ليتني لم أتزوج

.

DSC_4287

مقدمة: علماء النفس يؤمنون أن البشر يجتمعون في صفات، ويختلفون في صفات أخرى، تلك الصفات التي تحددها ظروفهم، ولأن ظروف الجميع ليست ولن تكون متشابهة؛ قد لا تجد أن هذا المقال يتحدث عنك، أو حتى يتحدث حتى عني. إن كنت هنا أو لم تكن، لا بأس بأن تؤمن بأن هذا النص قد يعود عليك بالفائدة.

الزواج بداية مشوار جديد، وشراكة بين طرفين جمعتهما الصدفة والقدر، وقواسم مشتركة وعادات وتقاليد، وحالات قسرية وعرفية وطرق أخرى غير شرعية. يتعارف الطرفان ويتفقان. بين فترة وجيزة، وسنوات عديدة. نظن أن طول المدة سيبني معرفة كافية وكفيلة بأن تقرر وتؤكد مستقبل السعادة الزوجية كثيرًا، ولكن احتمال قابلية حدوث ذلك صعبة وقد تضمنها في حالة واحدة فقط “في حال ضمنت أن طرفي القضية غير قابلين للتغير” وهذا مستحيلٌ استحالة الحلم العربي.

العقل يعمل بشكل يضمن استقرار هذا الكائن، لذلك دائما ما يحاول استعادة اللحظات السعيدة والجميلة، بينما يسعى جاهدا لدفن التجارب والمواقف السيئة التي مر بها الشخص، ليحافظ على تدفق الهرمونات التي تبعث على راحة الجسد وتقلل من الدخول في حالات حزن أو أسي أو حتى حسرة، وذلك لضمان قدرتنا على تجاوز الأزمات والمصائب التي تحل بنا. ومن لا يملك هذه القدرة الرائعة، غالبا ما يكون أسير الاكتئاب وهو ما يقود بعض هؤلاء البؤساء للانتحار.

بعد الرؤية الشرعية أو النظرة الجامعية – يمكنك الرجوع لهذا المقال في المدونة – نبدأ في التعارف ومحاولة إيجاد الحلقات المتشابهة التي تجعل من الممكن لمن اعجبنا به وارتحنا لملامحه أن نرتبط معه بذلك العَقد الأبدي بظننا. في الفترة الأولى نرى تلك التي لمحناها أجمل فتاة، وذلك الذي زارنا أوسم رجل. نبدأ في جلسة واحدة نتخيل أن سنواتنا ستكون زاخرة بالفرح مفتقرة للحزن والكآبة، لا يأتي على خاطرنا أي فكرة سوداء، ولا يزورنا هم ولا تراودنا الخلافات عن نفسها البتة، كل شيء يبدو كمشهد في قصة سندريلا.

نُظهر في شهورنا الأولى كل الخير الذي بداخلنا. لا تكاد تفارقنا ثياب الملائكة، وشياطيننا لا تعرف مكانا في تصرفاتنا. نرسم الأحلام والأوهام وقصص الأطفال والعائلة المثالية. نظن بأننا ما أن نلج إلى قلعتنا فإننا سنولد من جديد بلا خطيئة. المدمن سيستقيم، والعاهرة ستمسي مخلصة، والمجنون سيصبح عاقلا؛ وكأن الزواج بعث جديد.

وقبل أن ننصدم بواقع كوننا مجرد بشر تطاردنا خطايانا التي نحاربها حتى ننتصر أو تنتصر هي؛ نقع في فخ آخر ما أن تدق نواقيس الزواج. فخ المقارنة؛ وكأن ميلاد العيون كان في تلك الليلة. يرى الشاب أن خياراته المحدودة قبل الزواج باتت أكبر من أن يحتمل بصره أو تتسع له خاناته الأربع. يرى صديقات عروسه، وبنات عماته، يتذكر حبيباته السابقات وبنات جيرانه، وكل الفتيات الذين في العالم يمرون على بصره كشريط الموت. المشهد أوسع من أن يحصره، يمسح من وجهه الذي تصبب عرقا كل تلك الفرص التي لم تطرح على طاولته قبلا، ثم يزيد الطين بلة أن يسمع همس بعض النسوة “هو أحلى منها” يعود محاولا التبسم في وجه عروسه التي بات يراها أبشع مما هي عليه.

بينما تأتي هذه الحالة متأخرة عندها هي، فهي ستراه أجمل البشر، لكن حين تبدأ لحظات الخلاف المتكرر ومحاولات التأقلم في المرحلة الأولى، تبدأ في البحث بين الأسماء والأشكال التي تعرفها عن ألطفها، وإن لم تجد فستبحث عن وجه أبيها وما يشبهه، وتبدأ في طلبات الطلاق المتكررة، فهي ترى في الطلاق حل لكل مشاكلها ووسيلة ضغط مستمرة وورقتها الرابحة الوحيدة، وحين تفشل تتمنى أنها لم تتزوج.

يعود كل طرف إلى صومعته، يتذكر كيف كان سعيدا قبل الزواج، وكيف كانت حياته أسهل وأقل مشاكلا من اليوم. يبدأ في تذكر أسماء زميلاته فاطمة، نورة وياسمين. يثرثر مع نفسه “لو أمكنني فقط أن ارجع بالزمن لأتزوج بخولة” هذا في أفضل الاحتمالات وفي أسوأها يتمنى لو ماتت وعاش حياته أرملا. حياة بسيطة بلا تعقيدات الزواج، يتأخر مع أصدقاءه، يسهر، يسافر، ويعود للبيت دون وجع رأس أو مسائلات أين كنت وأين ذهب ومتى تعود.

صورة الأعزب السعيد تتعاظم في ذهن كل منهما، النوم حتى وقت المغيب، الحرية، وكل لحظات السرور والفرح التي يشتاق لها. لكن بطبيعة الحال ولإنه إنسان، ينسى كل تلك الأيام التي جلس فيها عند البحر، يبحث عمن يصغي إليه، من يسير بمعيته، من يمسك بيده، من يساعده ويشاوره ويدللـه، من يخرج من أنقاضه تلك المشاعر المدفونة والمكبوتة فيه. ينسى كل تلك اللحظات ببساطة لأن العقل البشري يستعيد اللحظات السعيدة بسهولة، ويحتفظ بها لفترات أطول، بنفس الوقت فإنه ينظر لكل اللحظات التعيسة والخلافات المتكررة التي مرا بها؛ ظالما نفسه وزواجه الذي قد يكون ناجحا ولكنه بحاجة للرعاية والاهتمام والمصارحة وأهم من كل هذا القبول.

قد لا يكون زوجك قبيحا أو سيئا، وقد لا تكون زوجتك بشعة، كل ما في الأمر أنك تتوق لحرية الخيارات، وما هو إلا وهم سيوقعك في فخ تأجيل الزواج حتى تموت دون أن تحظى على الشخص المناسب الذي طالما حلمت به، وقد تبحث أو تبحثين عن مجموعة أشخاص في زوجك، أو كما يفعل البعض، يبحث في تصرفات توأمه عن والديه في الطرف الآخر، وهذا ظلم كبير لنفسك وللآخر، فإنك لتحصل على فتى أو فتاة أحلامك، عليك أن تضع مجموعة من معارفك في خلاطة.

ليتني لم اتزوج خاطرة عابرة تتلاشى بعد تأملك في توأمك بإنصاف، بعد أن تستعيد كل اللحظات التي لم تكن لتكتمل دونه، بعد أن ترى توأمك عبر عيون الآخرين وليس عبر القماش الذي نسجته له في مخيلتك، هكذا ببساطة سترى جماله ولن ترى سواه في وجوه الآخرين.

