض أننا وما بداخل رؤوسنا هو الصواب، وأن كل ما لا يعجبنا أو لا نستطيع فهمه أو تقبله أو حتى تفهمه لا يعدو كونه قلة أدب وسفالة وجبن وحماقة وغباء. لو انتحر أحدهم سيقفز البعض ويقول: “هذا غباء كيف ينتحر، حتى لو كانت حياته سيئة يجب أن يصبر، لو كان صالح ما انتحر، لو كان عاقل ما انتحر” وقائمة التهم تنهمر كالمطر أمام جثة هامدة تركها صاحبها، يتنازعون أمرها.

الانتحار ليس شيئًا سهلًا ولا حتى مستساغا لمن يفكر في الانتحار، ولا ينتحر الشخص من حيث يريد، ولكنه وصل مرحلة من البؤس والقنوط واليأس والكآبة تبعًا لظروفه ما لم تحتمله نفسه ولم يقوى على التغلب عليه عقله. الشخص الذي يمر بحالة الكآبة قد يظن نفسه عالة على أهله، ويظن أن أفضل ما يقدمه لهم هو أن يخلصهم منه ومن تقلباته النفسية، قد يكون وصل إليها بسبب تحرش أو حالة اغتصاب في الصغر، قد يكون بسبب معاملة قاسية من أهله، أو حتى من التنمر المستمر من زملاءه، أو سخرية الناس من شكله، أو حتى ملاحقة العالم لفضيحة ألمت به لم يجد لها من مفر سوى التخلص من حياته. لهذا اتعاطف كثيرا مع من تخلصوا من حياتهم بسبب ما كابدوه من مشاعر لا يعلمها سواهم.

مشكلة بعض العامة وربما أغلبهم أحيانا، أنهم يظنون أن خبايا الناس كلها متشابهة ومتساوية، ليس البشر جميعا متشابهون من الداخل، وإن تشابهوا في القشور، فالشخصيات تحدد تعاطي الفرد مع المواقف، فمثلًا، لو أنك احضرت زجاجتين فارغتين وألقيت بهما من ذات الارتفاع وعلى نفس السطح وبنفس الزاوية، هل من الضروري أن تنكسر الزجاجتان؟ بالطبع لا، فقد تنجو إحداهما، وحتى لو انكسرتا، فإحدى الزجاجات ستتحول لشظايا صغيرة مبعثرة، بينما الأخرى قد تتحول لسلاح قاتل، رغم أن الزجاجتين مهشمتين عمومًا لكن النتيجة النهائية مختلفة جدًا.

لذا لا تنتظر أن يتحول كل ضحية إلى سلاح، ولا تغضب إن تحول إلى حطام، ففي الختام، دواخلهما مهشمة مهما بدت صلابتهما من الخارج، حتى معادلة “حط نفسك مكانه” أي أن تطلب من أحدهم أن يحس بالآخر غير منصفة هي الأخرى، فكل شخص له كيانه وطريقة تفكيره، حالته الذهنية في تلك اللحظة، وظروفه التي لن تتشابه معك وإن جمعتهما في غرفة واحدة.

يجب أن نغير نظرتنا للآخرين ونتوقف عن إطلاق الاحكام على تصرفات الآخرين؛ فنحن لم نذق الآمهم، لم نجرب جروحهم، لم نعبر من خلال همومهم، لم نتخيل حتى الظروف التي مروا بها لتصنع بهم ما صنعت، كونك نجوت بأعجوبة من الهموم والمشاكل والاضطهاد والاستغلال والتحرش، لا يعني أن الكون كله محظوظ مثلك.

مدرسة العنف

19488637_10155275842560446_6735619444141619617_o

“خذوا اللحم ورجعولنا العظم” جملة لازلت أحفظها عن ظهر قلب، فبسببها رأينا أساليب التعذيب في المدرسة، كان حقا ما يبقى سليما منا هو العظم، وغالبا ليس بسبب سلوك سيء قام به الطالب، بل بسبب مدرس سيء.

التربية تسبق التعليم، والتربية صناعة مشتركة بين البيت والمدرسة، وللأسف كل طرف يلقي بالمسؤولية على الآخر، فالأب يعول على المدرسة، والمدرس يعول على البيت؛ فلا يتابع حالات الطلبة ويتعاطى مع كل طالب على حِدة بالأخص أولئك الذين يواجهون صعوبة في مواكبة زملائهم، فيبدأ الطالب في التأخر عن تحصيل التعليم مع زملائه لأنه يقع بين مطرقة وسندان، ويبدأ مستواه في التدهور ورغبته في الذهاب إلى المدرسة تخبو، هذا في أفضل الحالات، وفي أسوأ الحالات يعاني من الضرب والعنف من المدرسين. نعم منع الضرب في دول عديدة، ولكن العنف لا زال موجودًا، فنحن للأسف نصنف العنف على أنه شيء جسدي، ولكن عالميا يصنف العنف اللفظي كذلك كنوع من أنواع العنف والإساءة للأطفال.

في عدة مواقف في المجمعات، كانت تتضح قسوة بعض الآباء والأمهات في التعامل مع الأبناء، وفي آخر مشهد رأته زوجتي سألتني بتعجب: لماذا يعاملون أبنائهم بهذا الشكل، ضحكت وقلت: ومن أين بظنك يخرج مدمني المخدرات وأصحاب الأمراض النفسية، والقساة والمجرمين والعصبيين وبائعات الهوى وهؤلاء أنفسهم من أين جاءوا. دونت هذه الخاطرة في انستقرام فجاءني أحد المتابعين وقال: “من كف واحد ينقلب شاذ!” كنت أود أن ألومه لجهله، ولكن تذكرت أن جهله يعود إلى أنه الآخر اعتاد على رؤيته حوله.

يظن الآباء والمدرسين أن العنف والضرب وسيلة للتوجيه، وهذا الظن لم يخرج من فراغ، فهم أنفسهم تعرضوا له في طفولته ويظنون أنه نجح معهم وصنع منهم قادة وعلماء ورواد فضاء. ولكن الواقع عكس هذا فالساقطات يملأن الطرقات، والمجرمين يملئون السجون، والقتلة معلقين بحبل مشنقة مؤجل، وعلى مقربة منهم إبرة مخدرة في يد جرعة زائدة ممدٌ جسدها على قارعة الطريق.

