ليتني لست مكانه

20232900_10155359582130446_269131498027709967_o

أول ما يسبق الإنسان هو الفرضيات. تسبق قراراته وآرائه فرضيات لا يمكنه التخلي عنها حتى يحل محلها الواقع، أو قد تبقى على ما هي عليه، قد يفترض من يقرأ نصوصي أنني خريج كلية آداب، ولن يأتي في باله لوهلة أنني قد أكون خريج هندسة حاسوب وهو ما أنا عليه. وهذه الخصلة هي التي تجعل الإنسان كيان صانع ومطلق للأحكام، هذا ذكي، هذا مغفل، هذا فقير وهذا غني، وهذا “مبهدل”. ولهذا أحكامنا دائما سطحية وساذجة وقشرية جدًا، لا تملك من المقومات ما يعتمد عليها كرأي، ولا تفتقر لما يبقيها مجرد انطباع، هي نتاج اجهاض مفاجئ لعقلانيتنا.

يحدث أن ترى مشهدًا رجل يشد طفلة بعنف وهي تصرخ، تراودك فكرة أنه رجل يحاول اختطافها، ثم ومن خلف المشهد تبدأ في قراءة تقاسيم وجهه ووجهها، وتبدأ في ملاحظة الفروقات السبعة، وبعد أن تثبت لنفسك ألا شبه بينهما وأنه من الممكن ألا يكون والدها، تكتشف أنك ورغما عنك قد أطلقت حكمك. تمر بعدها مباشرة بفتاة وقد تكشف جزء من صدرها، تنظر باهتمام كبير، ثم تدير وجهك وتترك عينيك عند عتبتيها، وتقول في نفسك هذه منحطة وتريد أن تغري الناس، وفجأة تتعثر أمام مشهد احمرار وجهها وقد امسكت بفستانها الذي فكت ازراره. تنظر لأحدهم يتناول طعامه بشماله، تستغفر الله وتشتمه مع اصدقاءك، ثم يغيب عن المشهد أن يده الأخرى مبتورة. تهمس لصديقك “صديقك هذا مدلل، انه لا يشرب سوى المياه المعلبة، كيف سيعيش لو سافر لأفريقيا!” ولا تريد أنت أن تتقبل فكرة أنه لم يعتد سوى أن يشرب هذه المياه، وبينما أنت عائد لا تنفك تواصل رمي أحكامك يمنة ويسرة حتى تصل إلى منزلك معتدًا بنفسك وقد مارست دور الرقيب على العالمين.

في خضم نقاشنا سألني صديقي: هل تستطيع ألا تحكم على الآخرين، قلت بثقة مهزوزة: أحاول ذلك، فأنا اترك الخلق للخالق قدر ما جاهدت نفسي. لكنني لا أستطيع ألا أكون مطلقا للأحكام على أقل تقدير داخل زنزانة افكاري المتهمة. فتلك الأحكام نتيجة ما تشربناه وتربينا عليه وتوارثناه في أزقتنا الثقافية. لكن ما أحاول صنعه ألا أؤثر على من هو أمامي بأحكامي، وألا تخرج من سجنها، وإن حاولت الخروج، وضعتها في سجن انفرادي، معلقٌ في جدرانها كل عيوبي. فمتى يذكر الفرد عيوبه، يقل انتقاده وحكمه على الآخرين. قال لي: إذا نحن كما أردت أن اخبرك لا نستطيع إلا أن نكون قضاة لمتهمينا الذي لا يدركون أنهم في قاعة محاكمنا. ابتسمت وقلت نعم، ولكن يجب علينا ألا نحاكم الآخرين، ننظر لهم شزرًا، نتمتم بلعناتنا وشتائمنا، نردد هذا خطأ وهذي غير أخلاقي ولو كنت مكانه.

كثيرًا ما رددنا جملتي ليتني كنت مكانه، أو لو كنت مكانه. الأولى تمني ما في يد الأول، وهي فخ الأنانية الذي نهوي فيه دائمًا، فأنت لا تعلم بماذا ضحى حتى يصل، وكم يقاسي حتى يستمر في هذا المكان. والثانية محاولة تقييم الآخرين تبعًا لأخلاقياتنا وقدرتنا على أن نكون أفضل منه، أكثر احسانا، أفضل هندامًا، أو حتى أكثر ثباتا أمام الصعاب.

دائما ما يظن الفرد أنه القاعدة الذهبية، أو المعادلة الكونية التي إينما وضعتها ستخرج لك أفضل النتائج وأجمل اللوحات الأخلاقية، لو رأى رجلًا يضرب ويهان ذليل لا يملك حيلة سيهم بقول “لو كنت مكانه لطمست أنوفهم”، وهو من حيث لا يدري يغلف نفسه بحالة من المثالية الكاذبة، هو يزعم أنه أكثر شجاعا من الرجل الماثل أمامه، ولو كان حقًا مكانه لكان أول من يخنع. ولو فرضًا افتراضًا أنه شجاع حقًا وسيقف في وجه هؤلاء جميعهم، فإنه غفل عما يغفل عنه الناس حال اطلاق احكامهم، وهو “ما الذي يدريك ما الذي مر به هذا الرجل في حياته ليقبل كل هذا الذل والضرب، كم ابنًا يعوله، بماذا تم تهديده، هل يملك بنية قوية أم أنه مريض يعاني، كم مرة وعد زوجته بأنه لن يقحم نفسه في مشاكل وهو ما حذى به للاستسلام، أفكار كثيرة قد نجهلها ونركلها في لحظة واحدة، لحظة مطلقة الظلم.

لو كنت مكانه هي أكثر الجمل ديكتاتورية، فنحن نفترض أننا وما بداخل رؤوسنا هو الصواب، وأن كل ما لا يعجبنا أو لا نستطيع فهمه أو تقبله أو حتى تفهمه لا يعدو كونه قلة أدب وسفالة وجبن وحماقة وغباء. لو انتحر أحدهم سيقفز البعض ويقول: “هذا غباء كيف ينتحر، حتى لو كانت حياته سيئة يجب أن يصبر، لو كان صالح ما انتحر، لو كان عاقل ما انتحر” وقائمة التهم تنهمر كالمطر أمام جثة هامدة تركها صاحبها، يتنازعون أمرها.

الانتحار ليس شيئًا سهلًا ولا حتى مستساغا لمن يفكر في الانتحار، ولا ينتحر الشخص من حيث يريد، ولكنه وصل مرحلة من البؤس والقنوط واليأس والكآبة تبعًا لظروفه ما لم تحتمله نفسه ولم يقوى على التغلب عليه عقله. الشخص الذي يمر بحالة الكآبة قد يظن نفسه عالة على أهله، ويظن أن أفضل ما يقدمه لهم هو أن يخلصهم منه ومن تقلباته النفسية، قد يكون وصل إليها بسبب تحرش أو حالة اغتصاب في الصغر، قد يكون بسبب معاملة قاسية من أهله، أو حتى من التنمر المستمر من زملاءه، أو سخرية الناس من شكله، أو حتى ملاحقة العالم لفضيحة ألمت به لم يجد لها من مفر سوى التخلص من حياته. لهذا اتعاطف كثيرا مع من تخلصوا من حياتهم بسبب ما كابدوه من مشاعر لا يعلمها سواهم.

مشكلة بعض العامة وربما أغلبهم أحيانا، أنهم يظنون أن خبايا الناس كلها متشابهة ومتساوية، ليس البشر جميعا متشابهون من الداخل، وإن تشابهوا في القشور، فالشخصيات تحدد تعاطي الفرد مع المواقف، فمثلًا، لو أنك احضرت زجاجتين فارغتين وألقيت بهما من ذات الارتفاع وعلى نفس السطح وبنفس الزاوية، هل من الضروري أن تنكسر الزجاجتان؟ بالطبع لا، فقد تنجو إحداهما، وحتى لو انكسرتا، فإحدى الزجاجات ستتحول لشظايا صغيرة مبعثرة، بينما الأخرى قد تتحول لسلاح قاتل، رغم أن الزجاجتين مهشمتين عمومًا لكن النتيجة النهائية مختلفة جدًا.

لذا لا تنتظر أن يتحول كل ضحية إلى سلاح، ولا تغضب إن تحول إلى حطام، ففي الختام، دواخلهما مهشمة مهما بدت صلابتهما من الخارج، حتى معادلة “حط نفسك مكانه” أي أن تطلب من أحدهم أن يحس بالآخر غير منصفة هي الأخرى، فكل شخص له كيانه وطريقة تفكيره، حالته الذهنية في تلك اللحظة، وظروفه التي لن تتشابه معك وإن جمعتهما في غرفة واحدة.

يجب أن نغير نظرتنا للآخرين ونتوقف عن إطلاق الاحكام على تصرفات الآخرين؛ فنحن لم نذق الآمهم، لم نجرب جروحهم، لم نعبر من خلال همومهم، لم نتخيل حتى الظروف التي مروا بها لتصنع بهم ما صنعت، كونك نجوت بأعجوبة من الهموم والمشاكل والاضطهاد والاستغلال والتحرش، لا يعني أن الكون كله محظوظ مثلك.

مدرسة العنف

19488637_10155275842560446_6735619444141619617_o

“خذوا اللحم ورجعولنا العظم” جملة لازلت أحفظها عن ظهر قلب، فبسببها رأينا أساليب التعذيب في المدرسة، كان حقا ما يبقى سليما منا هو العظم، وغالبا ليس بسبب سلوك سيء قام به الطالب، بل بسبب مدرس سيء.