خدعة التحفيز

P-0787

الإنسان كائن مخلوق من طين وماء، الماء يمثل 3 أرباعه والأمل يمثل كل أرباعه، بلا أمل الإنسان يفكك لمركبه الأساسي ماء وطين، طري لا يمكنه صنع شيء، ولا يسعه الوصول إلى شيء. الأمل يشعره أن ما يبحث عنه ممكن، وما يحيا لأجله ليس مستحيلًا، وأن الغد يجب وسيكون أفضل من اليوم مهما طال الغد الذي في مرامه. أن تموت من أجل أمل مزيف خير من أن تحيا متلحفًا بالذهب.

قد يظن ظانًا بظن ليس في محله، أن مرادي هو الحديث عن الامل، ومرامي ليس في نطاق حدسه بالطبع، لكن لا علينا فهو هنا كذلك يبحث عن قيد للأمل، لكنني أريد الحديث عن التغيير. عندما تسأل الناس عن التغيير، فالكل سيصفق ويهلل، الكل يريد أن يغير وضعه وحاله ومستقبله، ولو أشرت لهم لما عليهم أن يصنعوه ليصلوا لمبتغاهم، لتولوا وهم معرضون. فالإنسان في نهاية المطاف أسير العادة ورهين الكسل، على الرغم من أن بنية الجسد كلها تشير إلى كونه كائن خلق للحركة، كل المفاصل والعضلات والأربطة والشرايين تقول: أنا متحرك. ولكن الراحة أحد المشاعر المهمة التي تسير حياته وتوجه كثيرا من أفكاره وتصرفاته.

السؤال في هذا المقام كالتالي: هل التغيير مستحيل! بالطبع ليس مستحيلًا، فلست أؤمن بهذا المصطلح في نطاق المعقولات لا الخزعبلات؛ لكنه أصعب مما يبدو عليه. البعض يجعله سهلا وبحاجة لورشة عمل واحدة ستقوم بضخ كل الطاقة التي يحتاجها الإنسان طوال عمره، او يخلق محتوى إيجابي ثم يخلف ساقا فوق الاخرى ويحتسي كوبًا من الشاي وينتظر أن يصبح العالم من فوره خلاقا ومبدعا وأفلاطونيا. وكذلك الحال مع فيديوهات التحفيز.

فيديوهات التحفيز بالنسبة لي خدعة ذهنية مؤقتة ومادة مسلية جدا، تعجبنا وتبهرنا وتشعل فتيل الحماس فينا، ولكنها لا تحرك أطرافنا المكبلة إلا لالتقاط أنفاسنا لهنيهة، وسرعان ما تتلاشى، كوخزة إبرة، كقوس قزح عابر، أو حتى كأول سيل من مياه الدش البارد. أغلب أصحاب التحفيز، لا يجيدون عملًا سوى التحفيز، هم أنفسهم سيفشلون في دائرة أخرى عدى دائرة الامان التي هم فيها. التحفيز يصلح لمبارة، لمعركة، لتجديف سفينة، لكنه لا يصلح لعمل مستمر. حاله حال خطبة الجمعة، يعود المصلين إلى بيوتهم ظانين أنهم سيعودون رسلا، وما أن يخلع نعليه عند الوادي المكدس، ويذهب إلى فرعونه، حتى يعود إلى ما خرج عليه. كمثال تقريبي للقضية، كانت الخطبة على سبيل الاعتباط وليس الإشتراط عن أثر الكلمة الطيبة، وآداب التعامل بين الزوجين، وما أن يعود لزوجته ويحدثها بكلمتين لطيفتين، فتقابله بمزاج متعكر، حتى ينقلب على عقبيه، يسب الدنيا وزوجته.

التعويل على كل هذا للتغير لا جدوى منه، لن أعتبره مضيعة للوقت، على العكس، نحن نعشق هذا النوع من المواد، لأنه يحرك قلوبنا قليلًا، يشعل الأمل الخامد فيها، دونه قد لا نستطيع أن نحيا، فهو وقود البقاء الأقوى. الأمل في أن التغيير سيحدث غدا، سأضعف، سأنجح، سأطير بجناحين. الأمل يلهب الخيال، ويحيي الموتى ويحقن الشجاعة، الأمل يخيط طائرة، ويمزق الحزن ويصنع معجزة. لهذا وجب وجود هذه الماد. لكن الاعتقاد الإيماني بأنها قد تحول البشرية إلى نسخ نيوتنية أو آينشتانية أو ستيف جوبزية هو ما لا أؤيده. لا فرد من هؤلاء استمع لمحاضرة تحفيزية أو خطبة عاطفية؛ بل على العكس، تحدوا العالم الرافض لأطروحاتهم، والمستغرب من تجاوزاتهم الفكرية، حتى وصلوا لمبتغاهم.

النجاح والصدفة قرينان نادرًا ما ينفصلان، ولهذا ضع في حسبانك أن الصدف لها دور كبير في تحويلك من شيء إلى شيء آخر، فالكل يغني ولم يصبح مشهورًا إلا قلة محظوظة، الكل يدون كتبًا عظيمة لا يعلم عنها أحدٌ شيئًا، والكثير ممن يعمل بجد لم يحقق شيئًا، لذا حين تجتمع الصدفة والموهبة أو الصدفة والعمل الجاد، يحظى الإنسان على نجاح، بعيدًا عن فكرة كون الصدفة يمكن خلقها، فهذا أمر آخر.

لست هنا أدعوك لان تنام وتفقد الأمل وترمي بكل شيء خلفك. وكل ما أريد أن أخبرك به هو هذا السر العظيم: لا تكتئب إن لم تصبح صالحا بعد صلاة الجمعة، ولم تصبح نحيفًا بعد أن شاهدت الكثير من الفيديوهات لمن خسروا أوزانهم بعزيمة وإصرار، ولا تبتئس لأنك لم تصبح كبيل غيتس بعد أن قرأت سيرته الذاتية، لا تغضب إن لم تحصل على منصب في مكان عملك رغم أنك الأكثر كفاءة، ولا تحزن إن لم تتغير شبرا واحدًا بعد أن شاهدت كل مواسم برنامج خواطر، فأنت بكل بساطة لست جاهزًا للتغيير، وليست هذه المواد وحدها التي ستحرك عقلك وتغير طريقة تعاطيك مع ما حولك، أنت بحاجة لصفعة فكرية حقيقية تصنع منك إنسانًا آخر، وليس دغدغة عاطفية أدبية، تتلاشى وتنساها كما ستنسى هذا المقال.

أثر

16195501_10154763996780446_7420587434884022973_n

نبدأ مسيرة الإنسان الجديد بصرختنا الأولى. إجهاشتنا الطويلة. صرخاتنا المتتالية. نصرخ في وجه الحياة من أول لحظة لنا، فنحن عاجزين كليًا، لا نملك من القوة إلا ما يخولنا لتحريك أطرافنا الصغيرة، ولا نملك من الإدراك إلا فطرتنا، حاجتنا للطعام، حاجتنا لرائحة مألوفة، حاجتنا للهدهدة وللشعور بالأمان. نحبو في محاولتنا للوصول إلى مرادنا في عالمنا الصغير، لعبة بعيدة، صدر حنون، أو أي شيء نستطيع أن نتناوله بأيدينا.

نكبر فنتعلم المشي؛ يبدوا حينها الوصول إلى رغباتنا أكثر سهولة وأسرع. نخربش على الحيطان. نكسر الألعاب بحث عن متعة جديدة بداخلها، نحاول أن نستكشف غموضها؛ فهكذا ولدنا، ولدنا برغبة المعرفة والبحث. نكبر وقد اصطبغنا بمحيطنا، بأهلنا، بابن جارتنا، بتلك الألوان المتراقصة في الشاشة، أو حتى في ستار الليل. نتعلم التواصل بشكل أفضل، نتحدث، نثرثر عن أحلامنا الصغيرة، عن أمنياتنا، عن لعبة نود اقتنائها، عن قبلة نريد أن تطبع على وجوهنا.