سلسلة العنف والإساءة تستمر ويحملها جيل خلف جيل، سلسلة لا يمكن أن تكسر بسهولة، فمن اعتاد الشيء لا يمكنه التخلص منه بسهولة، فالأجيال الماضية من خريجي ما أسمه بمدرسة العنف، البعض لا يظن بل يؤمن أن علاج كل عناد وكل سلوك خاطئ هو العنف. وكل ما يصنعه المعنف أنه يؤجل سلوكيات الطفل إلى حين تقوى بنيته، حينها سيصبح الضحية جانٍ على من عنفه أو على ذريته، سيهمل والديه، وسيقطع علاقاته مع أهله ويكره أخوته، سيكبر وسيزيد الشرخ في العلاقات وتنبت بذرة النفاق في أفضل الإحتمالات.

إهانة الطفل تضعف شخصيته، وليتمكن فيما بعد من فرض شخصيته يتحول لشخص متنمر، التحقيق الطويل مع الطفل يدفعه للكذب واختلاق القصص الوهمية، العنف والضرب يجعل الطفل عنيدًا وانطوائيا ويجعله يختلق شخصيات خيالية يعيش معها بالشكل الذي يتمنى، السب والشتائم يحول الطفل لصراف آلي عملته الشتائم. العنف اللفظي أحيانا أسوأ من الجسدي، فالطفل الذي يكبر بكلمات تحبطه وتهينه وتقلل من شأنه تتحول لنمط حياة في المستقبل، فمن يردد لأبنه أنه فاشل لن يصنع منه رجل أعمال، ومن تردد لأبنتها أنها عاهرة لن يصنع منها فتاة مستقيمة.

العنف ليس وسيلة تربية، والتربية ليست صناعة سهلة؛ فهي تحتاج للكثير من الصبر، الكثير من التفكير والكثير الكثير من الاهتمام والمتابعة. الطفل يبدأ في رسم كيانه وشخصيته المستقلة مع تقدمه في العمر، لذا لا ترفض لأبنك شيئًا دون مبرر، علمه دائما أن هنالك سببًا لرفضك، ولا تعتقد دائمًا أنك ستهديه صراطك المستقيم دون اجتهاد وتعب ومتابعة، وتذكر أن الطفل المطيع بالضرب مشروع إنسان فاشل اجتماعيا، مشروع إنسان مؤهل بدرجة كبيرة لفعل كل ما مُنع منه بالضرب في المستقبل، بل وسيخلق عالمًا خاصًا لا علم لأحد به، يمارس فيه أسوأ الأفكار التي تراوده، وفي أسوأ الحالات يميل كثيرًا لارتكاب الجرائم.

الرجل الشرقي يعتقد أن العنف طريقة لكبح انحراف سلوكيات الفتيات، فيرغمهن على كل شيء بالقسوة والعنف، يتحكم بكل شيء يخصهن، كيف يلبسن، ماذا يفعلن، أين يخرجن، يتجسس عليهن حتى داخل الحمام، وذلك لعدم ثقته التامة بمخرجات تربيته لهذا يحاول إبقائها في سجنه أطول فترة ممكنة قبل أن تخرج من جلبابه، ليس خشية عليها، بل خشية مما قد يقوله الآخرين. وإن حصل وانحرف سلوك فتاة، فإن جرائم الشرف هي النهاية الحتمية لكل فتاة، فرجولة الذكر الشرقي مهزوزة جدًا لدرجة تجعله يفعل ما يمتنع عنه كفار قريس ظنا منه أنها وسيلة استقامة، وكل ما في الأمر أنه يؤجل مصير الانحراف حتى تكبر ولن يكون هنالك طريق عودة، والمصيبة أنه يظن أن رجولته مرهونة بكيان آخر مضطهد يسمى أنثى، مرهون بلبسها، بشكلها، بحجابها، بنقابها، وحتى برائحتها، هذا في أفضل الحالات، أما في أسوأها فيظن أن رجولته مرهونة بكل شيء في الكون، عقد النقص تلك التي يبدوا أننا سنعيش معها قرونا كثيرة، حتى تحظى المرأة على أبسط حقوقها، أن تحيا كإنسان.

في مقابلة لنجمة أفلام إباحية معتزلة على اليوتيوب عندما سُئلت عن سبب اختيارها لهذا الطريق قالت: خرجت من بيئة أسرية سيئة، وكنت أريد الشعور بأنني أملك قرار نفسي ولا لأحد آخر سلطة علي، وبدأت هذا المشوار عند بلوغي الثامنة عشر، وقالت أن أغلب المحيطين بها في المجال من مخرجات العنف المنزلي واستغلال الأطفال، وقليلين هم من تقودهم الحاجة المادية لهذا المجال، وأهم المشاعر التي يبحث عنها هؤلاء، امتلاكهم لقراراتهم، وسلطتهم على أجسادهم.

يعتقد الآباء أن تدليلهم المفرط لأبنائهم وإغداقهم بالألعاب والهدايا والحلويات يصنع هو الآخر أبناء طيبي الأخلاق، أو حتى يحل محل اهتمامهم ومتابعتهم لهم. الإهمال نوع من أنواع العنف، وهو النوع الخفي منه، فمن يظن أن التربية توفير كل احتياجات الطفل المادية قد خاب، فالإنسان مجموعة من المشاعر والأحاسيس التي تمتلك جسدًا تديره، لذا وجب الاهتمام بتلك المشاعر واحتوائها، فمن لا يجد الاحتواء الداخلي، سيبحث عن الخارجي وإن كان مجرد وهم يطارده. ومن يرمي أطفاله سنوات في ركن الإهمال لا يتوقع أن يستعيد ثقة ابناءه به بسهولة، أو حتى بصعوبة، فليست كل جرة تقبل الإغراء بالغراء، وهنالك من لا يوفر احتياجات الأبناء المادية والمعنوية، وهو أشد أنواع العنف الخفي، فالبعض يظن أن من فضله على أبنه أنه أخرجه للدنيا، وينسى أن فضل ابنه عليه أنه لم يكن ليصبح أبًا لولاه!

نختم بهذه الأرقام التي قد لا تعنيك أو قد تكون جزءً منها:

في عام 2015 أشارت الدراسات إلى أنه توفي ما عدده 1067 طفل بسبب العنف الأسري

24 طفل من بين كل 1000 حول العالم يتعرض لإساءة المعاملة.

تأثير العنف لدى الأطفال الذين تعرضوا له:

38% ارتفاع في نسبة ارتكاب جرائم عنف.

84% من المساجين تعرضوا لسوء المعاملة والاستغلال في سنوات الطفولة

59% قابلية الأطفال عند بلوغ سن الحداثة أن يتم اعتقالهم.

28% قابلية تعرض الأطفال للاعتقال كشخص بالغ.

60% وأكثر من الأشخاص الذين يتم علاجهم من المخدرات تم إساءة معاملتهم كأطفال.