التربية تسبق التعليم، والتربية صناعة مشتركة بين البيت والمدرسة، وللأسف كل طرف يلقي بالمسؤولية على الآخر، فالأب يعول على المدرسة، والمدرس يعول على البيت؛ فلا يتابع حالات الطلبة ويتعاطى مع كل طالب على حِدة بالأخص أولئك الذين يواجهون صعوبة في مواكبة زملائهم، فيبدأ الطالب في التأخر عن تحصيل التعليم مع زملائه لأنه يقع بين مطرقة وسندان، ويبدأ مستواه في التدهور ورغبته في الذهاب إلى المدرسة تخبو، هذا في أفضل الحالات، وفي أسوأ الحالات يعاني من الضرب والعنف من المدرسين. نعم منع الضرب في دول عديدة، ولكن العنف لا زال موجودًا، فنحن للأسف نصنف العنف على أنه شيء جسدي، ولكن عالميا يصنف العنف اللفظي كذلك كنوع من أنواع العنف والإساءة للأطفال.

في عدة مواقف في المجمعات، كانت تتضح قسوة بعض الآباء والأمهات في التعامل مع الأبناء، وفي آخر مشهد رأته زوجتي سألتني بتعجب: لماذا يعاملون أبنائهم بهذا الشكل، ضحكت وقلت: ومن أين بظنك يخرج مدمني المخدرات وأصحاب الأمراض النفسية، والقساة والمجرمين والعصبيين وبائعات الهوى وهؤلاء أنفسهم من أين جاءوا. دونت هذه الخاطرة في انستقرام فجاءني أحد المتابعين وقال: “من كف واحد ينقلب شاذ!” كنت أود أن ألومه لجهله، ولكن تذكرت أن جهله يعود إلى أنه الآخر اعتاد على رؤيته حوله.

يظن الآباء والمدرسين أن العنف والضرب وسيلة للتوجيه، وهذا الظن لم يخرج من فراغ، فهم أنفسهم تعرضوا له في طفولته ويظنون أنه نجح معهم وصنع منهم قادة وعلماء ورواد فضاء. ولكن الواقع عكس هذا فالساقطات يملأن الطرقات، والمجرمين يملئون السجون، والقتلة معلقين بحبل مشنقة مؤجل، وعلى مقربة منهم إبرة مخدرة في يد جرعة زائدة ممدٌ جسدها على قارعة الطريق.

سلسلة العنف والإساءة تستمر ويحملها جيل خلف جيل، سلسلة لا يمكن أن تكسر بسهولة، فمن اعتاد الشيء لا يمكنه التخلص منه بسهولة، فالأجيال الماضية من خريجي ما أسمه بمدرسة العنف، البعض لا يظن بل يؤمن أن علاج كل عناد وكل سلوك خاطئ هو العنف. وكل ما يصنعه المعنف أنه يؤجل سلوكيات الطفل إلى حين تقوى بنيته، حينها سيصبح الضحية جانٍ على من عنفه أو على ذريته، سيهمل والديه، وسيقطع علاقاته مع أهله ويكره أخوته، سيكبر وسيزيد الشرخ في العلاقات وتنبت بذرة النفاق في أفضل الإحتمالات.

إهانة الطفل تضعف شخصيته، وليتمكن فيما بعد من فرض شخصيته يتحول لشخص متنمر، التحقيق الطويل مع الطفل يدفعه للكذب واختلاق القصص الوهمية، العنف والضرب يجعل الطفل عنيدًا وانطوائيا ويجعله يختلق شخصيات خيالية يعيش معها بالشكل الذي يتمنى، السب والشتائم يحول الطفل لصراف آلي عملته الشتائم. العنف اللفظي أحيانا أسوأ من الجسدي، فالطفل الذي يكبر بكلمات تحبطه وتهينه وتقلل من شأنه تتحول لنمط حياة في المستقبل، فمن يردد لأبنه أنه فاشل لن يصنع منه رجل أعمال، ومن تردد لأبنتها أنها عاهرة لن يصنع منها فتاة مستقيمة.

العنف ليس وسيلة تربية، والتربية ليست صناعة سهلة؛ فهي تحتاج للكثير من الصبر، الكثير من التفكير والكثير الكثير من الاهتمام والمتابعة. الطفل يبدأ في رسم كيانه وشخصيته المستقلة مع تقدمه في العمر، لذا لا ترفض لأبنك شيئًا دون مبرر، علمه دائما أن هنالك سببًا لرفضك، ولا تعتقد دائمًا أنك ستهديه صراطك المستقيم دون اجتهاد وتعب ومتابعة، وتذكر أن الطفل المطيع بالضرب مشروع إنسان فاشل اجتماعيا، مشروع إنسان مؤهل بدرجة كبيرة لفعل كل ما مُنع منه بالضرب في المستقبل، بل وسيخلق عالمًا خاصًا لا علم لأحد به، يمارس فيه أسوأ الأفكار التي تراوده، وفي أسوأ الحالات يميل كثيرًا لارتكاب الجرائم.

الرجل الشرقي يعتقد أن العنف طريقة لكبح انحراف سلوكيات الفتيات، فيرغمهن على كل شيء بالقسوة والعنف، يتحكم بكل شيء يخصهن، كيف يلبسن، ماذا يفعلن، أين يخرجن، يتجسس عليهن حتى داخل الحمام، وذلك لعدم ثقته التامة بمخرجات تربيته لهذا يحاول إبقائها في سجنه أطول فترة ممكنة قبل أن تخرج من جلبابه، ليس خشية عليها، بل خشية مما قد يقوله الآخرين. وإن حصل وانحرف سلوك فتاة، فإن جرائم الشرف هي النهاية الحتمية لكل فتاة، فرجولة الذكر الشرقي مهزوزة جدًا لدرجة تجعله يفعل ما يمتنع عنه كفار قريس ظنا منه أنها وسيلة استقامة، وكل ما في الأمر أنه يؤجل مصير الانحراف حتى تكبر ولن يكون هنالك طريق عودة، والمصيبة أنه يظن أن رجولته مرهونة بكيان آخر مضطهد يسمى أنثى، مرهون بلبسها، بشكلها، بحجابها، بنقابها، وحتى برائحتها، هذا في أفضل الحالات، أما في أسوأها فيظن أن رجولته مرهونة بكل شيء في الكون، عقد النقص تلك التي يبدوا أننا سنعيش معها قرونا كثيرة، حتى تحظى المرأة على أبسط حقوقها، أن تحيا كإنسان.

في مقابلة لنجمة أفلام إباحية معتزلة على اليوتيوب عندما سُئلت عن سبب اختيارها لهذا الطريق قالت: خرجت من بيئة أسرية سيئة، وكنت أريد الشعور بأنني أملك قرار نفسي ولا لأحد آخر سلطة علي، وبدأت هذا المشوار عند بلوغي الثامنة عشر، وقالت أن أغلب المحيطين بها في المجال من مخرجات العنف المنزلي واستغلال الأطفال، وقليلين هم من تقودهم الحاجة المادية لهذا المجال، وأهم المشاعر التي يبحث عنها هؤلاء، امتلاكهم لقراراتهم، وسلطتهم على أجسادهم.

يعتقد الآباء أن تدليلهم المفرط لأبنائهم وإغداقهم بالألعاب والهدايا والحلويات يصنع هو الآخر أبناء طيبي الأخلاق، أو حتى يحل محل اهتمامهم ومتابعتهم لهم. الإهمال نوع من أنواع العنف، وهو النوع الخفي منه، فمن يظن أن التربية توفير كل احتياجات الطفل المادية قد خاب، فالإنسان مجموعة من المشاعر والأحاسيس التي تمتلك جسدًا تديره، لذا وجب الاهتمام بتلك المشاعر واحتوائها، فمن لا يجد الاحتواء الداخلي، سيبحث عن الخارجي وإن كان مجرد وهم يطارده. ومن يرمي أطفاله سنوات في ركن الإهمال لا يتوقع أن يستعيد ثقة ابناءه به بسهولة، أو حتى بصعوبة، فليست كل جرة تقبل الإغراء بالغراء، وهنالك من لا يوفر احتياجات الأبناء المادية والمعنوية، وهو أشد أنواع العنف الخفي، فالبعض يظن أن من فضله على أبنه أنه أخرجه للدنيا، وينسى أن فضل ابنه عليه أنه لم يكن ليصبح أبًا لولاه!

نختم بهذه الأرقام التي قد لا تعنيك أو قد تكون جزءً منها:

في عام 2015 أشارت الدراسات إلى أنه توفي ما عدده 1067 طفل بسبب العنف الأسري

24 طفل من بين كل 1000 حول العالم يتعرض لإساءة المعاملة.

تأثير العنف لدى الأطفال الذين تعرضوا له:

38% ارتفاع في نسبة ارتكاب جرائم عنف.

84% من المساجين تعرضوا لسوء المعاملة والاستغلال في سنوات الطفولة

59% قابلية الأطفال عند بلوغ سن الحداثة أن يتم اعتقالهم.

28% قابلية تعرض الأطفال للاعتقال كشخص بالغ.

60% وأكثر من الأشخاص الذين يتم علاجهم من المخدرات تم إساءة معاملتهم كأطفال.

80% من الأطفال الذين تعرضوا للعنف أو الاستغلال يعاني من حالة اضطراب نفسي واحدة على الأقل كشخص بالغ.

هذا عدى الأذى الجسدي والتشوهات والإعاقات والجروح الغير قابلة للعلاج والتي تعيش معه طوال العمر، وأمور أخرى لا يكفي المقال لسردها.