عالمنا الصغير لا يعرف المستحيل، نتخيل أنفسنا أبطالًا خارقين، نظن أن بإمكاننا أن نصبح أسرع العدائين، وأقوى المحاربين، أمهر الأطباء، وأكبر الفنانين والممثلين. نكبر قليلًا، قليلا جدًا ونبدأ في رسم حدودٍ لمقدراتنا، القفزة لا تصل إلى السماء، اليد لا تصل إلى البعيد، القوة لا تشبه قوى رافع الحديد.

أحلامنا بدأت تتشكل وتأخذ أطوارًا أقل خيالًا، نكبر أكثر فتصبح أحلامنا بلا خيال، وكل طموحاتنا أقرب إلى الحقيقة منه إلى المحال، نقلد فنانًا، نحاكي هدافًا، نمثل دور الطيار والمقاتل. الآن لم يعد الحائط يناسبنا، نبحث عن ورقة بيضاء نقية كقلوبنا التي لا تعرف الكراهية والضغينة.

خربشة أولى محاولاتنا، أولى خيالاتنا، نهديها حين ننتهي لمن نحب، نكبر أكثر نرتقي سلم العلم، أحلامنا الآن موجهة، وأكثر تركيزا، نعلم ما نريد ونطمح بالطبع في المزيد، ولأننا نخشى أن نموت أن نموت وحيدين، نخشى من فكرة أن نحيا دون أن نرى رأسًا يومئ للحديث، أو قلب يصغي لأوجاعنا، ويسمع حكايانا، يربت على أكتافنا، ويقف على خشبة المسرح ليصفق لتفاهاتنا، وانجازاتنا. يشعرنا وأنه وبين كل هذا الحضور العظيم، هنالك يد نألف تصفيقها تشعرنا بالأمان، وتزيل منا رهبة المكان.

نفتش عن الحب، نفتش عنه بين طيات الكتب، وتحت ظلال السحب، خلف شاشات الهواتف والحواسيب، وخلف نوافذ البيوت، وبعد ليلة مليئة بالمصابيح والبهجة، نكمل مسيرة الإنسان، نبحث عمّا يميزنا، عما يجعلنا مختلفين، نسعى أن نكون الأفضل، أن نصبح الأثرى، أن نغدو الأذكى وأن نمسي الأفضل، كل فردٍ منا يريد أن يصنع مجدًا لنفسه، يحاول أن ينعتوه بالعظيم فيما هو ماهر فيه، يخفي ذلك تحت سترته، أو بين تمثيليات تواضعه. لا أحد متواضع، الكل يريد أن يُثنى عليه ويمدح، ذك لجاهه وسلطانه، وهذا لعلمه وعبقريته، والآخر لفنه وسحر صوته أو رسمه، أو حتى لمسرحية تواضعه، فنحن وفي مسيرتنا يريد كل فردٍ منا أن يقول أنا هنا، أو أنا كنتُ هنا، فهذا هو وهم الخلود، فأقل درجات الخلود أن نترك خلفنا أثر.

ماذا تنتظر، انهض، انهض يا عزيزي من ركام الرتابة، وقم حتى يبقى لك هاهنا أثر. ‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎

الانطباع صفر

correcting-bad-first-impression

العلاقات الإجتماعية من أشد الأمور تعقيدًا وتركيبا، فصعب المحافظة على العلاقات دون الكثير من الصيانة والمعالجة والمناقشة والمصارحة، أي علاقة لا تقوم على أسس متينة تنهار، وأي علاقة تبنى على مصلحة تتفكك، وأي شخص يظن أن العلاقة الإجتماعية هي علاقة تواجد ومعرفة، خاب مسعاه في تكوين تواطد وقرب أبدي، فليس كل من تعرفه قريب، وليس كل من تجهله سيبقى بعيدًا للأبد.

لا يمكن لك أن تترك علاقتك تقلبها رياح الظنون، أو تلاطمها أمواج سوء الفهم وضعف التواصل والإتصال، بل لا يحق لك ذلك. أي علاقة بحاجة لجهد، وتنازلات، وأحيانا تضحيات مستمرة للحفاظ عليها، كما أن الصراحة والعتاب دون مبالغة لهما مردود جميل، فهو يبدد أي سوء ظن أو فهم، ولكن ولأن كل هذا يحتاج لمجهود نفسي وذهني وبدني وأحيانا مادي؛ فإن البشر غالبًا ما يخفقون في علاقاتهم ويخسرون صداقاتهم بل وربما أقربائهم.

إن أول مدمر أو مانع للعلاقات الدائمة والمتينة هو الإنطباع الأول، فهو الخطوة الأولى في بنائها، وبوابة الدخول أو الخروج، فخلال أول خمس ثوانٍ يقيم كلا طرفي المعادلة الآخر بشكل مختلف ولكن تحت ذات الإطار “مدى ودية الشخص” و “مدى إمكانية الوثوق به”، وهو أهم عنصرين في معادلة الانطباع الأول. والطريف هو أننا دائمًا نقول ونردد ونثرثر عن عدم اهتمامنا بالمظهر، إلا أننا نعتمد وبنسبة تفوق 80% على مظهر الطرف الآخر وشكله في تحديد الانطباع الأول، يلي ذلك طريقة كلامه، ثم لغة جسده.

وعلى الرغم من تأثير الانطباع الأول الكبير في بناء ونشأة العلاقات، إلا أن هنالك مدمر أكبر للعلاقات وهو أحد أسباب العداوات الاجتماعية غير الناشئة #الانطباع_صفر، بالنسبة لي أرى أن الانطباع صفر هو انطباع منسوخ شبه مؤقت يأتي من خلال كلام الناس وحديثهم حول شخص ما، إما عبر الحوارات العابرة، أو حتى عبر التحذير المباشر، فتجد مجموعة من الأفراد يتحدثون عن أحدٍ بالإسم بأنه لص، أو كاذب أو خلوق، وعلى أثر ذلك يبدأ الإنسان ببناء تركيبة معرفية مبدئية للشخص، تجعله في حال التقى الشخص المعني يبحث في كل تصرفاته عما يؤكد ما قيل عنه غالبًا أكثر من محاولته نفي كل تلك الصفات التي اتهم بها هذا الشخص.

الانطباع صفر قد يلغيه الانطباع الأول، ولكن ليس بشكل تام، ستبقى تلك الصفات التي حددت من قبل الآخرين قيد البحث لفترة طويلة بشكل يعيق العلاقات ويمنع استمرارها أو حتى يبقي على فواصل وحدود وهمية تمنع توطيدها، قد يعاني البعض في التخلص من الانطباع صفر كون البعض يبني على أساسه الانطباع الأول، متجاهلًا كل ملامح الشخصية من المظهر، وطريقة الكلام، وحتى لغة جسد لن تكون فاعلة.

كم مرة سمعت أو اصغيت لحديث عن أحدهم، نعت بصفات محددة وحين التقيته لم تجد أيًا منها، وكم كابدت لتنفض عن رأسك تلك الاتهامات التي قيلت عنه. كم مرة تحدثت عن رأيك السلبي بشخص ثم وجدت علاقته توطدت مع من أخبرتهم برأيك عنه، كم مرة وجدت نفسك رهين اتهامات قبل أن تكون علاقتك مع أشخاص جدد، وبعد سنوات أو حتى شهور أطلعوك عليه مما جعلك في صدمة نفسية، ولربما جعلك تضحك. حدث كثيرًا… كلنا نقع في ذات الشَرَكْ، ولا نجد فكاكا منه.

كلنا نتغير، أنا وأنت ومن حولنا، ليس بالضرور أن الآخر هو من تغير، ربما لم نفهمه جيدًا وحسب، وربما لم يوضع في ذات الموقف ونفس التفاصيل التي تجعل منه شخصًا أنانيًا أو فظًا، أو حتى ترغمه على الكذب. لا يمكن لنا أن نحصر احتمالات تصرف شخصٍ ما حسب ما نراه نحن، الإنسان مخلوق عاطفي، وأحيانا كثيرة مزاجي، لهذا لن تجد قانونًا واحدًا يحدد رد فعله مع كل المواقف لذلك ولاستمرارية العلاقات والتأكد من ثباتها؛ عليك بالاستفسار والسؤال والعتاب والكثير الكثير منا العناية. حتى لو تغير الشخص وأصبح محبوبًا، إن لم يكن تعنيك صداقته؛ فلا تحرم الآخرين منها، وتذكر دائمًا أنك لن تعرف أحدهم حتى تعاشره، فاترك عنك الانطباع الأول، ولا تصغي للانطباع صفر.