80% من الأطفال الذين تعرضوا للعنف أو الاستغلال يعاني من حالة اضطراب نفسي واحدة على الأقل كشخص بالغ.

هذا عدى الأذى الجسدي والتشوهات والإعاقات والجروح الغير قابلة للعلاج والتي تعيش معه طوال العمر، وأمور أخرى لا يكفي المقال لسردها.

همسة أخيرة: التربية ليست مهمة يوم واحد، التربية ليست زكاما أخلاقيا يحتاج لمجموعة أدوية ليزول. التربية رحلة طويلة، زادها الصبر والحكمة والكلمة الطيبة ووقودها الحب، البيت غير الصحي مخرجاته لن تكون صحية أبدًا، وتذكر أن العنف والضرب لن ينجب ملائكة، والإرغام لن يولد سوى النفور والعناد والنفاق، وما تظن أنك ملكته بالعنف، ستخسره بعنف، وتذكر ألا يقودك حرصك على أبنائك إلى تشويه أشكالهم أو اجسادهم أو حتى شخصياتهم، ويجب أن تكون أول من يرفض أن يدخل أبنائه نفس المدرسة التي تخرج منها، تلك المدرسة التي أسميها مدرسة العنف.

لماذا لن نتفق

يثبب

برنامج تم، برنامج تليفزيوني عرض طوال شهر رمضان على مدى 29 حلقة، أبطال البرنامج هم من عامة الشعب، ليسوا مشاهيرًا، ليسوا شخصيات عامة، ليسوا عارضي أزياء أو ممثلات فاتنات، هم أفراد مروا بظروف قد لا يتصورها أحد، وإن كانت حالات قد تخطر على بالنا، إلا أن رؤية الشمس والوقوف تحتها ليس كمعرفتها. وهذان هما مفتاحا نجاح البرنامج، أن الناس تحب من يلمس مشاعرهم، الشخص البسيط الغير متكلف، العفوي الذي لا يمثل ولا يتصنع، والمفتاح الثاني أنهم اظهروا الشمس.

مجموعة من الشباب، استلهموا أفكارهم وخرجوا عن المألوف وخاطبوا الجهات وبحثوا الحالات واختاروا منها ما نعرف وما لا نعرف، وكانوا هم حلقة الوصل بين ابطال الحلقات والمتبرعين. كل طرف من الأطراف الثلاثة مستفيد، الأول ستفك أزمته، والثاني خرج بفكرة واوصل رسالة، والثالث معلن صف أسمه في قائمة المساهمين أو الداعمين للبرنامج من باب دور المؤسسات في الأعمال الخيرية والمساهمات الاجتماعية.

تبدوا الفكرة جيدة ومثرية حتى يخرج الناس برأيين مختلفين ومتضاربين ولا حياد بينهما، فإما مؤيد وإما معارض، وقبل الإدلاء برأيي الشخصي دعونا نغوص قليلا في الحد الفاصل بين الرأيين لنرى إن كان بالإمكان إيجاد أرضية مشتركة.

تكمن وجهة نظر المؤيد أن البرنامج لقننا درسًا أن نحمد الله على نعمه وفضله علينا، وزرع فينا ثقافة العطاء بعد أن لمسنا هموم الناس واقتربنا من البسطاء والناس التي تمر بظروف لا علم لأحد بها. أن لدينا برنامجًا هادفًا محلي الصنع جديد ومبتكر حملت همه وسعت لنجاحه أيدي شابة يافعة ارتأت ألا تكون لهم هوية ولا تواجد حقيقيًا في المشهد الكلي.

والطرف الآخر ينتقد الأسلوب والفكرة كونها تسكب ماء وجه الناس، وما الإنسان دون كرامة، وتنشر غسيل حالات الناس على الملأ.

يجيب الطرف المؤيد أن الفرد وافق على الظهور في البرنامج كما ذُكر في مقدمته.

فيعترض الآخر ويقول “ماذا لو رفض هل ستسحب منه الأموال والتبرعات، هل سيخشى هؤلاء من المجازفة بهذه الفرصة للخروج من المأزق الذي أوقعتهم فيه فخوخ الدنيا ومكائدها.

ويستمر الجدل رغم أن البرنامج لم يختم بعد. اليوم قبل تدوين هذه الخاطرة بساعات قليلة شاهدت الحلقة الأخيرة. والتي أجابت عن السؤال الرئيس الذي يقول “ماذا لو لم يقبل” وفعلًا اتضح أن هنالك من لم يقبل ولم يعرض ولم تسحب منه أي من هذه التبرعات التي خصصت لحالته، وتبقى هنالك المشكلة والمعضلة الوحيدة واقفة كطائر لقلق يترصد كل من يؤيد البرنامج “الكرامة المهدرة”

في أحد تعليقاتي على أحد المقالات التي تنتقد برنامج تم قلت التالي ” بين انسكاب ماء الوجه وحفظه، خط يفصل نوعين من البشر. لا يمكننا أن نتفق جميعا طالما المسألة مرتبطة بالشعور” فما يشعرك بالتقزز ليس شرطا بأن يشعرني بذلك، ونفس درجة البرودة قد تجعل أطرافي ترتعش، بينما يتعرق الرجل الذي يجلس بقربي، ولكيلا نجدف بعيدًا دعنا ندون بشكل أدق بغيتي، نيكولو مكيافيلي يقول في كتابه الأمير: الشعور بالظلم هو المحرك وليس الظلم نفسه” أي أن الأمم لا تتحرك بسبب الظلم، بل عند شعورها بالظلم، فإن ظلمت ولم تشعر بهذا الظلم لن يحركها شيء.

لنعود لقضيتنا من هذا المحور، دعنا نأخذ الكرامة مثلًا قبل الثرثرة عنها بشكل اعتباطي، تعريف الكرامة “هي قيمة الإنسان وهذا تعريف ثابت. أما ماهية القيمة فهي متحولة تتماشى مع الزمن وتطور العقل البشري”، ولأنها متغيرة ومتطورة إذا هي ليست ولن تكون ثابتة، هي تقديرية، لذا فيمكننا القول بأن من قبل الظهور في برنامج تم هو شخص قبل بالوضع ولم يشعر أو لم يرى أن فيها أي إهانة أو تقليل من كرامته، بينما رأى بعض المشاهدين ذلك، وهو السبب الرئيس في هذا الاختلاف الكبير بين قبول الفرد أو رفضه.