همسة أخيرة: التربية ليست مهمة يوم واحد، التربية ليست زكاما أخلاقيا يحتاج لمجموعة أدوية ليزول. التربية رحلة طويلة، زادها الصبر والحكمة والكلمة الطيبة ووقودها الحب، البيت غير الصحي مخرجاته لن تكون صحية أبدًا، وتذكر أن العنف والضرب لن ينجب ملائكة، والإرغام لن يولد سوى النفور والعناد والنفاق، وما تظن أنك ملكته بالعنف، ستخسره بعنف، وتذكر ألا يقودك حرصك على أبنائك إلى تشويه أشكالهم أو اجسادهم أو حتى شخصياتهم، ويجب أن تكون أول من يرفض أن يدخل أبنائه نفس المدرسة التي تخرج منها، تلك المدرسة التي أسميها مدرسة العنف.

لماذا لن نتفق

يثبب

برنامج تم، برنامج تليفزيوني عرض طوال شهر رمضان على مدى 29 حلقة، أبطال البرنامج هم من عامة الشعب، ليسوا مشاهيرًا، ليسوا شخصيات عامة، ليسوا عارضي أزياء أو ممثلات فاتنات، هم أفراد مروا بظروف قد لا يتصورها أحد، وإن كانت حالات قد تخطر على بالنا، إلا أن رؤية الشمس والوقوف تحتها ليس كمعرفتها. وهذان هما مفتاحا نجاح البرنامج، أن الناس تحب من يلمس مشاعرهم، الشخص البسيط الغير متكلف، العفوي الذي لا يمثل ولا يتصنع، والمفتاح الثاني أنهم اظهروا الشمس.

مجموعة من الشباب، استلهموا أفكارهم وخرجوا عن المألوف وخاطبوا الجهات وبحثوا الحالات واختاروا منها ما نعرف وما لا نعرف، وكانوا هم حلقة الوصل بين ابطال الحلقات والمتبرعين. كل طرف من الأطراف الثلاثة مستفيد، الأول ستفك أزمته، والثاني خرج بفكرة واوصل رسالة، والثالث معلن صف أسمه في قائمة المساهمين أو الداعمين للبرنامج من باب دور المؤسسات في الأعمال الخيرية والمساهمات الاجتماعية.

تبدوا الفكرة جيدة ومثرية حتى يخرج الناس برأيين مختلفين ومتضاربين ولا حياد بينهما، فإما مؤيد وإما معارض، وقبل الإدلاء برأيي الشخصي دعونا نغوص قليلا في الحد الفاصل بين الرأيين لنرى إن كان بالإمكان إيجاد أرضية مشتركة.

تكمن وجهة نظر المؤيد أن البرنامج لقننا درسًا أن نحمد الله على نعمه وفضله علينا، وزرع فينا ثقافة العطاء بعد أن لمسنا هموم الناس واقتربنا من البسطاء والناس التي تمر بظروف لا علم لأحد بها. أن لدينا برنامجًا هادفًا محلي الصنع جديد ومبتكر حملت همه وسعت لنجاحه أيدي شابة يافعة ارتأت ألا تكون لهم هوية ولا تواجد حقيقيًا في المشهد الكلي.

والطرف الآخر ينتقد الأسلوب والفكرة كونها تسكب ماء وجه الناس، وما الإنسان دون كرامة، وتنشر غسيل حالات الناس على الملأ.

يجيب الطرف المؤيد أن الفرد وافق على الظهور في البرنامج كما ذُكر في مقدمته.

فيعترض الآخر ويقول “ماذا لو رفض هل ستسحب منه الأموال والتبرعات، هل سيخشى هؤلاء من المجازفة بهذه الفرصة للخروج من المأزق الذي أوقعتهم فيه فخوخ الدنيا ومكائدها.

ويستمر الجدل رغم أن البرنامج لم يختم بعد. اليوم قبل تدوين هذه الخاطرة بساعات قليلة شاهدت الحلقة الأخيرة. والتي أجابت عن السؤال الرئيس الذي يقول “ماذا لو لم يقبل” وفعلًا اتضح أن هنالك من لم يقبل ولم يعرض ولم تسحب منه أي من هذه التبرعات التي خصصت لحالته، وتبقى هنالك المشكلة والمعضلة الوحيدة واقفة كطائر لقلق يترصد كل من يؤيد البرنامج “الكرامة المهدرة”

في أحد تعليقاتي على أحد المقالات التي تنتقد برنامج تم قلت التالي ” بين انسكاب ماء الوجه وحفظه، خط يفصل نوعين من البشر. لا يمكننا أن نتفق جميعا طالما المسألة مرتبطة بالشعور” فما يشعرك بالتقزز ليس شرطا بأن يشعرني بذلك، ونفس درجة البرودة قد تجعل أطرافي ترتعش، بينما يتعرق الرجل الذي يجلس بقربي، ولكيلا نجدف بعيدًا دعنا ندون بشكل أدق بغيتي، نيكولو مكيافيلي يقول في كتابه الأمير: الشعور بالظلم هو المحرك وليس الظلم نفسه” أي أن الأمم لا تتحرك بسبب الظلم، بل عند شعورها بالظلم، فإن ظلمت ولم تشعر بهذا الظلم لن يحركها شيء.

لنعود لقضيتنا من هذا المحور، دعنا نأخذ الكرامة مثلًا قبل الثرثرة عنها بشكل اعتباطي، تعريف الكرامة “هي قيمة الإنسان وهذا تعريف ثابت. أما ماهية القيمة فهي متحولة تتماشى مع الزمن وتطور العقل البشري”، ولأنها متغيرة ومتطورة إذا هي ليست ولن تكون ثابتة، هي تقديرية، لذا فيمكننا القول بأن من قبل الظهور في برنامج تم هو شخص قبل بالوضع ولم يشعر أو لم يرى أن فيها أي إهانة أو تقليل من كرامته، بينما رأى بعض المشاهدين ذلك، وهو السبب الرئيس في هذا الاختلاف الكبير بين قبول الفرد أو رفضه.

حملات التبرع، برنامج خواطر، الجمعيات الخيرية، كلها تمارس سياسة التسويق لأعمالها، فإن انتقاد برنامج مثل تم يستدعي هو الآخر أن يتم انتقاد كل البرامج التي بالأعلى، لأنها وبحسب شعورهم كلها تُعرض كرامة الإنسان للإهانة، لكن صوت الانتقادات لم يكن عالٍ بشكل كافٍ ليتوقف هؤلاء، بل وإن شعورنا ومعارضتنا من وجهة نظري التي قد تبدو قاسية قليلًا فيه لمسة عنصرية، تأمل الشاشة والصور المعلقة التي تستخدم صور الفقراء للترويج لحملة تبرعات، فإن كان استخدام الجائع كدعاية لحملة أمر مقبول لماذا لا يقبل برنامج كتم!

ونأتي لختام المسك، ونذكر بقصة الأعراب الذين جاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم الصوف فرأى سوء حالهم قد أصابتهم حاجة فحث الناس على الصدقة فأبطئوا عنه حتى رئي ذلك في وجهه قال ثم إن رجلا من الأنصار جاء بصرة من ورق ثم جاء آخر ثم تتابعوا حتى عرف السرور في وجهه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من سن في الإسلام سنة حسنة فعمل بها بعده كتب له مثل أجر من عمل بها. فكان حثا من الرسول للصدقة علنًا كما سنها وفضلها سرًا بغية المصلحة الأساسية وهي أن يشجع الناس بعضهم بعضا على التصدق، وهذا هو هدف البرنامج، أن نكمل المشوار ونكون نحن جهاز تم، لأننا وفي خضم همومنا الشخصية ومشاغلنا الخاصة، ننسى حق الآخرين علينا، ونعم الله علينا بأن جعل حاجة الناس لدينا.

أشكر كل القائمين على برنامج تم وعلى مجهودهم الكبير وتميزهم، واشكرك أيها القارئ على وقتك الثمين، واعتبر هذا مجرد رأي شخصي، والرأي الأخير في النهاية لك.

 

ليتني لم أتزوج

.

DSC_4287

مقدمة: علماء النفس يؤمنون أن البشر يجتمعون في صفات، ويختلفون في صفات أخرى، تلك الصفات التي تحددها ظروفهم، ولأن ظروف الجميع ليست ولن تكون متشابهة؛ قد لا تجد أن هذا المقال يتحدث عنك، أو حتى يتحدث حتى عني. إن كنت هنا أو لم تكن، لا بأس بأن تؤمن بأن هذا النص قد يعود عليك بالفائدة.

الزواج بداية مشوار جديد، وشراكة بين طرفين جمعتهما الصدفة والقدر، وقواسم مشتركة وعادات وتقاليد، وحالات قسرية وعرفية وطرق أخرى غير شرعية. يتعارف الطرفان ويتفقان. بين فترة وجيزة، وسنوات عديدة. نظن أن طول المدة سيبني معرفة كافية وكفيلة بأن تقرر وتؤكد مستقبل السعادة الزوجية كثيرًا، ولكن احتمال قابلية حدوث ذلك صعبة وقد تضمنها في حالة واحدة فقط “في حال ضمنت أن طرفي القضية غير قابلين للتغير” وهذا مستحيلٌ استحالة الحلم العربي.

العقل يعمل بشكل يضمن استقرار هذا الكائن، لذلك دائما ما يحاول استعادة اللحظات السعيدة والجميلة، بينما يسعى جاهدا لدفن التجارب والمواقف السيئة التي مر بها الشخص، ليحافظ على تدفق الهرمونات التي تبعث على راحة الجسد وتقلل من الدخول في حالات حزن أو أسي أو حتى حسرة، وذلك لضمان قدرتنا على تجاوز الأزمات والمصائب التي تحل بنا. ومن لا يملك هذه القدرة الرائعة، غالبا ما يكون أسير الاكتئاب وهو ما يقود بعض هؤلاء البؤساء للانتحار.