مقابرنا الجديدة

قمت بفتح الفيسبوك قبل عدة أيام اتفقد الرسائل القديمة وقائمة الأصدقاء وذكريات الفيسبوك، الشعور الذي واتاني لم يكن يوصف، أفقدني الإحساس بالوقت الذي تسرب من بين كفي نقرة تلو نقرة، وانزلاق يليه انزلاق؛ فدونت بشكل مقتضب على حسابي في تويتر “أتعس ما في ذكريات الفيسبوك أنك ستجد روحك القديمة، الغائبون عنك، ونقاشات لك مع أشخاص لا أثر لحساباتهم.”، لكنني سرعان ما وجدت بعدها ما هو أكثر تعاسة منه، حين وجدت بعض الحسابات الخاصة بالذين رحلوا وغادروا الحياة، وتركوا خلفهم جزء من أرواحهم العالقة في دهاليز الإنترنت وممراته.

منذ أن اخترعت أدوات الحفظ كالمسجل والكاميرة، بات من الصعب النسيان والمضي قدمًا، وبالنسبة للبعض بات الوصول للمرحلة الأخيرة من مراحل الحزن الخمسة لنموذج كيوبلر روس (الإنكار، الغضب، المساومة، الاكتئاب والتقبل) أصعب مما كان عليه في السابق؛ لأننا قد نعاود فتح كل تلك التفاصيل التي نحتفظ بها، دون الحاجة للتنقيب عنها بين اشيائنا وداخل صناديقنا القديمة في لحظة حزن عابرة، أو اشتياق مترف، بل أمست متاحة بين أيدينا، نفتحها بإرادتنا، وتفتح لنا رغمًا عنا تحت مسمى “في مثل هذا اليوم”، تلك اللفتة التي تحمل في مظهرها الكثير من الجمال، وفي جوهر واقع البشر الكثير من حكايا الفراق والاشتياق.

كم مرة دخلت سرا لملف محبوبتك السابقة، كم مرة مارست خفية تأملاتك العظيمة لكل تلك الصورة المخزنة في مجلدات مواقع التواصل الاجتماعية، لحظاتك مع أصدقائك القدامى الذين فرقتك عنهم الأماكن والهموم والخلافات. كم مرة أصغيت لأغنية سجلتها زوجتك الراحلة، أو تأملت صورة لقبلة أمك الأخيرة، أو صورة أخذت لك خفية ووالدك يربت على كتفك طالبًا منك ألا تبكي بينما يغمض عينيه ليتلاشى ويبقي لك منه جسده وكثير من الذكريات والحزن. كل تلك الأشياء بتنا نمارسها لأنه لم تعد مساحات البيت تكفي لوجود صناديق تحمل أشرطة تسجيل أو صور مطبوعة قضم أطرافها الزمن.

مع تقدمنا في العمر، سيمسي الفيسبوك بالنسبة لنا مقبرة إلكترونية، تغنينا عن الحاجة للذهاب لزيارة قبر من نحب، نخط قصيدة وجع، أو ننثر دعاء مخضب بالدموع، أو نشارك لحظة حفرنا تاريخها في قاعدة بيانات الموقع على حائطه. ليس الذهاب للقبر سوى محاولة يائسة منا للوصول إلى ما بقي من كيان لمن نحب، نحاول أن نسترجع من خلاله الذكريات، وننثر على الثرى ادعية وأشواقًا، ونحيل التراب إلى بقع من مجهرية من الطين، ونغرس الورد وبعض الحنين، ونسرد للأحبة كم أن الدنيا باتت بلا طعم ولا رائحة مذ رحلوا. ولمّا أصبح الملف الشخصي للناس جزء من كيانهم الخالد والذي لا ينسى، سيمسي بذلك مقبرة مثالية لمن فارقونا نمارس فيه زياراتنا، دون أن نكون بحاجة للقول بأنكم السابقون ونحن اللاحقون، دون أن نتيه بحثًا عن ذلك الشاهد الذي يحمل تاريخ الميلاد والممات، بل إن آخر ما نشره سيكون هو تاريخ الوفاة الافتراضي، الذي سيبقى شاهدًا أنه توقف عن عبور برمجيات الموقع وشبكاته في ذلك التاريخ، لن تحتاج لشهادات وأوراق رسمية وكفن، كل ما ستحتاجه أن تقوم بعمل مشاركة تعنونها “في مثل هذا اليوم، كان هذا آخر ما دونه الفقيد.

وعلى هذا الأثر، وكحال ما تصنع بعض المذاهب بأن تترك الرفات كجزء من إرث عائلي، فإن البعض قد يعتبر أن الفيسبوك يجب أن يتحول لإرث يحييه الوَرَثة؛ فهو ليس مجرد رفات لجسد احرق، هو صفحة تمثل شخصية، وفكر ولحظات الراحل، وإن أمعنا قليلًا النظر في ملامح الإرث، سنجد أنه تمثل كيانًا، كيانا لا يمكن له أن يتلف أو يشوه أو يموت، لذلك يرى بعض الفلاسفة أنه جزء من معنى الخلود الذي يبحث عنه الإنسان، فكلما أردت أن تجالس راحلًا، كل ما عليك هو أن تمر من خلال منشوراته، مقاطع الفيديو التي شاركها، أو حتى تصغي لتسجيلاته الصوتية.

لكن يبقى لكل شيء وجهان، وجه قبيح ووجه حسن، فكم نحن محظوظون أن نموت في زمن لا يمكن لنا فيه أن نُنُسى، وكم نحن تعساء لأننا نحيا في هذا الزمن.

أشياء مستعارة

14124089_10154313703845446_1746019089_o

من السهل أن نخبر الناس بأننا بخير وإن كانت دواخلنا كلها تنزف، من السهل حمل ملامح مستعارة، وإظهار مشاعر مستعارة، وتوزيع ابتسامات هي الأخرى مستعارة. من السهل ألا نثرثر عمّا يضايقنا، ليس خوفا من شماتة الآخر دائما، أو هروبًا من خلع ثياب المثالية التي نتقلدها أمام الآخرين؛ ولكن لعلمنا أن هؤلاء لم يسألوا لأنهم يعبئون بنا، فتلك فقط جزء من بروتوكولات التحية، كيف حالك إنما تقال على مضض، وأحيانا كثيرة على عجالة، ليس المراد بها السؤال، إنما هي تمتمة لملئ فراغات اللقاء بما هو أفرغ منه. نحن لا نكذب، نحن فقط نهذب أحزاننا ونهدمها بشكل يظهرها للآخرين كالفرح.

ننهار داخل صورنا، نحاول ألا تخرج اللوحة عن الإطار فنفتضح، نكابد دمعة، نخنق نحيبنا، ونفر بأعيننا بعيدًا كي لا يقرأ كتابها أحد، نعلم أن حجم الضياع الكامن بداخلها بحاجة لمعركة نحن لسنا ندا لها، ابتساماتنا الصفراء قد لا تكفينا، لذلك نتصنع ضحكة عالية، أو قهقهة خجولة أو نلقي نكتة ساذجة ثم نتبعها بضحكة مثقلة جدا بالروح الملقاة على أسرتنا الداخلية. نسير كالأموات حين لا يتربص بنا أحد، وما أن نلمح الآخرين، حتى نسير ككتيبة عسكرية، بابتسامة مهرج في سيرك.