حملات التبرع، برنامج خواطر، الجمعيات الخيرية، كلها تمارس سياسة التسويق لأعمالها، فإن انتقاد برنامج مثل تم يستدعي هو الآخر أن يتم انتقاد كل البرامج التي بالأعلى، لأنها وبحسب شعورهم كلها تُعرض كرامة الإنسان للإهانة، لكن صوت الانتقادات لم يكن عالٍ بشكل كافٍ ليتوقف هؤلاء، بل وإن شعورنا ومعارضتنا من وجهة نظري التي قد تبدو قاسية قليلًا فيه لمسة عنصرية، تأمل الشاشة والصور المعلقة التي تستخدم صور الفقراء للترويج لحملة تبرعات، فإن كان استخدام الجائع كدعاية لحملة أمر مقبول لماذا لا يقبل برنامج كتم!

ونأتي لختام المسك، ونذكر بقصة الأعراب الذين جاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم الصوف فرأى سوء حالهم قد أصابتهم حاجة فحث الناس على الصدقة فأبطئوا عنه حتى رئي ذلك في وجهه قال ثم إن رجلا من الأنصار جاء بصرة من ورق ثم جاء آخر ثم تتابعوا حتى عرف السرور في وجهه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من سن في الإسلام سنة حسنة فعمل بها بعده كتب له مثل أجر من عمل بها. فكان حثا من الرسول للصدقة علنًا كما سنها وفضلها سرًا بغية المصلحة الأساسية وهي أن يشجع الناس بعضهم بعضا على التصدق، وهذا هو هدف البرنامج، أن نكمل المشوار ونكون نحن جهاز تم، لأننا وفي خضم همومنا الشخصية ومشاغلنا الخاصة، ننسى حق الآخرين علينا، ونعم الله علينا بأن جعل حاجة الناس لدينا.

أشكر كل القائمين على برنامج تم وعلى مجهودهم الكبير وتميزهم، واشكرك أيها القارئ على وقتك الثمين، واعتبر هذا مجرد رأي شخصي، والرأي الأخير في النهاية لك.

 

ليتني لم أتزوج

.

DSC_4287

مقدمة: علماء النفس يؤمنون أن البشر يجتمعون في صفات، ويختلفون في صفات أخرى، تلك الصفات التي تحددها ظروفهم، ولأن ظروف الجميع ليست ولن تكون متشابهة؛ قد لا تجد أن هذا المقال يتحدث عنك، أو حتى يتحدث حتى عني. إن كنت هنا أو لم تكن، لا بأس بأن تؤمن بأن هذا النص قد يعود عليك بالفائدة.

الزواج بداية مشوار جديد، وشراكة بين طرفين جمعتهما الصدفة والقدر، وقواسم مشتركة وعادات وتقاليد، وحالات قسرية وعرفية وطرق أخرى غير شرعية. يتعارف الطرفان ويتفقان. بين فترة وجيزة، وسنوات عديدة. نظن أن طول المدة سيبني معرفة كافية وكفيلة بأن تقرر وتؤكد مستقبل السعادة الزوجية كثيرًا، ولكن احتمال قابلية حدوث ذلك صعبة وقد تضمنها في حالة واحدة فقط “في حال ضمنت أن طرفي القضية غير قابلين للتغير” وهذا مستحيلٌ استحالة الحلم العربي.

العقل يعمل بشكل يضمن استقرار هذا الكائن، لذلك دائما ما يحاول استعادة اللحظات السعيدة والجميلة، بينما يسعى جاهدا لدفن التجارب والمواقف السيئة التي مر بها الشخص، ليحافظ على تدفق الهرمونات التي تبعث على راحة الجسد وتقلل من الدخول في حالات حزن أو أسي أو حتى حسرة، وذلك لضمان قدرتنا على تجاوز الأزمات والمصائب التي تحل بنا. ومن لا يملك هذه القدرة الرائعة، غالبا ما يكون أسير الاكتئاب وهو ما يقود بعض هؤلاء البؤساء للانتحار.

بعد الرؤية الشرعية أو النظرة الجامعية – يمكنك الرجوع لهذا المقال في المدونة – نبدأ في التعارف ومحاولة إيجاد الحلقات المتشابهة التي تجعل من الممكن لمن اعجبنا به وارتحنا لملامحه أن نرتبط معه بذلك العَقد الأبدي بظننا. في الفترة الأولى نرى تلك التي لمحناها أجمل فتاة، وذلك الذي زارنا أوسم رجل. نبدأ في جلسة واحدة نتخيل أن سنواتنا ستكون زاخرة بالفرح مفتقرة للحزن والكآبة، لا يأتي على خاطرنا أي فكرة سوداء، ولا يزورنا هم ولا تراودنا الخلافات عن نفسها البتة، كل شيء يبدو كمشهد في قصة سندريلا.

نُظهر في شهورنا الأولى كل الخير الذي بداخلنا. لا تكاد تفارقنا ثياب الملائكة، وشياطيننا لا تعرف مكانا في تصرفاتنا. نرسم الأحلام والأوهام وقصص الأطفال والعائلة المثالية. نظن بأننا ما أن نلج إلى قلعتنا فإننا سنولد من جديد بلا خطيئة. المدمن سيستقيم، والعاهرة ستمسي مخلصة، والمجنون سيصبح عاقلا؛ وكأن الزواج بعث جديد.

وقبل أن ننصدم بواقع كوننا مجرد بشر تطاردنا خطايانا التي نحاربها حتى ننتصر أو تنتصر هي؛ نقع في فخ آخر ما أن تدق نواقيس الزواج. فخ المقارنة؛ وكأن ميلاد العيون كان في تلك الليلة. يرى الشاب أن خياراته المحدودة قبل الزواج باتت أكبر من أن يحتمل بصره أو تتسع له خاناته الأربع. يرى صديقات عروسه، وبنات عماته، يتذكر حبيباته السابقات وبنات جيرانه، وكل الفتيات الذين في العالم يمرون على بصره كشريط الموت. المشهد أوسع من أن يحصره، يمسح من وجهه الذي تصبب عرقا كل تلك الفرص التي لم تطرح على طاولته قبلا، ثم يزيد الطين بلة أن يسمع همس بعض النسوة “هو أحلى منها” يعود محاولا التبسم في وجه عروسه التي بات يراها أبشع مما هي عليه.

بينما تأتي هذه الحالة متأخرة عندها هي، فهي ستراه أجمل البشر، لكن حين تبدأ لحظات الخلاف المتكرر ومحاولات التأقلم في المرحلة الأولى، تبدأ في البحث بين الأسماء والأشكال التي تعرفها عن ألطفها، وإن لم تجد فستبحث عن وجه أبيها وما يشبهه، وتبدأ في طلبات الطلاق المتكررة، فهي ترى في الطلاق حل لكل مشاكلها ووسيلة ضغط مستمرة وورقتها الرابحة الوحيدة، وحين تفشل تتمنى أنها لم تتزوج.