بعد الرؤية الشرعية أو النظرة الجامعية – يمكنك الرجوع لهذا المقال في المدونة – نبدأ في التعارف ومحاولة إيجاد الحلقات المتشابهة التي تجعل من الممكن لمن اعجبنا به وارتحنا لملامحه أن نرتبط معه بذلك العَقد الأبدي بظننا. في الفترة الأولى نرى تلك التي لمحناها أجمل فتاة، وذلك الذي زارنا أوسم رجل. نبدأ في جلسة واحدة نتخيل أن سنواتنا ستكون زاخرة بالفرح مفتقرة للحزن والكآبة، لا يأتي على خاطرنا أي فكرة سوداء، ولا يزورنا هم ولا تراودنا الخلافات عن نفسها البتة، كل شيء يبدو كمشهد في قصة سندريلا.

نُظهر في شهورنا الأولى كل الخير الذي بداخلنا. لا تكاد تفارقنا ثياب الملائكة، وشياطيننا لا تعرف مكانا في تصرفاتنا. نرسم الأحلام والأوهام وقصص الأطفال والعائلة المثالية. نظن بأننا ما أن نلج إلى قلعتنا فإننا سنولد من جديد بلا خطيئة. المدمن سيستقيم، والعاهرة ستمسي مخلصة، والمجنون سيصبح عاقلا؛ وكأن الزواج بعث جديد.

وقبل أن ننصدم بواقع كوننا مجرد بشر تطاردنا خطايانا التي نحاربها حتى ننتصر أو تنتصر هي؛ نقع في فخ آخر ما أن تدق نواقيس الزواج. فخ المقارنة؛ وكأن ميلاد العيون كان في تلك الليلة. يرى الشاب أن خياراته المحدودة قبل الزواج باتت أكبر من أن يحتمل بصره أو تتسع له خاناته الأربع. يرى صديقات عروسه، وبنات عماته، يتذكر حبيباته السابقات وبنات جيرانه، وكل الفتيات الذين في العالم يمرون على بصره كشريط الموت. المشهد أوسع من أن يحصره، يمسح من وجهه الذي تصبب عرقا كل تلك الفرص التي لم تطرح على طاولته قبلا، ثم يزيد الطين بلة أن يسمع همس بعض النسوة “هو أحلى منها” يعود محاولا التبسم في وجه عروسه التي بات يراها أبشع مما هي عليه.

بينما تأتي هذه الحالة متأخرة عندها هي، فهي ستراه أجمل البشر، لكن حين تبدأ لحظات الخلاف المتكرر ومحاولات التأقلم في المرحلة الأولى، تبدأ في البحث بين الأسماء والأشكال التي تعرفها عن ألطفها، وإن لم تجد فستبحث عن وجه أبيها وما يشبهه، وتبدأ في طلبات الطلاق المتكررة، فهي ترى في الطلاق حل لكل مشاكلها ووسيلة ضغط مستمرة وورقتها الرابحة الوحيدة، وحين تفشل تتمنى أنها لم تتزوج.

يعود كل طرف إلى صومعته، يتذكر كيف كان سعيدا قبل الزواج، وكيف كانت حياته أسهل وأقل مشاكلا من اليوم. يبدأ في تذكر أسماء زميلاته فاطمة، نورة وياسمين. يثرثر مع نفسه “لو أمكنني فقط أن ارجع بالزمن لأتزوج بخولة” هذا في أفضل الاحتمالات وفي أسوأها يتمنى لو ماتت وعاش حياته أرملا. حياة بسيطة بلا تعقيدات الزواج، يتأخر مع أصدقاءه، يسهر، يسافر، ويعود للبيت دون وجع رأس أو مسائلات أين كنت وأين ذهب ومتى تعود.

صورة الأعزب السعيد تتعاظم في ذهن كل منهما، النوم حتى وقت المغيب، الحرية، وكل لحظات السرور والفرح التي يشتاق لها. لكن بطبيعة الحال ولإنه إنسان، ينسى كل تلك الأيام التي جلس فيها عند البحر، يبحث عمن يصغي إليه، من يسير بمعيته، من يمسك بيده، من يساعده ويشاوره ويدللـه، من يخرج من أنقاضه تلك المشاعر المدفونة والمكبوتة فيه. ينسى كل تلك اللحظات ببساطة لأن العقل البشري يستعيد اللحظات السعيدة بسهولة، ويحتفظ بها لفترات أطول، بنفس الوقت فإنه ينظر لكل اللحظات التعيسة والخلافات المتكررة التي مرا بها؛ ظالما نفسه وزواجه الذي قد يكون ناجحا ولكنه بحاجة للرعاية والاهتمام والمصارحة وأهم من كل هذا القبول.

قد لا يكون زوجك قبيحا أو سيئا، وقد لا تكون زوجتك بشعة، كل ما في الأمر أنك تتوق لحرية الخيارات، وما هو إلا وهم سيوقعك في فخ تأجيل الزواج حتى تموت دون أن تحظى على الشخص المناسب الذي طالما حلمت به، وقد تبحث أو تبحثين عن مجموعة أشخاص في زوجك، أو كما يفعل البعض، يبحث في تصرفات توأمه عن والديه في الطرف الآخر، وهذا ظلم كبير لنفسك وللآخر، فإنك لتحصل على فتى أو فتاة أحلامك، عليك أن تضع مجموعة من معارفك في خلاطة.

ليتني لم اتزوج خاطرة عابرة تتلاشى بعد تأملك في توأمك بإنصاف، بعد أن تستعيد كل اللحظات التي لم تكن لتكتمل دونه، بعد أن ترى توأمك عبر عيون الآخرين وليس عبر القماش الذي نسجته له في مخيلتك، هكذا ببساطة سترى جماله ولن ترى سواه في وجوه الآخرين.

خديعة اللايكات

edf

في مقالاتي السابقة تحدثت عن أن الإنسان كائن اجتماعي بالمقام الأول، وأننا لسنا جزرا كما تقول الحكمة اليونانية، أي أننا لا يمكن أن نحيا دون الآخر، الاخر الذي يخدمنا، الآخر الذي ينام معنا، الآخر الذي يشعرنا بحاجته لنا واهميتنا. الإنسان قد يتمنى الخلود، ويسعى له، وأثناء سعيه من أجل إيجاد إكسير الحياة، لا ينسى أن يبحثه برفقه، أو من أجل رفقة ممتدة.

الأثرياء لا يبحثون في ثرائهم عن المال كقيمة نقدية، فهم يمتلكون الكثير، ولكنهم يبحثون عنها كقيمة إجتماعية بحتة، أي أنهم ينظرون للمال كأرقام وحسب، لا ينظرون إليه على أنه مادة قابلة للاستخدام، فهم في الغالب يريدون أكبر رقم في رصيدهم البنكي، وإن استخدموه؛ فإنهم يبتاعون أشياء نادرة لا يمكن لسواهم امتلاكها بسهولة، وفي الحالتين يريدون شيئًا واحدًا، أن يكونوا بالغي الأهمية، أن يلتفت لهم أو يلتف حولهم “الآخر” وأن يحبهم، أو تحديدًا أن يهتم بهم.

بكاء الأطفال مزعج جدًا، وله دلالات عدة، كجوع الطفل مثلًا، ولكن في أغلب الحالات يكون بكاءه بحثا عن تواجد الآخر، بحثا عن التدليل، ولنكون واقعيين، بحثًا عن الاهتمام. إذا نستطيع أن نقول أن الإنسان وفي شفرته الجينية كائن يبحث عن الاهتمام والمبالاة والأنس والألفة. دونها سيتحول لذلك الطفل الباكي.

الإنترنت غير حياة الإنسان وطريقة تعاطيه مع العالم والآخر، ومنذ خروج برامج التواصل الاجتماعي وانتشارها، أصبحت وسيلة جيدة للتواصل والاتصال، بل وأصبحت طريقة أفضل لمتابعة حتى حياة ابناءك، فالناس باتت تنشر بعض تفاصيل حياتها، إن لم يكن كلها في هذه المواقع، ماذا شربت، كيف سافرت، ماذا اشتريت، أين قضيت سهرتي. لذا قد تجد أحيانا أن الغرباء قد يعرفون تفاصيل حياة اخوتك أو ابناءك أكثر منك، فهو يسرع لنشرها في الإنترنت قبل حتى أن يبوح بها لك. وعليك حينها أن تعلم أن هنالك خلل في هذه العلاقة، فإن الإنسان إن لم يجد الاهتمام في محيطه، فبطبيعة الحال سيبحث عنه في مكان آخر، حتى لو كان ذلك خارج هذه المجرة.

حين تكون مع شخص ما يمكنك أن تشعر وترى وتلمس اهتمامه بك، أو يلمس هو اهتمامك به، لكن مع غياب الأيدي، والتعابير والصوت كيف يمكنك أن تقيس ذلك؟ في برامج التواصل لا يمكن لك أن تقيس ذلك بسهولة، والطريقة الوحيدة هي الكلمات، وعندما عجزت الكلمات عن إيصال ذلك الكم من الاهتمام، وجدت الايموجي “الوجوه المبتسمة” لتحل محل الملامح؛ ولكن مع تسارع العالم وجريه خلف السراب، لم يعد أحدنا يملك وقتا للآخر، ولأن العالم الافتراضي يواكب حالاتنا، فإن المواقع ابتكرت ما يسمى باللايك، وهو اسرع طريقة لإيصال رسائلنا حسب الطرح، فلايك على صورة يعني اعجاب بها، لايك على طرح يعني تأييد له، لايك على حدث يعني اهتمامك بهذا الحدث، والقائمة تنسدل.