نقلب القهقهات الملقاة على رصيف مشهد مسجل، أو تلك الضحكات خلف ستار مسرحية ربما شاهدناها ثلاث مرات متتالية، نحاول أن نلمسها، أن نفككها، أن نتقمصها أو نجعلها على مقاس قلوبنا التي ضاقت بحبال الحزن التي دأبت الأيام في صنع عقدها يومًا بعد يوم. نصمت ونشرد ونهرب من إبصار ما حولنا، نسير ولا ندري أين وإلى أين، فالحزن لم ترسم له خريطة بعد.

ننصب شواهد على همومنا، نزورها كل ما حل هم جديد لنخبرهم بأنهم السابقون وفي أثركم آخرون. لا ننبش عن قبورها، فلا أحد يستحق ذلك النحيب، وكل تلك الدموع وذلك الافتضاح العظيم؛ فنحن وإذ فعلنا فإننا لا ننبش قبور قتلانا، بل نحن نخرج قاتلينا الذين لم يموتوا. فهل من أحد يملك ذلك القدر من التضحية والوقت ليصغي لنا، لنعيد تلك الهموم صرعى تحت شواهد قبورها. أكثر ما نخشاه، أن يضع ذلك السمع الذي آمنا به على حبال النشر والتوزيع ثيابنا الداخلية، ومشاعرنا التي لا نبوح بها لأحد.

كم صعب أن تعيش الغربة في مكان يسكنه 7 مليار، أو وطنٍ يحمل مليونا، أو بيت يحوي شخصين أنت ثالثهما، لست شيطانا، إنما ولدت من رحم الخطيئة الأبدية، نزلت من جنة إلى جحيم لا يعرف الكثير من الفرح، كل فرح يقطفه كف وجع، أو تمزقه مخالب الحزن. هذه البسيطة لن تحمل فرحا يكفيك للأبد، بهجتك التي تغنيت بها قبل هنيهة، تبددها صفعة اللحظة التي تليها. وهكذا تحيا على أمل أن تزهر وردتك وتبتسم بها.

أن تصمت يعني أن تحتضر، وأن تبوح لمن لا يبالي يعني أن تموت، وأن تفك قيد كتمانك لمن يدعي أنه يبالي يعني أن تدفن على قيد الحياة. لا شيء كالورق سيفهمك، ولا شيء كالقلم سيبالي بك، ولا شيء كالفن سيفضي بك إلى مكان أفضل من هذا العالم، فالوجع إن لم يثمر حبرًا، أو يخرج فنًا أو حتى يصنع شعرًا فتلك أم المصائب بشعرها الأشعث الأغبر، ستتركنا في دوامة سنعبرها بتفاصيلنا المستعارة، ودواخلنا التي تنزف، دون أن يدري بنا أحد.

تخلص من الحلم العربي

tumblr_mov3m7LmEM1sott30o1_1280

لماذا تكتفي بأن تكون شخصًا اعتياديًا، ما الذي يعجبك بأن تكون شخصًا كان هنا ولم يسمع عنه أحد؟

ذات مرة سمعت صديقًا لي يقول لأحدهم “لماذا تولدُ شخصًا عاديًا ثم تكبر شخصًا عاديًا وفي النهاية تموت شخصًا عاديًا، لماذا لا تولدُ شخصًا عاديًا، ثم تكبر وتموت شخصًا مميزًا”

نحن لا نفسح المجال للناجح ليشق طريقه، بل نحاربه بعيوبنا. ويعيبنا أمران، الأول هو الغيرة التي تحرك الحسد، والثاني وهو الكسل الذي يحرك الغيرة، وكأنهما دولاب يدور دون توقف، لكنه يحاول أن يوقف كل ما حوله ليظهر وكأنه الشيء الوحيد الذي يمضي قدمًا.

نحن نحلم كل يومٍ أحلام صغيرة، كأن نصل مبكرين للعمل، كأن يمضي اليوم على خير، كأن نبقى مع من نحب، كأن نثرثر برومانسية، وكل تلك الأحلام لا يجعلها حقيقة إلا إيماننا بأن حجمها يناسب قدراتنا وحياتنا، ولكن ما أن نخطو نحو حلم أكبر حتى نقول “كلا لا أستطيع” أو “هذا مستحيل”

متى نركل كل تلك الأحلام الاعتيادية نحو المرمى فتلك أهداف سهلة، ونستبدلها بأحلام أكبر حتى من أن تتحقق قبل عدة سنوات، لماذا أحلامنا قصيرة المدى، لمّ لا نحلم بأكبر قصر، وأطول نهر، بأعلى برج وأوسع مكتب، أِحلم بأن تكون مديرًا، رئيسًا، مالكًا لشركة، صاحب مشروع، شريك لمحل تجاري. لماذا تحصر نفسك بالزوجة أو الزوج ووظيفة روتينية وحياة رتيبة مملة. السبب بسيط، هو الحلم العربي الذي توارثناه قرون عديدة، متى نتحرر من هذا الحلم العربي: “ أدرس لتنجح، أنجح لتعمل، اعمل لتتزوج، تزوج لتنجب، ربي ليكبر الأبناء، ثم جهز القبر الذي دفنت فيه أحلامك، وألقي بجسدك فيه.” ولا تنسى نصيب أبناءك من ذات الحلم، مرره وكأنه الإرث الأزلي للعائلة ولا تتخلى عنه. متى ما فتحنا أنفسنا وتجاوزنا الاعتيادية سنحقق كل ما لم يستطع من سبقنا الوصول إليه.

وبينما أنت تسابق أحلامك، لا تحسد الآخرين، بل اتخذهم مثالًا تحتذي به، وشجعهم لينجحوا ليشجعوك فيما بعد لتنجح إن كانوا هم السابقون، والانعكاس يشبه الأصل بالتأكيد فيما مضى قوله هنا.

تحدثت مع أختي وقلت لها أن عليها أن تبتسم حين تنظر للمرآة وتقول لانعكاسها “نستطيع أن نحقق كل ما نريده” فقالت لي: أمجنونٌ يحادث نفسه؟ فقلت لها: تحدثي مع نفسك وكأنكما اثنان وليس واحد، فالنفس تحب الرفيق، كوني رفيق نفسك فيحفز ذلك عقلك الذي يحفز قدراتك، هيَّ حلقة دائرية فيها أنتِ وأنتِ.

هنالك مثل أجنبي يقول “زيف صنعه، حتى تصنعه” و يصيغه آخرون ب”زيف صنعه، حتى يصبح واقعًا”، قد تنظر لصعوبة الأمر حتى يقبل عقلك بواقع استحالته، ولكن حين تقنع نفسك بأنك قادر عليه مرارًا وتكرارًا، وتحمل ذات النظرة، والنبرة الواثقة زيفًا، ستصبح تلك النظرة حقيقية وحقيقة تعمل بها.

لا ترتدي ذات الرداء الذي لا زال الناس يرتدونه، ذلك الحلم الممل “خلقت لتتزوج وتتكاثر وتموت” فأنت لم تخلق لذلك، بل خلقت لمحاولة تغيير العالم، كلا بل خلقت لتغير العالم، فأنت قادرٌ على ذلك. أليس كذلك؟

وهم السعادة

happiness-illusion-money-greed-insatiable-trap

الإنسان كائن مغلف بهالة من المشاعر والأحاسيس، تتحكم به، تسيطر عليه، تحركه، تصنع أفعاله واستجاباته، تحيك وسادة أحلامه، وتخيط منطاد أمنياته، ولأن مشاعره متعددة، فهو يبحث عمّا يجلب له الراحة منها، فيحاول طرد الحزن، ويحارب الكآبة ويسير على جثة الوجع، بينما يطلب الفرح، ويتوسل البهجة ويطارد السعادة، ولأن هذه المشاعر ورغم اختلافها إلا أنها متشابكة ومتشابهة، فإن نالت منه واحدة، أحس دائمًا بذات الشعور ولمس ذات الوهج. ومع ابتعاده عن أصله وطبيعته وبيئته اختلطت عليه الأمور، وتكالبت عليه السنوات والدهور، وبات يبحث عن الشعور الأهم والأجمل وهو السعادة.