يعود كل طرف إلى صومعته، يتذكر كيف كان سعيدا قبل الزواج، وكيف كانت حياته أسهل وأقل مشاكلا من اليوم. يبدأ في تذكر أسماء زميلاته فاطمة، نورة وياسمين. يثرثر مع نفسه “لو أمكنني فقط أن ارجع بالزمن لأتزوج بخولة” هذا في أفضل الاحتمالات وفي أسوأها يتمنى لو ماتت وعاش حياته أرملا. حياة بسيطة بلا تعقيدات الزواج، يتأخر مع أصدقاءه، يسهر، يسافر، ويعود للبيت دون وجع رأس أو مسائلات أين كنت وأين ذهب ومتى تعود.

صورة الأعزب السعيد تتعاظم في ذهن كل منهما، النوم حتى وقت المغيب، الحرية، وكل لحظات السرور والفرح التي يشتاق لها. لكن بطبيعة الحال ولإنه إنسان، ينسى كل تلك الأيام التي جلس فيها عند البحر، يبحث عمن يصغي إليه، من يسير بمعيته، من يمسك بيده، من يساعده ويشاوره ويدللـه، من يخرج من أنقاضه تلك المشاعر المدفونة والمكبوتة فيه. ينسى كل تلك اللحظات ببساطة لأن العقل البشري يستعيد اللحظات السعيدة بسهولة، ويحتفظ بها لفترات أطول، بنفس الوقت فإنه ينظر لكل اللحظات التعيسة والخلافات المتكررة التي مرا بها؛ ظالما نفسه وزواجه الذي قد يكون ناجحا ولكنه بحاجة للرعاية والاهتمام والمصارحة وأهم من كل هذا القبول.

قد لا يكون زوجك قبيحا أو سيئا، وقد لا تكون زوجتك بشعة، كل ما في الأمر أنك تتوق لحرية الخيارات، وما هو إلا وهم سيوقعك في فخ تأجيل الزواج حتى تموت دون أن تحظى على الشخص المناسب الذي طالما حلمت به، وقد تبحث أو تبحثين عن مجموعة أشخاص في زوجك، أو كما يفعل البعض، يبحث في تصرفات توأمه عن والديه في الطرف الآخر، وهذا ظلم كبير لنفسك وللآخر، فإنك لتحصل على فتى أو فتاة أحلامك، عليك أن تضع مجموعة من معارفك في خلاطة.

ليتني لم اتزوج خاطرة عابرة تتلاشى بعد تأملك في توأمك بإنصاف، بعد أن تستعيد كل اللحظات التي لم تكن لتكتمل دونه، بعد أن ترى توأمك عبر عيون الآخرين وليس عبر القماش الذي نسجته له في مخيلتك، هكذا ببساطة سترى جماله ولن ترى سواه في وجوه الآخرين.

خديعة اللايكات

edf

في مقالاتي السابقة تحدثت عن أن الإنسان كائن اجتماعي بالمقام الأول، وأننا لسنا جزرا كما تقول الحكمة اليونانية، أي أننا لا يمكن أن نحيا دون الآخر، الاخر الذي يخدمنا، الآخر الذي ينام معنا، الآخر الذي يشعرنا بحاجته لنا واهميتنا. الإنسان قد يتمنى الخلود، ويسعى له، وأثناء سعيه من أجل إيجاد إكسير الحياة، لا ينسى أن يبحثه برفقه، أو من أجل رفقة ممتدة.

الأثرياء لا يبحثون في ثرائهم عن المال كقيمة نقدية، فهم يمتلكون الكثير، ولكنهم يبحثون عنها كقيمة إجتماعية بحتة، أي أنهم ينظرون للمال كأرقام وحسب، لا ينظرون إليه على أنه مادة قابلة للاستخدام، فهم في الغالب يريدون أكبر رقم في رصيدهم البنكي، وإن استخدموه؛ فإنهم يبتاعون أشياء نادرة لا يمكن لسواهم امتلاكها بسهولة، وفي الحالتين يريدون شيئًا واحدًا، أن يكونوا بالغي الأهمية، أن يلتفت لهم أو يلتف حولهم “الآخر” وأن يحبهم، أو تحديدًا أن يهتم بهم.

بكاء الأطفال مزعج جدًا، وله دلالات عدة، كجوع الطفل مثلًا، ولكن في أغلب الحالات يكون بكاءه بحثا عن تواجد الآخر، بحثا عن التدليل، ولنكون واقعيين، بحثًا عن الاهتمام. إذا نستطيع أن نقول أن الإنسان وفي شفرته الجينية كائن يبحث عن الاهتمام والمبالاة والأنس والألفة. دونها سيتحول لذلك الطفل الباكي.

الإنترنت غير حياة الإنسان وطريقة تعاطيه مع العالم والآخر، ومنذ خروج برامج التواصل الاجتماعي وانتشارها، أصبحت وسيلة جيدة للتواصل والاتصال، بل وأصبحت طريقة أفضل لمتابعة حتى حياة ابناءك، فالناس باتت تنشر بعض تفاصيل حياتها، إن لم يكن كلها في هذه المواقع، ماذا شربت، كيف سافرت، ماذا اشتريت، أين قضيت سهرتي. لذا قد تجد أحيانا أن الغرباء قد يعرفون تفاصيل حياة اخوتك أو ابناءك أكثر منك، فهو يسرع لنشرها في الإنترنت قبل حتى أن يبوح بها لك. وعليك حينها أن تعلم أن هنالك خلل في هذه العلاقة، فإن الإنسان إن لم يجد الاهتمام في محيطه، فبطبيعة الحال سيبحث عنه في مكان آخر، حتى لو كان ذلك خارج هذه المجرة.

حين تكون مع شخص ما يمكنك أن تشعر وترى وتلمس اهتمامه بك، أو يلمس هو اهتمامك به، لكن مع غياب الأيدي، والتعابير والصوت كيف يمكنك أن تقيس ذلك؟ في برامج التواصل لا يمكن لك أن تقيس ذلك بسهولة، والطريقة الوحيدة هي الكلمات، وعندما عجزت الكلمات عن إيصال ذلك الكم من الاهتمام، وجدت الايموجي “الوجوه المبتسمة” لتحل محل الملامح؛ ولكن مع تسارع العالم وجريه خلف السراب، لم يعد أحدنا يملك وقتا للآخر، ولأن العالم الافتراضي يواكب حالاتنا، فإن المواقع ابتكرت ما يسمى باللايك، وهو اسرع طريقة لإيصال رسائلنا حسب الطرح، فلايك على صورة يعني اعجاب بها، لايك على طرح يعني تأييد له، لايك على حدث يعني اهتمامك بهذا الحدث، والقائمة تنسدل.