ولكن المشكل في اللايك أنه أكثر صمتا وأقل تعبيرا من الكلمات، ولذا وقعنا في فخ اجتماعي كبير، وهو ملامح وخلفية هذا اللايك، بإمكان أحدهم بكل بساطة أن يمر على كل طرح ويضغط زر الاعجاب دون حتى أن يلقي بالا، دون أن يولي أدنى اهتمام، أو حتى غالبا دون أن يلقي نظرة، نعم بلغة عامية “لايك على الطاير”، قد يتعجب البعض، بينما يبتسم البعض الآخر بخجل لأنه يصنعها.

في محاولة لكشف هذا النوع من الممارسات، قام أحدهم بوضع صورة له على موقع فيسبوك معلنا فيه ارتباطه بفتاة احلامه، وتظهر الفتاة فيه وهي ترتدي خاتما وهي متفاجأة، حصدت الصورة الكثير من اللايكات، وبعدها ببرهة، وضع صورة لفتاة أخرى معلنا فيها ارتباطه بفتاة أحلامه الثانية، وفي ذات الصورة تظهر خطيبته الأولى وهي تبكي في خلفية الصورة، وحصدت الصورة مجموعة كبيرة من اللايكات، وبعدها ببرهة، طرح ما مجموعه أربع صورٍ لخطيباته الجدد ودون تحت كل واحدة “بما أن خطبتي نالت اعجابكم تحمست كثيرا وقررت الارتباط مرة أخرى.

ما أظهرته هذه التجربة أن مجموعة كبيرة من أصدقاءه لم يبالوا أصلًا بالطرح، ولم يلقوا نظرة عليه ولا على ما هو مدون أسفله، في صورة واضحة لما اسميته ” اللايك التسليكي اللا إرادي”، حيث اعتاد البعض المرور بشكل سريع على حساباته والقيام بعمل لآيك وراء الآخر دون أدنى إدراك، حيث تحول هذا لفعل لا إرادي من باب التسليك أو حتى اظهار الاهتمام، وربما تماشيا مع فكرة أعطيه لآيك اليوم، “يرجعهولي بكرة لآيكين” ف

الناس يريدون أن يظهروا اهتمامهم لكل من في قوائمهم، يريدون أن يخبروهم أننا هنا أو أننا نقرأ ونتابع مجريات حياتك ولحظاتك. والذي يشارك لحظاته كالثري أحيانا، يريد أرقاما، أرقاما كثيرة تريه أن هنالك كثيرون يهتمون لأمره، ويعبأون لما يفعل، بينما قد لا يتجاوز الأمر كله سوى عادة جديدة تبناها الإنسان مع تغير عاداته وتصرفاته تبعا للتطور التقني الذي تشهده البشرية؛ فاصبح معتادا أن يوزع اللايكات، كما يوزع الوجبات على سائر اليوم. هو لا يريد ذلك فقط لإشباع تلك الرغبة، بل وكذلك لإظهارها للآخرين، فهو يقول للآخرين انظروا كم أنا رجل مهم، انظروا أنا بطل اللايكات، وهذا ما أسميه، خديعة اللايكات، فاللايكات لا تعني أبدًا أنك رجلٌ مهم، أو أن هنالك مليون شخص يعبأ بك؛ لكنها تعني أنك معروض أكثر على العالم بشكل يتيح مساحة للمزيد من اللايكات التسلكية واللاإرادية.

ملاحظة صغيرة: لا يعني ما قلته بالأعلى أنه لا يوجد من يهتم بك، ولكن أعني فقط، ألا تقيّم ذاتك وأهميتك تبعا للأرقام، فستخسر الكثير ممن يهتمون بك حقًا بينما تطارد الأرقام والاهتمام. ارفع هاتفك، انظر لمن حولك قبل أن تخسرهم، أهلك، ابناءك، أصدقاءك، زوجك/زوجتك الحالية أو حتى المستقبلية التي ربما بدأت تبحث عنها بين ذلك الكم الهائل من اللايكات، وأولئك الذين في منأى عمن حولهم، اظهر اهتمامك حتى لا يصبح من حولك ضحية لهذه الخديعة..

الحزن كملجأ

 

18278440_10155087132055446_8153132838795713486_o

الانسان تحت كل تلك العضلات وذلك الجلد السميك لا يعدو كونه سوى كتلة من الاحاسيس والمشاعر، يؤثر فيها بأفعاله، وتتأثر بها أفعاله، ينظر للفرح دائًما على أنه الشعور الذي يجب أن نحمله بمشيئتنا ورغمًا عنا، وغالبا ينظر للحزن بشكل غير مرغوب فيه، وشيء يجب ع الشخص أن يتفاداه، ويتحاشاه ويخشاه بكل ما يستطيع من قوة وأكاذيب.

الايجابيين وما أدراك مالايجابيين، وأتحدث عن المفرطين في الايجابية، أولئك الذين يغتالون إنسانيتنا ليحولونا لكائنات أحادية الابصار والشعور، يريدونك دائما مبتسما، في وجه الفقد والخسارة والموت، يريدونك أن تتجاهل نوازعك ورغباتك وحاجاتك النفسية، يحاولون اغتيال حقك في المشاعر المتناقضة والمتقلبة والسوداء، كأنك ولدت بعين لا تبكي، وقلب لا يُفجع، وذاكرة لا تنسى. يريدونك أن تبكي بعين وتضحك بالثانية، تزم شفاها وتفغر الاخرى، تعيش نصف كآبة، نصف فقد، وبكل اختصار يريدون نصف أنت

الإنسان زرعت فيها فجوات وهفوات ورغائب، عليه أن يحيا بها ويحياها، ويتحداها، الحزن ليس شبحا أسود، وليس كابوسا نهرب منه كلما حملتنا وسادة قطنية بعد أن اغمض الضوء عينيه. الحزن مشاعر لابد منها، وليس البد في كوننا سنعايشها، بل في كوننا يجب أن نعيشها، نعيشها كاملة دون نقصان ودون تقصير، أن نتمرغ فيه حتى يشبع هو منا ويغادرنا وهو راض عنا تمام الرضى، دون أن تعتريها المبالغة.

يحق لنا أن ننهار داخل جدراننا الداخلية، وأن نصاب بكل تلك الحالة النفسية، أن نحظى على تلك الفرصة دون أن نبالي بما سيظنه أو يقوله الآخرين، أن نمنح أنفسنا فرصة أن نفرغ كل ما في جوفنا، وألا نصغي لأي صوت سوى تلك الأصوات الداخلية الخاصة بنا، لا أصوات التعاطف والشفقة، ولا حتى أولئك الايجابيين الكاذبين على مشاعرنا ومشاعرهم.

دائما ما اسأل، لماذا نعيش الفرح بطوله وعرضه، ثم نتمرد على الحزن بهذا الشكل الباذخ، ونغفل عن أهم نقطة، أنه كلما خدعنا الحزن، كلما كان سقوطنا القادم في قاعه مدويا وذا أثر اكثر تدميرا. يجب أن نعيش الحزن بحجمه وقدره ونعيش حالة الانهيار النفسي كاملة، نفرغ فيها ونُخرج كل الحجارة التي رميناها بداخلها، صدقني حينها فقط قد تستطيع أن تعيش ببال مرتاح، وقلب مطمئن خاشع في محراب الطمأنينة

تأجيل حالاتك يعني استمرار استحضار الفكرة بين الحين والآخر، مما يعني مزيدا من التوتر، ومزيدًا من التوتر يعني أمراضًا عضوية. روبرت سابلوسكي ألف كتابا بعنوان “لماذا لا يصاب حمار الوحش بالقرحة المعدية” في إشارة إلى تعاطي الحمار الوحشي مع حدث كالهروب من أسد مفترس ليس سوى تعاطٍ لحظي، يتلاشى مع نجاته من الحدث، لكننا كبشر نفكر كثيرًا بكل تلك الأشياء الغير منتهية والتي بقيت دون أن تحصل على مساحاتها الكافية من الاهتمام والتعاطي.

لذا، حين تجرح، الجأ للحزن ولا تخدع نفسك بالبقاء صامدا أمام أمواج المشاعر التي تحبسها بسدود التكبر عليها، حين تفترق الجأ للدموع فحبسك لها ليس سوى محاولة فاشلة لإيقافها، لن تعدوا كونها سوى دين سترده، أو حتى مجرد تأجيل لمواعيدها. حين تفشل إلجأ إلى الحسرة، أن تتحسر في لحظتها، خير من أن تأتيك تلك الحسرة مع محاولاتك الفاشلة القادم وستكون حسراتك أكبر من قدرتك على احتمالها. حين يكسر قلبك، إلجأ إلى حالاتك النفسية الأخرى التي لم تمنحها فرصة من قبل، فهي الملجأ الوحيد لتلقي بكل ما بكاهلك من أحمال وأثقال، حتى تفتح مجالا جديدًا لاحتمال ما هو قادم.

ما يبقي البيت

DSC_3729

ذات مرة كتبت “الحب وحده لا يكفي كي يعمر بيتًا.” استاء البعض مما قلته ورفضه آخرون. مع أن القضية ليست تنكرًا على الحب، ولا محاولة انتقام فاشلة لعلاقة حب فاشلة. كل ما في الأمر أنني قلت أن الحب مجرد من بقية التفاصيل لا يحفظ البيوت. فقفز سؤال مهم نهم من بين تلك التساؤلات، “ما الذي يحتاجه البيت إذًا”؟ هنا سأحاول أن أجيب عن هذا السؤال من وجهة نظري الشخصية.