نكاد نحيا حياة أقرب بل أفضل من حياة الملوك القدامى، كل شيء نستطيع إعداده، وأغلب ما نريد نستطيع إيجاده، كل بعيد نصله، وكل لذيذ نتذوقه، وكل مضحك نقرأه ونسمعه ونشاهده، لسنا بحاجة لمهرج يردد ذات الفكاهات، ونحن نملك المذياع والهاتف والإنترنت، تقريبًا وقتنا متخم بكل ما نحتاجه وما لا نحتاجه. ورغم ذلك تجد بعضنا لا يقدر ما بين يديه وينظر لما في يد أخيه، يحسده على الرغيف الجاف، أو بنطاله الذي لم يرتدي سواه طيلة شهر، لأننا تشربنا بفكرة واحدة، أن السعادة تكمن في عدد ما نقتنيه أو نملكه. درسنا في المدرسة أن الأعداد هي مجموع مقدار الكمية التي تُعد، وما نصنعه بالمقادير هو عدها وإحصائها، هي لا تتجاوز كونها محض أرقام متراصة متلاصقة، وفي نهاية المطاف فإن الأرقام لا تتجاوز كونها محض رموز تستعمل للتعبير عن الأعداد، رموز جعلها البعض هدفه وحلمه وطموحه ومراده وبهجته وسعادته.

من يسعى للشهرة على حساب خسارة من يحب، فإن خسارته العظمى ستتضح حين يصل إلى القمة ولا يرى حوله من يحب، ولا يسمع أصواتًا مألوفة تصفق له، تشاركه فرحته وبهجته، تعانق يديه في مشواره، وأكبر مخاوفه أن يتفرق الناس عنه، فهو لا يعلم أي الناس يحبه لشخصه وأيهم يحبه لشهرته. الرفيق قبل الطريق هكذا يقال، وما أجمل أن يكون هذا الرفيق حبيبًا نحيا معه وبه ويحبنا نحن لا شهرتنا، والمثل الصيني يقول: الحكيم يرهب الشهرة مثلما يرهب الفضيحة.

أما من يسعى للمال، فإن سعادته لن تتجاوز اللحظة الأولى، الشعور الأول وسرعان ما سيذبُل. استعيد وأنا أكتب هنا أحد الدراسات حول تعاطي الناس مع الأشياء باهظة الثمن، حيث قُدم لهم نبيذًا عاديًا وقد وضع في زجاجات ذات أسعار مختلفة، أغلب من قام بتذوق الأنواع قالوا بأن أفضل ما شربوه من بين كل الأنواع كان النبيذ الأغلى ثمنًا، وعندما تم عمل مسح لدماغ هؤلاء بينما يتذوقون النبيذ لم تظهر فقط ألسنتهم استمتاعهم بالنبيذ باهظ الثمن، بلى حتى أدمغتهم سجلت شعور باللذة عند تذوقهم لها. باختصار نحن ضحايا لمفاهيمنا ومعتقداتنا التي رسخها الإعلام والدعاية، أن أي شيء باهظ الثمن يعني أنه الأفضل وأنه سيجلب لنا السعادة، ومن حيث لا ندري نحن نخدع أنفسنا لنصدق ذلك الشعور المزيف.

المال والشهرة والوظيفة والسُّلطة هي وسائل ومواد تهبنا القدرة على أن نعيش بشكل أفضل، لكنها لا تسد فجوة الشعور بالوحدة، الشعور بأنك لن تجد شخصًا يحبك ويريدك لشخصك. كم من مالك سلطة داسته الأقدام حين سقط من عرشه، وكم من صاحب شهرة اغتالته الألسنة التي دندنت بحبه حين أفل نجمه، وكم من ثري فارقه الناس في لحظة عسرة وعوز.

كان الإنسان وعلى طبيعته يعيش في جماعات، وجوده في هذه الجماعات يكفل له الرعاية، الغذاء والحماية عدى الشعور بالألفة والأمان وهما أهم شعور، كان وجوده وسط المجموعة هو الوطن، فالوطن ليس الأرض التي ولد فيها، فالإنسان اعتاد الرحيل، وامتهن التنقل من أجل لقمة العيش حين تصعب الحياة وتتغير الظروف، كان يوجعه صندوق الذكريات الذي يفارقه ولكن ما كان يوجعه أكثر هو ألّا يجد موطنًا له يعود إليه، جماعة تقبله وتحبه وتحيط به وتهتم له، تقاتل معه ومن أجله وبرفقته، تسعفه إذا جرح، تعالجه إذا مرض، تضحك معه، ترقص معه حول نار متقدة في الأرض والصدر.

استرجعت مشهدًا حقيقًا مسجلًا في اليوتيوب لشاب قرر أن يسجل تجربة حول إسعاد المشردين في شوارع نيويورك، وأخذ يوزع النقود على الناس، كان الناس يشعرون بفرحة غامرة حال حصولهم على تلك الأموال، والتي لم تكن في حساباتهم التي نقشوها على قارعة الطريق التي افترشوها منازل لهم، آخر متشرد حصل على النقود كانت له ردة الفعل الأقوى والتي لا يمكن إلا أن نتأملها، فبعد أن شكر الشاب على لطفه، طلب المتشرد منه أن ينتظر لخمس دقائق، وتوسله ألا يبرح مكانه. لم يكن لأحد أن يستوعب طلبًا غريبًا كهذا، انتظر الشاب وقد جلس على قطعة الكارتون التي ينام عليها صاحبنا. عاد المتشرد وقد احضر وجبتين واحدة له وواحد للشاب، وقال له: هل من الممكن أن نأكل سويًا؟ أرجوك دعنا نأكل سويًا فأنا ومنذ شهور طويلة لم اتحدث مع أحد، ولم آكل برفقة أحد، الكل يتجاهلني، الكل لا يشعر بوجودي. ثم أجهش بالبكاء مبللًا وجبته وعيون المشاهدين.

هذا المشهد عميق، فهذا المتشرد لا يعلم إن كان سيحصل على مبلغ مشابه في الغد أم لا، لم يكن للمال قيمة بالنسبة له في تلك اللحظة، ضحى بالمال من أجل رفقة تبدد الوحدة التي اجتاحت كيانه طيلة شهور طويلة، رفقة تشعره أنه موجود، أنه مقبول من الناس، رفقة تزيل جدار الصمت الذي سقط على صدره، مسكين الإنسان، يطارد أوهامًا وسرابًا وخيالا اسمه السعادة، ولا يدري أنها أمامه وبين يديه، لكن بحاجة لإبصار وبصيرة، بحاجة لعمل وجد وجهد، فالعلاقات الإنسانية ليست مستقرة، تتخللها المطبات والعقبات والشبهات والخلافات، ولهذا نحتاج للكثير لنرمم تلك العلاقات ونحافظ عليه من التلف. السعادة في أن نشارك الآخرين، أن نمسك بأيديهم، أن نشعر بأننا مهمين بالنسبة لأحدهم، أن نشعر أن لنا مكان في صدرٍ نهرع إليه كلما اغتالتنا الوحدة، أو طاردنا الحزن، كم الإنسان مسكين، يظن أن بإمكانه أن يشتري السعادة، وما علم أنها ليست صندوقًا يباع في رفوف المحلات، أو تحت لمعان الإكسسوار، أو بين أرقام المعجبين والمتابعين.

وختامًا أقول رسموها على أنها هدف من أهداف الحياة لا يسهل الوصول إليه، مدفون في مناجم الذهب، فوق الألماس بقليل، وتحت أجساد الأثرياء، وعلى أجنحة طائر العنقاء. ونسوا أنها وبكل بساطة موجودة بين ايدينا، وأيدي الأحياء بيننا، غير مرئية تحتاج لقلب مجهري يتحسس كل صغائر الأمور كي يراها، يحتاج لقلب نقيَّ كي يراها أكبر مما يستطيع الآخرون، نعم… بكل بساطة وكما هيَّ جدًا بسيطة، هي “السعادة”، ابتسامة صادقة، ضحكة حقيقية، غداء مع العائلة، وقت نقضيه مع من نحب، قطعة شوكولا تذوب في فمنا، وأشياء أخرى كبيرة وصغيرة أو حتى مجهرية.