ولكن المشكل في اللايك أنه أكثر صمتا وأقل تعبيرا من الكلمات، ولذا وقعنا في فخ اجتماعي كبير، وهو ملامح وخلفية هذا اللايك، بإمكان أحدهم بكل بساطة أن يمر على كل طرح ويضغط زر الاعجاب دون حتى أن يلقي بالا، دون أن يولي أدنى اهتمام، أو حتى غالبا دون أن يلقي نظرة، نعم بلغة عامية “لايك على الطاير”، قد يتعجب البعض، بينما يبتسم البعض الآخر بخجل لأنه يصنعها.

في محاولة لكشف هذا النوع من الممارسات، قام أحدهم بوضع صورة له على موقع فيسبوك معلنا فيه ارتباطه بفتاة احلامه، وتظهر الفتاة فيه وهي ترتدي خاتما وهي متفاجأة، حصدت الصورة الكثير من اللايكات، وبعدها ببرهة، وضع صورة لفتاة أخرى معلنا فيها ارتباطه بفتاة أحلامه الثانية، وفي ذات الصورة تظهر خطيبته الأولى وهي تبكي في خلفية الصورة، وحصدت الصورة مجموعة كبيرة من اللايكات، وبعدها ببرهة، طرح ما مجموعه أربع صورٍ لخطيباته الجدد ودون تحت كل واحدة “بما أن خطبتي نالت اعجابكم تحمست كثيرا وقررت الارتباط مرة أخرى.

ما أظهرته هذه التجربة أن مجموعة كبيرة من أصدقاءه لم يبالوا أصلًا بالطرح، ولم يلقوا نظرة عليه ولا على ما هو مدون أسفله، في صورة واضحة لما اسميته ” اللايك التسليكي اللا إرادي”، حيث اعتاد البعض المرور بشكل سريع على حساباته والقيام بعمل لآيك وراء الآخر دون أدنى إدراك، حيث تحول هذا لفعل لا إرادي من باب التسليك أو حتى اظهار الاهتمام، وربما تماشيا مع فكرة أعطيه لآيك اليوم، “يرجعهولي بكرة لآيكين” ف

الناس يريدون أن يظهروا اهتمامهم لكل من في قوائمهم، يريدون أن يخبروهم أننا هنا أو أننا نقرأ ونتابع مجريات حياتك ولحظاتك. والذي يشارك لحظاته كالثري أحيانا، يريد أرقاما، أرقاما كثيرة تريه أن هنالك كثيرون يهتمون لأمره، ويعبأون لما يفعل، بينما قد لا يتجاوز الأمر كله سوى عادة جديدة تبناها الإنسان مع تغير عاداته وتصرفاته تبعا للتطور التقني الذي تشهده البشرية؛ فاصبح معتادا أن يوزع اللايكات، كما يوزع الوجبات على سائر اليوم. هو لا يريد ذلك فقط لإشباع تلك الرغبة، بل وكذلك لإظهارها للآخرين، فهو يقول للآخرين انظروا كم أنا رجل مهم، انظروا أنا بطل اللايكات، وهذا ما أسميه، خديعة اللايكات، فاللايكات لا تعني أبدًا أنك رجلٌ مهم، أو أن هنالك مليون شخص يعبأ بك؛ لكنها تعني أنك معروض أكثر على العالم بشكل يتيح مساحة للمزيد من اللايكات التسلكية واللاإرادية.

ملاحظة صغيرة: لا يعني ما قلته بالأعلى أنه لا يوجد من يهتم بك، ولكن أعني فقط، ألا تقيّم ذاتك وأهميتك تبعا للأرقام، فستخسر الكثير ممن يهتمون بك حقًا بينما تطارد الأرقام والاهتمام. ارفع هاتفك، انظر لمن حولك قبل أن تخسرهم، أهلك، ابناءك، أصدقاءك، زوجك/زوجتك الحالية أو حتى المستقبلية التي ربما بدأت تبحث عنها بين ذلك الكم الهائل من اللايكات، وأولئك الذين في منأى عمن حولهم، اظهر اهتمامك حتى لا يصبح من حولك ضحية لهذه الخديعة..

الحزن كملجأ

 

18278440_10155087132055446_8153132838795713486_o

الانسان تحت كل تلك العضلات وذلك الجلد السميك لا يعدو كونه سوى كتلة من الاحاسيس والمشاعر، يؤثر فيها بأفعاله، وتتأثر بها أفعاله، ينظر للفرح دائًما على أنه الشعور الذي يجب أن نحمله بمشيئتنا ورغمًا عنا، وغالبا ينظر للحزن بشكل غير مرغوب فيه، وشيء يجب ع الشخص أن يتفاداه، ويتحاشاه ويخشاه بكل ما يستطيع من قوة وأكاذيب.

الايجابيين وما أدراك مالايجابيين، وأتحدث عن المفرطين في الايجابية، أولئك الذين يغتالون إنسانيتنا ليحولونا لكائنات أحادية الابصار والشعور، يريدونك دائما مبتسما، في وجه الفقد والخسارة والموت، يريدونك أن تتجاهل نوازعك ورغباتك وحاجاتك النفسية، يحاولون اغتيال حقك في المشاعر المتناقضة والمتقلبة والسوداء، كأنك ولدت بعين لا تبكي، وقلب لا يُفجع، وذاكرة لا تنسى. يريدونك أن تبكي بعين وتضحك بالثانية، تزم شفاها وتفغر الاخرى، تعيش نصف كآبة، نصف فقد، وبكل اختصار يريدون نصف أنت

الإنسان زرعت فيها فجوات وهفوات ورغائب، عليه أن يحيا بها ويحياها، ويتحداها، الحزن ليس شبحا أسود، وليس كابوسا نهرب منه كلما حملتنا وسادة قطنية بعد أن اغمض الضوء عينيه. الحزن مشاعر لابد منها، وليس البد في كوننا سنعايشها، بل في كوننا يجب أن نعيشها، نعيشها كاملة دون نقصان ودون تقصير، أن نتمرغ فيه حتى يشبع هو منا ويغادرنا وهو راض عنا تمام الرضى، دون أن تعتريها المبالغة.