قيل أن الرجل هبط من كوكب والمرأة هبطت من كوكب آخر والتقيا صدفة على الأرض، لهذا المرأة مختلفة كونا وتكوينا عن الرجل، وهذا الكون الذي بداخل المرأة مختلف في أغلب مجراته ومداراته عن كون الرجل، يقال أن الرجل أقل تعقيدًا، ويقال ويقال الكثير، لكن ما يهمنا حقا أننا مختلفون بعض الشيء، ووجب أن يفهم كل طرف هذه الاختلافات، اختلاف الحالات النفسية والأمزجة والمشاعر والاضطرابات الدورية الجسدية والتي ترافقها بتقلبات داخلية كبيرة، فقد تحبك زوجتك اليوم وتكره ملامحك غدا، ثم تعشق رائحة باطن جناحك بعدها بأسبوع. بينما يتقلب مزاج الرجل بين الحين والآخر بحسب ظروف عمله، وما شاهده في التلفاز، أو حتى من تعليقات أمه على ما تفعله شريكته.

ومن جهة أخرى، مر كل طرف منهما بتجارب وظروف وصواعق ورعود كثيرة في حياته، صنعت سماءه وأرضه وحدوده وأفكاره وشكلت تصرفاته وردود أفعاله. تَفَهُمْ أن كل طرف جاء من خلفية مختلفة يعني تَفَهُمْ كل تصرف أو فكرة تبدر منه وأخذها بجدية وعدم التعنت في محاولة تغييرها أو نزعها من شخصيته هو ما يبعد الطرفين من الخلافات؛ فجزء كبير من الخلافات يعود إلى هذه النقطة، عدم قبول عيوب وتصرفات الآخر التي لا تتناسب مع ذوقنا أو أفكارنا أو حتى معتقداتنا، ومحاولة محاربتها والتنازع فيها، عوض عن فهمها ومحاولة الوصول لطريقة للخلاص منها أو حتى تهذيبها بشكل أفضل مما هي عليه وأضعف الإيمان قبولها والتعاطي معها، فلست على الخلق بمسيطر.

من الغريب أننا نحب في هواتفنا تلك الانحناءة في أطرافه، ونلمح تلك الشظية الصغيرة النافرة من باب متجانس، ونسرح في نقطة سوداء في قميص أبيض، وحين تظهر تلك التفاصيل والتهذيبات في حياتنا الاجتماعية، فإننا وبالكاد نلقي لها بالًا، أو نوليها اهتمامًا، كل ما يحدث أننا نتجاهل التفاصيل في علاقاتنا، نلقي بكلمة، نعلق بنظرة، ونثرثر دون انتباه ولا مبالاة، فنجرح ونغضب ونضايق الآخرين، ثم نقول: فلان مفرط الحساسية. كلا ليس هو المفرط، بل أنت مفرط اللامبالاة. ربما يتفهم والداك كل تصرفاتك الطائشة، وتهاونك فيما يخرج من حصانك، وما ترميه من سهام الكلام في قلوب الأنام. ولكن تلك المسكينة التي جلبتها من دار والدها إلى سجن الإهمال والإغفال واللامبالاة ليست معتادة عليك فلا تلم انزعاجها منك، وكذلك بالنسبة لك، فإن كل تصرفاتك مقبولة في بيت والدك، قد لا تبدوا حسنة في عين شريكك، فلا تستائي من انزعاجه.

حين نتحدث في جمع؛ فإننا نفرح حين يكون الجميع مصغيا، ونحزن كثيرا إذا ما شعرنا بحضور الأجسام دون الآذان. وفي زمننا أصبح من الصعب بل ومن النادر الحصول على جلسة دون وجود الهاتف كأداة قطع، والهاتف ليس الشيء الوحيد الذي يؤهل لعدم الاستماع بشكل جيد للآخرين، بل هو أداة من الأدوات التشتيت التي تحيط بنا، ولكن على الرغم من كل هذا، يعد الأداة الأقوى والأشد تشتيتًا. وكما يزعجك ويخط بيديه في صدرك كل تفاصيل الحزن عدم إصغاء أحدهم إليك – خصوصا في المواقف التي تحتاج لتعاطف ومواساة – فإن الآخرين يشعرون بذات النقش. لذا المبالاة والإصغاء والاهتمام بكل تفاصيل الآخر مهم جدًا لحفظ العلاقات، سواء صداقة كانت أم علاقة زوجية، وهي أحد أهم أركان البيت.

الغيرة سلاح ذو حدين، إذا لم يُجد أحد الأطراف استخدامه بما يتناسب مع شخصية الآخر، فإنه بالتأكيد يؤسس لهدم العلاقة الزوجية، وإذا لم يتمكن الطرف الآخر من احتواءه وتفهم حجمه وحدوده ومؤثراته، فإن ذلك يجعل الطرف الآخر عرضة للغرق في الغيرة حد التبلد. فيستحيل الأمر من طرف يغار، إلى طرف غير مبالٍ، وفي حالات أقل سوءً على العلاقة أن يجعل الطرف الغيور عرضة لازمة نفسية وفي أقصى حالاته إلى أزمة ثقة. والثقة وما أدراك ما الثقة، خيط العلاقة الرفيع الذي لا يمكن ترميمه أو إصلاحه إلا بعقدة أبدية.

يجب أن تعلم أن الغيرة شعور متفاوت من شخص لشخص، وثقافة مجتمعنا أسست لكون الرجل شديد الغيرة وأن عليه إظهار هذه الغيرة بشكل عنيف أو متوحش أو متسلط، وإن لم يكن كذلك فهو ديوث. وأن ع المرأة أن تكون كذلك حد الهوس، مما يقحم المتزوجين في حملات تفتيش واسعة تفقد خصوصية كل منهما، وتؤجج نار الخلافات لأسباب تافهة وأحيانا دون أسباب واضحة، علمًا بأن هنالك من يولد دون أن يحمل غيرة، أو حتى دون ملكة التعبير عنها بالشكل الذي يجعل الأنثى -ولست أجمع هاهنا- تشعر بالنشوة. لا إفراط ولا تفريط في الغيرة، ومن وجد أنه لا يملك غيرة، فليتصنعها ولا بأس بذلك. لا تقلق؛ كونك تعاني من هذه المشكلة، لا يعني أنك ديوث وأنك لن تدخل الجنة، فالدياثة لا تعني ضعف الغيرة أو حتى انعدامها.

أما الثقة فينقض غزلها الغيرة المفرطة، والتي حين تخالط سوء الظن يتخلق في رحمها الشك، ومن ثم تنجب المشاكل تباعا، فتنزع من البيت سكينته وطمأنينته. الثقة عامل بناء مهم في العلاقات، والثقة لا تعني أن تكون أحمقًا يرى الخيانة ثم يقول لم أر شيئًا. ولا يعني ألّا تسأل باهتمام أين ستخرج، أو متى تعود، وتعرف من هم أصدقاء زوجك أو صديقات زوجتك.

لست بحاجة لزوجين متطابقين كالتوائم حتى يصلوا لنقاط تفاهم، نحن نختلف في الفكرة والرأي فقط، اختلاف بدون خلاف. البعض يحول اختلافات الرأي والذوق والاهتمامات إلى نزاعات داخلية تخلق فجوة بين الطرفين. “انتِ دائمًا لا يعجبك ذوقي، أنت دائما على صواب وأنا على خطأ” وهذه المصطلحات التي تظهر تحول الطرفين لجبهات حربية يجب أن يكون فيها منتصر. البحث عن انتصارات في النقاشات الزوجية يزرع الكثير من المشاعر السلبية التي إذا ما تراكمت مزقت الكثير من جمالية الزواج. يجب التعاطي مع الاختلافات بشكل عقلاني وهادئ، والاقتناع بألا طرف يمثل القاعدة والآخر هو الشاذ، بل أن كل وجهة نظر تحمل الكثير من المنطقية، وأن على طرف أن يتنازل ليس عن رأيه بل عن العمل برأيه. لا مانع ألا يعجبك الأحمر ولكن لأن شريكك أعجبه فيمكنك أن تطلي به الحائط، لست بحاجة دائما أن تكون على حق فلست كتابًا مقدس، ولست بحاجة لأن تكون مثاليا كنبي، أحيانا عليك أن تساير، أن تضحي، أن تهبط للأرض، وأن تقول للآخر “ربما كنت على حق، لم أنظر لها من هذه الزاوية من قبل”.

التنازل يأتي من المودة، والمودة تبنى من العشرة وكسرة الخبز التي تشاركها الطرفان، فإن لم يتواد طرفان، لن يتنازلا، وبالتالي لن يتفاهما وهلما جرى ستنهار السلسلة تباعا من أسفل هذا المقال وحتى أعلاه دون أن يستطيع أحد بعد ذلك أن يرمم العلاقة. علمًا بأنه ورغم احتمالية سقوط كل ما بالأعلى فالحب مشاعر موجودة تتأرجح وحيدة، قد تذروها رياح الطلاق لعدم قدرة الطرفين على الانسجام والعمل كمؤسسة واحدة همها الأوحد الحفاظ على هذه المؤسسة المقدسة.

همسة أخيرة: لن أتكلم عن الانتقاد المستمر، رغم أن النقد سيء لكنه وحده لا يدمر البيوت، هو قد يؤسس للخلاف وهو ما ادرجته بالأعلى، لكن بكل اختصار حاول أن تكون لطيفا مع شريكك، وإن كان ولا بد أن تنتقد؛ فإما بأسلوب أو بتلميح غير مباشر، فالأكل ليس برواية حتى تسرد عنه نقدًا تفصيليًا نسيت فيه أن كاتبه جلس في المطبخ لساعات طويلة بين لسعات الزيت المتطاير، وجروح السكاكين المنزلقة، وكميات كبيرة من الاهتمام والحب.

هذا المقال قابل للزيادة ولكنه لا يقبل النقص.