نقتسم سلطته سويًا

3024243-poster-p-1-how-to-talk-to-people-who-dont-want-to-talk-to-you

أي قارب يقوده شخصان لن يصل إلى وجهته، وأي سلطة يتنازعها اثنان فتلك شرارة الفوضى، والله عز وجل يقول في كتابه لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا. كم من المربك لقائد السيارة أن ينبهه الراكب لكل شيء هو يراه ويعرفه، بل كم من المزعج لدرجة أن البعض قد تراوده خيالات لركله خارج السيارة وهي تسير بأقصى سرعة. تخيل مثلًا أن يقرأ أحدهم المقال معك بصوت عالٍ، أو يتلو عليك أرقامًا عشوائية بينما تقوم بعد النقود أو حتى يحاول عد النقود معك بل وربما تصويب عدك!

البعض يعيش من أجل الناس وكلام الناس ورأي الناس، بل ويصب جل تركيزه وماله ووقته من أجل كلمة استحسان تجاه بيته، ملابسه، ساعته، وحتى تجاه والديه، وزوجته. وهذا مرض وهوس أصاب كثير من الناس، فغلبت المظاهر على الجواهر، واخفيت العيوب وسدت الثقوب والثوب من الداخل بالٍ ممزق. وما ساعد على ذلك تصوير الإعلام بأن كثرة المقتنيات التي يمكن أن تتباهى بها هي مفاتيح السعادة الأزلية، ولكن حاول أن تتذكر فرحتك بهذا الهاتف الذي تقرأ المقال من خلاله! أو حتى حاسوبك، هل لازلت سعيدًا به أم أنك أصلًا نسيت أنك تحمله؟ من المستحيل أن يتفق البشر على استحسان شيء واحد وإن كانوا من بلد واحد، من مدينة واحدة، أو حتى بيت واحد، فلماذا أنت مصر على التلويح بما تحمل وتملك في كل مكان وزمان لتصغي لكلمات الثناء المصطنعة والمتكلفة.

متى تدخل الجامعة، متى تتخرج، متى تتوظف، متى تتزوج، متى ستأتي بذرية، متى متى متى… كل الأحاديث في المجالس أو الزيارات لا تخرج عن إطار كلمة متى، وكأننا أقوام لا نعيش إلا في المستقبل، بينما واقع أمرنا أننا لم نعش إلا في الماضي ولا زلنا – ما عدى هنا -، فعلى ما هذه الثرثرة المزعجة، لا يكاد يصدق الفرد أنه قد طوى صفحة متى السابقة، حتى تُفتح في وجهه متى جديدة مبنية على المتى التي سبقتها، صدقني لن يملأ عينهم أو سمعهم إلا موتك الذي لو لا الخجل لسألوك متى تموت. لترتاح ويرتاحوا من هم هذا السؤال الذي يتوارثونه اصلًا من حمض أسلافهم النووي. اقترب قليلًا دعني أهمس لك شيئًا مهمًا بهذا الصدد “صدقني لا أحد منهم يبالي، بل هم يحسدونك على ما أنت عليه وإن كنت أقل منهم حظًا في أيٍ من تلك “المتايات” المتتاليات، فلو جاءت متى الزواج، اعابوا زوجك، وسخروا من حفلك، وحسدوا حظك إن لم يجدوا ما يعيبوه. وإن تورطت في زيجة، كانوا أول من سخروا منك، وفي ظهرك قالوا “استعجل فهو لم يكن مستعدًا”، فلماذا تقحمهم في محفظتك، وغرفة نومك، وكتبك الجامعية، وفوق حلوى أطفالك وحتى تحت وسادة أحلامك.

وما هو أسوأ من هذا أن تتيح لهم المجال بأن يتدخلوا في خصوصياتك أكثر، أن يخبروك كيف تعامل أختك، كيف تحادث زوجك، كيف تنفق مالك، كيف تربي أبناءك والقائمة تطول. البشر لا يجيدون شيئًا أكثر من الثرثرة، فما أسهل الكلام، وما أصعب الفعل. يقولون لك بأفواههم ما ليس في قلوبهم “لا تجعل لزوجتك كلمة وكن أنت الآمر الناهي”، نسوا أن الزواج شراكة، “راقبي زوجك كي لا يخونك، اسأليه أين مضى ومن أين أتى”، تجاهلوا أن الثقة بيت الراحة والطمأنينة، “تنظيف البيت وتربية الأبناء من أعمال الزوجة وإياك أن تعودها على مساعدتك إياها”، كلهن يردن أزواجًا يقفوا معهن، ولكن لأنهم لم يحظوا على ذلك، أرادوا حرمان الأخريات منه. “أطلبي منه مهرًا كبيرًا، فهذه الفرصة لن تتكرر” ويقعن في هذا الفخ كثر، فينسين أن الزواج عمر، وأن المال ستر، وأن ما صرف بالأمس ربما لا يعود في الغد. وأحاديث جانبية كثيرة تهدم البيوت، وتُهلك الوجود، ويتحسر عليها صاحب الشأن ويتمنى لو أن الأمس يعود. كيف تحيا أنت وزوجتك، ماذا يجب أن ترتدي هي وكيف يجب أن تبدوا، كيف تتفقان وعلى ماذا وكيف تنفقان، لا تشاورها ولا تأخذ مشورتها، سيطر عليها، عنفها، عاقبها، أدبها، ألفاظ تشعرك أنك في معتقل، تتعامل مع مجرم، أو قاصر أو كأنهم يتحدثون عن فتاة لم يؤدبها أبويها، وكنت أنت صاحب وزارة التربية والتعليم فرع عش الزوجية، وبالمقابل نصيب آخر تصغي إليه الفتاة، أدبيه، دعي كلمتك العليا، دعيه يشتري لك كل ما تشتهين وإن لم يكن يملك مالًا، وانجبي له فريق كرة قدم حتى يتورط ولا يستطيع أن يفكر في أخرى. 

قائمة وساوس شياطين الأنس كثيرة لا داعي لسردها كلها، لذا باختصار، أنتَ والآخر كيان واحد، فلا تقتسم سلطتك مع الآخرين، وكن أنت والآخر حاكم نفسك.

قبل أن أغادر، أود أن أهمس لك بالتالي: لا تخرج مشكلتك فيصغي لها ثالث تظنه الحكم العدل، فلا هو منصفك، ولا هو يفهمه ويفهمك، ولا هو غدًا ساترك، فتكبر المشكلة، ويعظم الخطب، ولا أحد متضرر إلا أنت ومن معك أو حولك. إن كان من باب الفضفضة فهذا شان آخر، لكن لا تقتسم سلطة أي شيء مع الآخرين، سلطة قراراتك، سلطة تربيتك، سلطة زواجك ووظيفتك، سلطة نفسك، لا تسلمها لأحد، فلا أحد يحفظ الأمانة، ولا أحد يبالي بك، فالكل مشغول في نفسه وأهله، ولكن البعض حين لا يجد ما يسعده، يبحث عمّا يتعس الآخرين، فينالك بحديث أو بغمزة أو بمتى أو بنصيحة لا يريد منها خيرًا لك.

فأنتبه وتذكر أن كلام الناس لن يقف فهو كالموج، وبقاءه لن يطول، فهو كالزبد، وذاكرته ضعيفة فهو كالبحر، حين تصغي إليه فكأنما تحاول أن تسبح عكس التيار لتصل إلى بر رضاهم وما أنت ببالغه، فما عليك إلا أن تتجاهله وتجعله يضرب قدميك وأنت مسترخٍ على رمل الشاطئ، تنظر إلى السماء وتسمع هدير البحر الذي لن يسكن حتى ترجع إلى بيتك حيث أهلك، حيث أمك، حيث زوجك، حيث سكنك وجنتك التي لا تترك مجالًا لأحد أن يدنسها.