يحق لنا أن ننهار داخل جدراننا الداخلية، وأن نصاب بكل تلك الحالة النفسية، أن نحظى على تلك الفرصة دون أن نبالي بما سيظنه أو يقوله الآخرين، أن نمنح أنفسنا فرصة أن نفرغ كل ما في جوفنا، وألا نصغي لأي صوت سوى تلك الأصوات الداخلية الخاصة بنا، لا أصوات التعاطف والشفقة، ولا حتى أولئك الايجابيين الكاذبين على مشاعرنا ومشاعرهم.

دائما ما اسأل، لماذا نعيش الفرح بطوله وعرضه، ثم نتمرد على الحزن بهذا الشكل الباذخ، ونغفل عن أهم نقطة، أنه كلما خدعنا الحزن، كلما كان سقوطنا القادم في قاعه مدويا وذا أثر اكثر تدميرا. يجب أن نعيش الحزن بحجمه وقدره ونعيش حالة الانهيار النفسي كاملة، نفرغ فيها ونُخرج كل الحجارة التي رميناها بداخلها، صدقني حينها فقط قد تستطيع أن تعيش ببال مرتاح، وقلب مطمئن خاشع في محراب الطمأنينة

تأجيل حالاتك يعني استمرار استحضار الفكرة بين الحين والآخر، مما يعني مزيدا من التوتر، ومزيدًا من التوتر يعني أمراضًا عضوية. روبرت سابلوسكي ألف كتابا بعنوان “لماذا لا يصاب حمار الوحش بالقرحة المعدية” في إشارة إلى تعاطي الحمار الوحشي مع حدث كالهروب من أسد مفترس ليس سوى تعاطٍ لحظي، يتلاشى مع نجاته من الحدث، لكننا كبشر نفكر كثيرًا بكل تلك الأشياء الغير منتهية والتي بقيت دون أن تحصل على مساحاتها الكافية من الاهتمام والتعاطي.

لذا، حين تجرح، الجأ للحزن ولا تخدع نفسك بالبقاء صامدا أمام أمواج المشاعر التي تحبسها بسدود التكبر عليها، حين تفترق الجأ للدموع فحبسك لها ليس سوى محاولة فاشلة لإيقافها، لن تعدوا كونها سوى دين سترده، أو حتى مجرد تأجيل لمواعيدها. حين تفشل إلجأ إلى الحسرة، أن تتحسر في لحظتها، خير من أن تأتيك تلك الحسرة مع محاولاتك الفاشلة القادم وستكون حسراتك أكبر من قدرتك على احتمالها. حين يكسر قلبك، إلجأ إلى حالاتك النفسية الأخرى التي لم تمنحها فرصة من قبل، فهي الملجأ الوحيد لتلقي بكل ما بكاهلك من أحمال وأثقال، حتى تفتح مجالا جديدًا لاحتمال ما هو قادم.

ما يبقي البيت

DSC_3729

ذات مرة كتبت “الحب وحده لا يكفي كي يعمر بيتًا.” استاء البعض مما قلته ورفضه آخرون. مع أن القضية ليست تنكرًا على الحب، ولا محاولة انتقام فاشلة لعلاقة حب فاشلة. كل ما في الأمر أنني قلت أن الحب مجرد من بقية التفاصيل لا يحفظ البيوت. فقفز سؤال مهم نهم من بين تلك التساؤلات، “ما الذي يحتاجه البيت إذًا”؟ هنا سأحاول أن أجيب عن هذا السؤال من وجهة نظري الشخصية.

قيل أن الرجل هبط من كوكب والمرأة هبطت من كوكب آخر والتقيا صدفة على الأرض، لهذا المرأة مختلفة كونا وتكوينا عن الرجل، وهذا الكون الذي بداخل المرأة مختلف في أغلب مجراته ومداراته عن كون الرجل، يقال أن الرجل أقل تعقيدًا، ويقال ويقال الكثير، لكن ما يهمنا حقا أننا مختلفون بعض الشيء، ووجب أن يفهم كل طرف هذه الاختلافات، اختلاف الحالات النفسية والأمزجة والمشاعر والاضطرابات الدورية الجسدية والتي ترافقها بتقلبات داخلية كبيرة، فقد تحبك زوجتك اليوم وتكره ملامحك غدا، ثم تعشق رائحة باطن جناحك بعدها بأسبوع. بينما يتقلب مزاج الرجل بين الحين والآخر بحسب ظروف عمله، وما شاهده في التلفاز، أو حتى من تعليقات أمه على ما تفعله شريكته.

ومن جهة أخرى، مر كل طرف منهما بتجارب وظروف وصواعق ورعود كثيرة في حياته، صنعت سماءه وأرضه وحدوده وأفكاره وشكلت تصرفاته وردود أفعاله. تَفَهُمْ أن كل طرف جاء من خلفية مختلفة يعني تَفَهُمْ كل تصرف أو فكرة تبدر منه وأخذها بجدية وعدم التعنت في محاولة تغييرها أو نزعها من شخصيته هو ما يبعد الطرفين من الخلافات؛ فجزء كبير من الخلافات يعود إلى هذه النقطة، عدم قبول عيوب وتصرفات الآخر التي لا تتناسب مع ذوقنا أو أفكارنا أو حتى معتقداتنا، ومحاولة محاربتها والتنازع فيها، عوض عن فهمها ومحاولة الوصول لطريقة للخلاص منها أو حتى تهذيبها بشكل أفضل مما هي عليه وأضعف الإيمان قبولها والتعاطي معها، فلست على الخلق بمسيطر.

من الغريب أننا نحب في هواتفنا تلك الانحناءة في أطرافه، ونلمح تلك الشظية الصغيرة النافرة من باب متجانس، ونسرح في نقطة سوداء في قميص أبيض، وحين تظهر تلك التفاصيل والتهذيبات في حياتنا الاجتماعية، فإننا وبالكاد نلقي لها بالًا، أو نوليها اهتمامًا، كل ما يحدث أننا نتجاهل التفاصيل في علاقاتنا، نلقي بكلمة، نعلق بنظرة، ونثرثر دون انتباه ولا مبالاة، فنجرح ونغضب ونضايق الآخرين، ثم نقول: فلان مفرط الحساسية. كلا ليس هو المفرط، بل أنت مفرط اللامبالاة. ربما يتفهم والداك كل تصرفاتك الطائشة، وتهاونك فيما يخرج من حصانك، وما ترميه من سهام الكلام في قلوب الأنام. ولكن تلك المسكينة التي جلبتها من دار والدها إلى سجن الإهمال والإغفال واللامبالاة ليست معتادة عليك فلا تلم انزعاجها منك، وكذلك بالنسبة لك، فإن كل تصرفاتك مقبولة في بيت والدك، قد لا تبدوا حسنة في عين شريكك، فلا تستائي من انزعاجه.