خدعة التحفيز

P-0787

الإنسان كائن مخلوق من طين وماء، الماء يمثل 3 أرباعه والأمل يمثل كل أرباعه، بلا أمل الإنسان يفكك لمركبه الأساسي ماء وطين، طري لا يمكنه صنع شيء، ولا يسعه الوصول إلى شيء. الأمل يشعره أن ما يبحث عنه ممكن، وما يحيا لأجله ليس مستحيلًا، وأن الغد يجب وسيكون أفضل من اليوم مهما طال الغد الذي في مرامه. أن تموت من أجل أمل مزيف خير من أن تحيا متلحفًا بالذهب.

قد يظن ظانًا بظن ليس في محله، أن مرادي هو الحديث عن الامل، ومرامي ليس في نطاق حدسه بالطبع، لكن لا علينا فهو هنا كذلك يبحث عن قيد للأمل، لكنني أريد الحديث عن التغيير. عندما تسأل الناس عن التغيير، فالكل سيصفق ويهلل، الكل يريد أن يغير وضعه وحاله ومستقبله، ولو أشرت لهم لما عليهم أن يصنعوه ليصلوا لمبتغاهم، لتولوا وهم معرضون. فالإنسان في نهاية المطاف أسير العادة ورهين الكسل، على الرغم من أن بنية الجسد كلها تشير إلى كونه كائن خلق للحركة، كل المفاصل والعضلات والأربطة والشرايين تقول: أنا متحرك. ولكن الراحة أحد المشاعر المهمة التي تسير حياته وتوجه كثيرا من أفكاره وتصرفاته.

السؤال في هذا المقام كالتالي: هل التغيير مستحيل! بالطبع ليس مستحيلًا، فلست أؤمن بهذا المصطلح في نطاق المعقولات لا الخزعبلات؛ لكنه أصعب مما يبدو عليه. البعض يجعله سهلا وبحاجة لورشة عمل واحدة ستقوم بضخ كل الطاقة التي يحتاجها الإنسان طوال عمره، او يخلق محتوى إيجابي ثم يخلف ساقا فوق الاخرى ويحتسي كوبًا من الشاي وينتظر أن يصبح العالم من فوره خلاقا ومبدعا وأفلاطونيا. وكذلك الحال مع فيديوهات التحفيز.

فيديوهات التحفيز بالنسبة لي خدعة ذهنية مؤقتة ومادة مسلية جدا، تعجبنا وتبهرنا وتشعل فتيل الحماس فينا، ولكنها لا تحرك أطرافنا المكبلة إلا لالتقاط أنفاسنا لهنيهة، وسرعان ما تتلاشى، كوخزة إبرة، كقوس قزح عابر، أو حتى كأول سيل من مياه الدش البارد. أغلب أصحاب التحفيز، لا يجيدون عملًا سوى التحفيز، هم أنفسهم سيفشلون في دائرة أخرى عدى دائرة الامان التي هم فيها. التحفيز يصلح لمبارة، لمعركة، لتجديف سفينة، لكنه لا يصلح لعمل مستمر. حاله حال خطبة الجمعة، يعود المصلين إلى بيوتهم ظانين أنهم سيعودون رسلا، وما أن يخلع نعليه عند الوادي المكدس، ويذهب إلى فرعونه، حتى يعود إلى ما خرج عليه. كمثال تقريبي للقضية، كانت الخطبة على سبيل الاعتباط وليس الإشتراط عن أثر الكلمة الطيبة، وآداب التعامل بين الزوجين، وما أن يعود لزوجته ويحدثها بكلمتين لطيفتين، فتقابله بمزاج متعكر، حتى ينقلب على عقبيه، يسب الدنيا وزوجته.

التعويل على كل هذا للتغير لا جدوى منه، لن أعتبره مضيعة للوقت، على العكس، نحن نعشق هذا النوع من المواد، لأنه يحرك قلوبنا قليلًا، يشعل الأمل الخامد فيها، دونه قد لا نستطيع أن نحيا، فهو وقود البقاء الأقوى. الأمل في أن التغيير سيحدث غدا، سأضعف، سأنجح، سأطير بجناحين. الأمل يلهب الخيال، ويحيي الموتى ويحقن الشجاعة، الأمل يخيط طائرة، ويمزق الحزن ويصنع معجزة. لهذا وجب وجود هذه الماد. لكن الاعتقاد الإيماني بأنها قد تحول البشرية إلى نسخ نيوتنية أو آينشتانية أو ستيف جوبزية هو ما لا أؤيده. لا فرد من هؤلاء استمع لمحاضرة تحفيزية أو خطبة عاطفية؛ بل على العكس، تحدوا العالم الرافض لأطروحاتهم، والمستغرب من تجاوزاتهم الفكرية، حتى وصلوا لمبتغاهم.

النجاح والصدفة قرينان نادرًا ما ينفصلان، ولهذا ضع في حسبانك أن الصدف لها دور كبير في تحويلك من شيء إلى شيء آخر، فالكل يغني ولم يصبح مشهورًا إلا قلة محظوظة، الكل يدون كتبًا عظيمة لا يعلم عنها أحدٌ شيئًا، والكثير ممن يعمل بجد لم يحقق شيئًا، لذا حين تجتمع الصدفة والموهبة أو الصدفة والعمل الجاد، يحظى الإنسان على نجاح، بعيدًا عن فكرة كون الصدفة يمكن خلقها، فهذا أمر آخر.

لست هنا أدعوك لان تنام وتفقد الأمل وترمي بكل شيء خلفك. وكل ما أريد أن أخبرك به هو هذا السر العظيم: لا تكتئب إن لم تصبح صالحا بعد صلاة الجمعة، ولم تصبح نحيفًا بعد أن شاهدت الكثير من الفيديوهات لمن خسروا أوزانهم بعزيمة وإصرار، ولا تبتئس لأنك لم تصبح كبيل غيتس بعد أن قرأت سيرته الذاتية، لا تغضب إن لم تحصل على منصب في مكان عملك رغم أنك الأكثر كفاءة، ولا تحزن إن لم تتغير شبرا واحدًا بعد أن شاهدت كل مواسم برنامج خواطر، فأنت بكل بساطة لست جاهزًا للتغيير، وليست هذه المواد وحدها التي ستحرك عقلك وتغير طريقة تعاطيك مع ما حولك، أنت بحاجة لصفعة فكرية حقيقية تصنع منك إنسانًا آخر، وليس دغدغة عاطفية أدبية، تتلاشى وتنساها كما ستنسى هذا المقال.

الفرح كخبر أول

5ryg4ed

الإنسان عدو ما يجهل، أيا كان الذي يجهله، وقد يؤدي هذا الجهل للخوف أو التوجس، وفي أقصى درجاته إلى الهوس. ليس المشكلة أن تكون مهووسا بمخاوف تحت ذريعة الفوبيا، ولكن أن يتحول هذا الهوس إلى عائق كبير في حياتنا، حينها يستوجب علينا الأمر أن نتحرك نحو إيجاد حل جذري، وأكبر المصائب أن تتحول تلك الفوبيا إلى سبب في تعاستنا، وسوء اتصالنا مع الآخرين وتحويلنا إلى ماكينات للكذب والخداع؛ هنا فقط، يستوجب الأمر أن نبحث عن حل ينتشل هذه المشكلة من جذورها قبل أن تقوى وتتفرع

ككائن حي، لا يمكن لك أن تحيا وحدك -وهذا ما قمت بتدوينه في مقال آخر تحت عنوان لسنا جزرا- فأنت بحاجة للآخر حتى تشعر بوجودك، فالآخر انعكاس لك، ليس كمرآة، بل أوجب من ذلك. الآخر بالنسبة لك دليل على أنك هنا. دليل حتى على مشاعرك وتناقضاتك، ولهذا لا يمكننا الاستغناء عن الآخر في حياتنا، وكلما اقترب الآخر، زاد اهتمامنا بوجوده حولنا ورغبنا في امتلاكه وبقاءه معنا، حتى يصل للمرتبة التي يعد نصفنا الآخر، أو حاضنة لعواطفنا ومقبرة لمشاعرنا السيئة.

الناس يهرعون دائما لمن يتقاسمون معهم الفرحة التي تغمرهم، دائما حين يزف لنا خبر سعيد فإننا ومن فرط البهجة قد ننسى أنفسنا ونهرع لمن نحب ومن نهتم به وإن لم نجده فإننا ننزل على عتبات المحبة المتفاوتة حتى نجد الأقرب ثم الأقرب. ولأن الفرحة لا تسعها قلوبنا وحدنا، نتشاطرها مع الآخرين، وإننا إن لم نفعل، ستعاود تلك الفرحة الضمور والانحسار بلا عودة أبدًا. الاسم الذي يأتي في أذهاننا أولاً حين يسرنا خبر أو إنجاز أو رزق مُنحناه، هو أقرب شخص لنا وأكثر من نشعر أنه سيحمل نفس الفرحة في قلبه دون أن يعتمر قلبه حسد أو حقد أو حسرة، بل هو اول من يقفز لأجلك وقد يقفز قبلك من السرور.

يؤمن المسلمون بالعين إيمانا عظيما لا يمكن الشك فيه، ليس جميعهم طبعا ولكن على أقل تقدير الجزء الأكبر، لن اخوض في جدال عقيم طويل حول وجودها أم لا، ما يعنيني أنني اكاد اشعر بأن البعض يؤمن بالعين أكثر من إيمانه بالله، وهنا تكمن أم المشاكل بشعرها المنكوش. فنحن نجعل من العين شماعة لكل مصائبنا ومشاكلنا، وأقصر مسافة للتبرير عن فشلنا العظيم في أن نصبح أو نصنع ما نريد وكذلك تبرير عدم قدرتنا على الاعتناء والاهتمام بالأشياء. تتجاوز مشكلة شماعة العين الكثير، وأكاد أجزم أن ما علق فيها هو أكثر من طاقتها وقدرتها بكثير، فالبعض يؤمن بالعين بشكل مهووس جدًا يمنعه حتى من أن يشارك خبرًا يسره، أو نعمة رزقه الله بها وجزء من شكرها إظهارها. فيطمسها ويدسها في التراب كالموءودة ويظهر العازة والحاجة والفقر للناس.