 همسة: إن من أكثر أسباب الهم والتعاسة أن يخشى الناس أفواه بعضهم بعضًا

النظرة الجامعية !

wedding_rings

الإنسان كائن مفطور على حب الجمال وكل شيء جميل، وهذا الحب ينطبق على كل شيء، بدءً من الثياب التي يرتدي وانتهاءً بالبيت الذي يسكن، وما بينهما. ولا اختلاف أن الجمال شيء أو حالة نسبية، وإن كان بعض الباحثون يرون أن الجمال هو تطابق مواصفات الشيء أو الشخص مع النسبة الذهبية، إلا أنها كذلك ليست الحالة المثالية بالنسبة للبعض، لأن اعتبار الشيء جميلًا يعتمد على ثقافة الناظر والمتلقي ومحيطه الذي ترعرع فيه، وما قد تراه جميلًا قد يعتبره الآخر ضربًا من القباحة، وباعا من البشاعة.

الزواج والطلاق، الحب والكراهية، السلام والحرب، الرغبة والنفور، الرحمة والغلظة، كلها متناقضات منتشرة في العالم، مهما استحدث الإنسان من أنظمة، وأوجد من قوانين، فلن يستطيع التحكم بمشاعر الإنسان دائما، فهي الشيء الوحيد الغير قابل للسلطة، مشاعره تحركه للزواج، مشاعره تحركه للرحمة، مشاعره ترغمه على الكراهية، وتفرض عليه الرغبة. لذا فإن سلوك الإنسان يمكن أن يلخص في “محفز” يعقبه “فعل”، لكن المحفز دائمًا معامله سين مجهول نسبيًا.

وبما أن الإنسان يعتمد على المحفز لخلق الفعل، لذا فإن أي شيء لن يكون قبل أن يكون السبب الأول. لماذا اتحدث كثيرًا عن الأنثروبولوجيا (علم الإنسان) وما دخل هذا بالعنوان؟ لا تستعجلني كي ترافقني في هذه الرحلة. تعريف الزواج هو الاقتران والازدواج، يقال زوج بالشيء أي قرنه به. والاقتران التزام بالشيء واتصال به، وكي يقترن الشيء بالشيء يجب أن يتوافق ويتلاءم معه، وهو ما يرجى له من المتزوجين أو الراغبين به. كيف يتوافق اثنان لم يلتقيا من قبل؟ حاول أن تستعيد أول لقاء بأعز صديق لك، كان لقاء خجلًا ربما أو جريئًا، كان في وسط ضجة أو ربما هادئًا في محطة باص المدرسة، هذا اللقاء الأول كان هو الفاتحة لما تم بعده من علاقة استمرت لعقود ربما أو بضع سنوات.

وكما أن كل شيء يبدأ بلقاء أول ورؤية أولى، فإن الزواج يبدأ من نظرة أولى، هذه النظرة قد تكون في الطريق، في بيت قريب أو حتى غريب، في محاضرة، في فقرة تلفازية، أو حتى في ردهة فندق، وبالحديث عن ردهات الفنادق فإن قصة زواج كليم عارضة الأزياء الشهير وزوجها سيل كانت حين رأت ما وصفته كليم بأنه أجمل رجل في العالم حين دخل ردهة الفندق، وكان زواجهما بسبب هذه النظرة، سيقول البعض “نحن لا نؤمن بالحب من أول نظرة” وأنا لا أسميه أول نظرة، بل أول عناق بين روحين لجسدين منفصلين. لذا فإن النظرة الشرعية قد تكون هي وسيلة تلاقي الأرواح، هي محطة باص مدرسة الحياة التي جمعتك بأعز صديق، هي سهم كيوبيد الذي اخترق قلبيهما.

لا زال البعض لا يستطيع قراءة أبجديات الحياة وبديهياتها، فما يتوافق معي ليس عليه بالضرورة أن يتوافق معك وذلك لأننا بطبيعة الحال مختلفون جدًا، فما تظنه مستحيلًا أؤمن بأنه عادي، وما تعتقده خطأ أراه صوابًا، لا تسخر مني لأنني أفعل ما أراه مناسبًا لي ولا تنتظر أن أصفق لك فيما أظن أن ما تفعله خطأ، ودعنا نرصف الطريق بين أفكارنا لنصل لنقطة تلاقي بين رغبتي ورأيي ورغبتك ورأيك، لذا فإن السخرية والاستهزاء بمسألة النظرة الشرعية وفشلها في جمع مشرق الأنثى بمغرب الرجل ضرب من الديكتاتورية الإجتماعية والفكرية.

الزواج رغم جماله وبهجته وأفراحه والتهاني التي تزف وتنثر على مسمع العرسان، إلا أنه أرتباط قد لا يقوى عليه طرفان يناسبان بعضهما البعض بشكل تام، فقد ينتهي بطلاق، فالزواج ليس علاقة سهلة وسلسة، بل علاقة فيها من المطبات ما قد لا يطاق ولا يحتمل، ومخطيء من ظن أن التوافق كافٍ لحفظ المؤوسسة الزوجية، لأن السبب الرئيس لاستمرار الزواج هو رغبة الطرفين في مواجهة أمواجه ورياحه في سفينتهما معا، فالربان دون مساعد سيغرق في أول موجة، لكن عامل التوافق هو عامل مساعد ومهم في الاستمرارية ولكنه ليس شرطًا لنجاح واستمرارية الزواج.

من يسخر من النظرة الشرعية حجته بأن الموضوع عرض لسلعة يقبلها المشتري أو يردها، ويحدد قبوله جمال السلعة، ويدّعي أن النظرة الجامعية أو الوظيفية هي الأرقى والأكثر ترفعًا عن السطحية التي في النظرة الشرعية، حيث أن التوافق بين طرفي المعادلة هو أساس العلاقة. وهنا نقع في الفخ الأكبر، وهو أنه حتى أقترب منك يجب أن أقبل شكلك، وحتى اتقبل شكلك، يجب أن انظر إليك، لذا فالنظرتين لا يخلوان من التقييم الشكلي قبل الفكري وهي الطبيعة البشرية، كطبق الأكل، لا يمكن أن يتناول احدهم من طبقٍ حتى يعجبه شكل محتواه. سيقول قائل: هنالك من تجذبه أفكار زميلته. لا بأس ولكن لا يعني ذلك أنه تجاوز الشكل من أول جلسة، بل أخذ وقته حتى يقبل الشكل، وهي حالات قليلة لا يقاس عليها، حالها حال من يقبل بفتاة لم يعجبه شكلها ولكن اعجبه شيء آخر في تصرفاتها أو في طريقة كلامها، لذا فإن كانت النظرة الشرعية نظرة سطحية، فالنظرة الجامعية قد تكون أكثر سطحية منها.

العيب والسخرية ليس ولا يجب أن يكون في النظرة الشرعية، بل ما يرتكب فيها من أخطاء، لذا وجب ألا تنتقد النظرة كنظرة، إنما أخطاء البشر فيها وهو ما لا يمكن التحكم به دون وعي الأطراف المعنية فيه، كأن يبحث الشخص عن الجمال ويهمل تماما مسألة التوافق (وهو يحدث في النظرتين الجامعية والوظيفية)، أن تقتصر مدة التعارف على اللقاء الأول ويتم الزواج، ألا يمنح الطرفين فرصة ووقت كافٍ لتجاذب أطراف الحديث وحدهما حتى يتسنى لهما الكلام بأريحية لتظهر شخصيتهما بشكل أوضح، التصنع والخداع والإيهام ورسم الأحلام والأوهام، وأخيرًا ألا يكون الهدف من الزواج “زوجوه يعقل” ففي نهاية المطاف الزواج ليس عملية استئصال لعقل أحمق وزرع عقل جديد لعبقري.