حين نتحدث في جمع؛ فإننا نفرح حين يكون الجميع مصغيا، ونحزن كثيرا إذا ما شعرنا بحضور الأجسام دون الآذان. وفي زمننا أصبح من الصعب بل ومن النادر الحصول على جلسة دون وجود الهاتف كأداة قطع، والهاتف ليس الشيء الوحيد الذي يؤهل لعدم الاستماع بشكل جيد للآخرين، بل هو أداة من الأدوات التشتيت التي تحيط بنا، ولكن على الرغم من كل هذا، يعد الأداة الأقوى والأشد تشتيتًا. وكما يزعجك ويخط بيديه في صدرك كل تفاصيل الحزن عدم إصغاء أحدهم إليك – خصوصا في المواقف التي تحتاج لتعاطف ومواساة – فإن الآخرين يشعرون بذات النقش. لذا المبالاة والإصغاء والاهتمام بكل تفاصيل الآخر مهم جدًا لحفظ العلاقات، سواء صداقة كانت أم علاقة زوجية، وهي أحد أهم أركان البيت.

الغيرة سلاح ذو حدين، إذا لم يُجد أحد الأطراف استخدامه بما يتناسب مع شخصية الآخر، فإنه بالتأكيد يؤسس لهدم العلاقة الزوجية، وإذا لم يتمكن الطرف الآخر من احتواءه وتفهم حجمه وحدوده ومؤثراته، فإن ذلك يجعل الطرف الآخر عرضة للغرق في الغيرة حد التبلد. فيستحيل الأمر من طرف يغار، إلى طرف غير مبالٍ، وفي حالات أقل سوءً على العلاقة أن يجعل الطرف الغيور عرضة لازمة نفسية وفي أقصى حالاته إلى أزمة ثقة. والثقة وما أدراك ما الثقة، خيط العلاقة الرفيع الذي لا يمكن ترميمه أو إصلاحه إلا بعقدة أبدية.

يجب أن تعلم أن الغيرة شعور متفاوت من شخص لشخص، وثقافة مجتمعنا أسست لكون الرجل شديد الغيرة وأن عليه إظهار هذه الغيرة بشكل عنيف أو متوحش أو متسلط، وإن لم يكن كذلك فهو ديوث. وأن ع المرأة أن تكون كذلك حد الهوس، مما يقحم المتزوجين في حملات تفتيش واسعة تفقد خصوصية كل منهما، وتؤجج نار الخلافات لأسباب تافهة وأحيانا دون أسباب واضحة، علمًا بأن هنالك من يولد دون أن يحمل غيرة، أو حتى دون ملكة التعبير عنها بالشكل الذي يجعل الأنثى -ولست أجمع هاهنا- تشعر بالنشوة. لا إفراط ولا تفريط في الغيرة، ومن وجد أنه لا يملك غيرة، فليتصنعها ولا بأس بذلك. لا تقلق؛ كونك تعاني من هذه المشكلة، لا يعني أنك ديوث وأنك لن تدخل الجنة، فالدياثة لا تعني ضعف الغيرة أو حتى انعدامها.

أما الثقة فينقض غزلها الغيرة المفرطة، والتي حين تخالط سوء الظن يتخلق في رحمها الشك، ومن ثم تنجب المشاكل تباعا، فتنزع من البيت سكينته وطمأنينته. الثقة عامل بناء مهم في العلاقات، والثقة لا تعني أن تكون أحمقًا يرى الخيانة ثم يقول لم أر شيئًا. ولا يعني ألّا تسأل باهتمام أين ستخرج، أو متى تعود، وتعرف من هم أصدقاء زوجك أو صديقات زوجتك.

لست بحاجة لزوجين متطابقين كالتوائم حتى يصلوا لنقاط تفاهم، نحن نختلف في الفكرة والرأي فقط، اختلاف بدون خلاف. البعض يحول اختلافات الرأي والذوق والاهتمامات إلى نزاعات داخلية تخلق فجوة بين الطرفين. “انتِ دائمًا لا يعجبك ذوقي، أنت دائما على صواب وأنا على خطأ” وهذه المصطلحات التي تظهر تحول الطرفين لجبهات حربية يجب أن يكون فيها منتصر. البحث عن انتصارات في النقاشات الزوجية يزرع الكثير من المشاعر السلبية التي إذا ما تراكمت مزقت الكثير من جمالية الزواج. يجب التعاطي مع الاختلافات بشكل عقلاني وهادئ، والاقتناع بألا طرف يمثل القاعدة والآخر هو الشاذ، بل أن كل وجهة نظر تحمل الكثير من المنطقية، وأن على طرف أن يتنازل ليس عن رأيه بل عن العمل برأيه. لا مانع ألا يعجبك الأحمر ولكن لأن شريكك أعجبه فيمكنك أن تطلي به الحائط، لست بحاجة دائما أن تكون على حق فلست كتابًا مقدس، ولست بحاجة لأن تكون مثاليا كنبي، أحيانا عليك أن تساير، أن تضحي، أن تهبط للأرض، وأن تقول للآخر “ربما كنت على حق، لم أنظر لها من هذه الزاوية من قبل”.

التنازل يأتي من المودة، والمودة تبنى من العشرة وكسرة الخبز التي تشاركها الطرفان، فإن لم يتواد طرفان، لن يتنازلا، وبالتالي لن يتفاهما وهلما جرى ستنهار السلسلة تباعا من أسفل هذا المقال وحتى أعلاه دون أن يستطيع أحد بعد ذلك أن يرمم العلاقة. علمًا بأنه ورغم احتمالية سقوط كل ما بالأعلى فالحب مشاعر موجودة تتأرجح وحيدة، قد تذروها رياح الطلاق لعدم قدرة الطرفين على الانسجام والعمل كمؤسسة واحدة همها الأوحد الحفاظ على هذه المؤسسة المقدسة.

همسة أخيرة: لن أتكلم عن الانتقاد المستمر، رغم أن النقد سيء لكنه وحده لا يدمر البيوت، هو قد يؤسس للخلاف وهو ما ادرجته بالأعلى، لكن بكل اختصار حاول أن تكون لطيفا مع شريكك، وإن كان ولا بد أن تنتقد؛ فإما بأسلوب أو بتلميح غير مباشر، فالأكل ليس برواية حتى تسرد عنه نقدًا تفصيليًا نسيت فيه أن كاتبه جلس في المطبخ لساعات طويلة بين لسعات الزيت المتطاير، وجروح السكاكين المنزلقة، وكميات كبيرة من الاهتمام والحب.

هذا المقال قابل للزيادة ولكنه لا يقبل النقص.