أم المشاكل ليس فقط في اخفاء النعم، ومحاولة عدم اظهارها، بل تصل لدرجة الكذب بخصوصها، وحتى إخفائها عمن يحب، فيخفي أمر ترقيته، ويكذب بخصوص امتلاكه لسيارة جديد، ويحتال بخصوص سعر الأشياء الباهظة التي اشتراها، وتخفي تلك حملها، وتخبئ هذه نوع الجنين، ويصل حتى لدرجة أن تخفي أبنائها من امرأة عاقر لم تنجب تود فقط أن تلاطف طفل جارتها لفقدانها لمشاعر الأمومة، ونزعتها الفطرية لأن تحظى بطفل.

كل هذا الكذب والتلفيق والخديعة والنفاق من أجل شيء واحد، ألّا يصاب بالعين، نسي الكاذب أن حبل الكذب أقصر حتى من هذا المقال، وأن الجنين مصيره أن يولد، وإن لم تصبه العين الآن قد تصيبه حين الولادة أو بعد أن يكبر أو حين يبلغ مرتبة أو عندما يشيخ ويهرم، هل ستحيا طول عمرك تركض من شبح لا تدركه ولا تفهمه، هل ستبقى تخشى منه أكثر من خشيتك من أن تخسر الناس مقابل أن تكسب شكوكا ومخاوفا لا يمكنك أن تجزم بها، ما الذي يضمن لك أن الحادث الذي أصابك كان بسبب العين وليس بسبب عطل فني، أو بسبب تهورك، أو حتى بسبب سوء الأحوال الجوية. ما الذي يجعلك تجزمين أن اكتمال نمو ابنك في احشائك يضمن له عمرا مديدًا ويمنعه من الموت بعد الولادة بسنة بشهر بأسبوع أو حتى بيوم. ما الذي يضمن لك أن عدم اخبارك لمن يهتم لأمرك بترقيتك أنك لن تخسر وظيفتك بعدها بشهر، أو تفلس الشركة، ما الذي يؤكد لك أن ما حدث لك حقا حدث لك بسبب العين، وأنت ميقن أن العين من الغيب البحت، أطلعت على الغيب أم اتخذت عند الرحمن عهدا! مالكم كيف تحكمون.

يتكبد المهووسين بالعين الكثير من الخسائر، خسارة تلك اللحظة الغامرة من السعادة والتي يميل الإنسان بفطرته على الهرولة بلسانه ليبوح بها لمن يحبهم أولًا، خسارة القدر على الفرح بفرح الآخرين لفرحه، خسارة أن يكون صادقا واثقا مؤمنا بقدرة الله على حفظه من كل شر وسوء، خسارة أن يحيا مرتاح البال، مطمئن الوسادة، وأكبر خسارة هي خسارة كل من يهتم لأمره ويحبه حين يكتشف حجم الخديعة التي يعيشها المهووس والوهم الذي يرسمه له وانعدام الثقة في أنه ليس ضمن من يتمنى له الشر مهما كان.

الهوس بالعين أدى لتلفيات عظيمة في علاقاتنا مع من حولنا، صرنا كمن يمسك بقطعة من الهواء في أكفنا خشية أن تذروها الرياح، صرنا نكذب ونتهرب ونسرد قصص ألف ليلة وليلة لنتجنب الناس، الناس الذين هم مرآتنا، وكل من يقول ألا يبالي بالناس، يكذب على نفسه، ربما مر بتجربة قاسية جعلته يتوجس خيفة منهم، لكنه لا زال يبحث بينهم عن علاقة لا يجرح منها. لا أقول لك أنشر كل حياتك على الإنترنت أو على فنجان قهوة، ولكل شخص تقابله، فقط تذكر أن هنالك من حولك أناس يهمهم أمرك، وسيفرحون لفرحك، وهنالك من سيحسدك وسيسعى لإفساد ما بين يديك، فتجنب هذا وتمسك بأولائك، وتذكر أمرًا واحدًا، ما تخفيه عن الناس مصيره أن يعرف، وبالمقابل سيخفي من يهمك أمرهم عنك بالمثل.

وفي الختام، من لا يملك من يشاركه أفراحه لن يملك من يشاركه أحزانه، ومن لا يملك ذلك سيغمره الفرح حتى يغرقه فينقلب الفرح حزناً والبهجة ألما ووحدة، يبحث في الوجود عن وجوه يألفها، فلا يجد سوى الطريق يحمل هم وحدته ويدفن بين المارة كل سرور لحظي مر به، فما معنى وجود الفرح ولا يوجد من يشاركنا إياه. الإنسان بلا صديق كالبيت بلا سكان، متزين من الخارج فارغ من الداخل، رغم أن حجره ومساحاته تتسع للكثير، ولكنها تتسع لأي شيء إلا الفرح.

أثر

16195501_10154763996780446_7420587434884022973_n

نبدأ مسيرة الإنسان الجديد بصرختنا الأولى. إجهاشتنا الطويلة. صرخاتنا المتتالية. نصرخ في وجه الحياة من أول لحظة لنا، فنحن عاجزين كليًا، لا نملك من القوة إلا ما يخولنا لتحريك أطرافنا الصغيرة، ولا نملك من الإدراك إلا فطرتنا، حاجتنا للطعام، حاجتنا لرائحة مألوفة، حاجتنا للهدهدة وللشعور بالأمان. نحبو في محاولتنا للوصول إلى مرادنا في عالمنا الصغير، لعبة بعيدة، صدر حنون، أو أي شيء نستطيع أن نتناوله بأيدينا.

نكبر فنتعلم المشي؛ يبدوا حينها الوصول إلى رغباتنا أكثر سهولة وأسرع. نخربش على الحيطان. نكسر الألعاب بحث عن متعة جديدة بداخلها، نحاول أن نستكشف غموضها؛ فهكذا ولدنا، ولدنا برغبة المعرفة والبحث. نكبر وقد اصطبغنا بمحيطنا، بأهلنا، بابن جارتنا، بتلك الألوان المتراقصة في الشاشة، أو حتى في ستار الليل. نتعلم التواصل بشكل أفضل، نتحدث، نثرثر عن أحلامنا الصغيرة، عن أمنياتنا، عن لعبة نود اقتنائها، عن قبلة نريد أن تطبع على وجوهنا.

عالمنا الصغير لا يعرف المستحيل، نتخيل أنفسنا أبطالًا خارقين، نظن أن بإمكاننا أن نصبح أسرع العدائين، وأقوى المحاربين، أمهر الأطباء، وأكبر الفنانين والممثلين. نكبر قليلًا، قليلا جدًا ونبدأ في رسم حدودٍ لمقدراتنا، القفزة لا تصل إلى السماء، اليد لا تصل إلى البعيد، القوة لا تشبه قوى رافع الحديد.

أحلامنا بدأت تتشكل وتأخذ أطوارًا أقل خيالًا، نكبر أكثر فتصبح أحلامنا بلا خيال، وكل طموحاتنا أقرب إلى الحقيقة منه إلى المحال، نقلد فنانًا، نحاكي هدافًا، نمثل دور الطيار والمقاتل. الآن لم يعد الحائط يناسبنا، نبحث عن ورقة بيضاء نقية كقلوبنا التي لا تعرف الكراهية والضغينة.

خربشة أولى محاولاتنا، أولى خيالاتنا، نهديها حين ننتهي لمن نحب، نكبر أكثر نرتقي سلم العلم، أحلامنا الآن موجهة، وأكثر تركيزا، نعلم ما نريد ونطمح بالطبع في المزيد، ولأننا نخشى أن نموت أن نموت وحيدين، نخشى من فكرة أن نحيا دون أن نرى رأسًا يومئ للحديث، أو قلب يصغي لأوجاعنا، ويسمع حكايانا، يربت على أكتافنا، ويقف على خشبة المسرح ليصفق لتفاهاتنا، وانجازاتنا. يشعرنا وأنه وبين كل هذا الحضور العظيم، هنالك يد نألف تصفيقها تشعرنا بالأمان، وتزيل منا رهبة المكان.

نفتش عن الحب، نفتش عنه بين طيات الكتب، وتحت ظلال السحب، خلف شاشات الهواتف والحواسيب، وخلف نوافذ البيوت، وبعد ليلة مليئة بالمصابيح والبهجة، نكمل مسيرة الإنسان، نبحث عمّا يميزنا، عما يجعلنا مختلفين، نسعى أن نكون الأفضل، أن نصبح الأثرى، أن نغدو الأذكى وأن نمسي الأفضل، كل فردٍ منا يريد أن يصنع مجدًا لنفسه، يحاول أن ينعتوه بالعظيم فيما هو ماهر فيه، يخفي ذلك تحت سترته، أو بين تمثيليات تواضعه. لا أحد متواضع، الكل يريد أن يُثنى عليه ويمدح، ذك لجاهه وسلطانه، وهذا لعلمه وعبقريته، والآخر لفنه وسحر صوته أو رسمه، أو حتى لمسرحية تواضعه، فنحن وفي مسيرتنا يريد كل فردٍ منا أن يقول أنا هنا، أو أنا كنتُ هنا، فهذا هو وهم الخلود، فأقل درجات الخلود أن نترك خلفنا أثر.

ماذا تنتظر، انهض، انهض يا عزيزي من ركام الرتابة، وقم حتى يبقى لك هاهنا أثر. ‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