انترنت

edf

في طريق عودته من العمل كان يعبث بهاتفه، وفجأة سمعت صوت ارتطام قوي، فإذا بسيارة قد ارتطمت بحائط إسمنتي ومن ثم بعمود إنارة على طرف الطريق، أوقف سيارته على مسافة قريبة من الحادث يتفقده، خرج وحين اقترب وجد الرجل ممدًا فيما بقي من السيارة والدماء تسيل وهو يلفظ أنفاسه، بينما بترت ساق مرافقه الذي انحشرت ساقه بين قطع السيارة الممزقة، أخرج هاتفه محاولًا أن يصور الحادثة، ولسوء حظه، لم يكن في هاتفه بطارية ليتسنى له أن يلتقط أي شيء من هذا المشهد، هرع إلى سيارته ليقوم بشحن الهاتف بسرعة، ولكن حين حظي بقليل من الكهرباء فيه، وصلت الشرطة وبدأت في إبعاد المتجمهرين عن المكان ومنعت الناس من التصوير. خسر فرصته في توثيق هذا الحدث المهم، أخذ يفكر في عدد الذين كان ليعجبهم هذا المشهد، وكيف أنه كان ليصبح ذائع الصيت.

وصل إلى البيت لا يلوي على شيء سوى التسكع في أرجاء قائمة أصدقاءه في مواقع التواصل الاجتماعي، احضر قهوته وجلس على كرسي مكتبه المنزلي يكبكب الصفحات على جهازه، وأخذ يقلب الكثير من الاوسام في موقع تويتر، جال به حتى تعثر بصره بوسم #خادمة_تقتل_رضيعة، قلب التغريدات بحثًا عن صورة للخادمة، وبعد أن وجدها وتأمل ملامحها ودون انطباعاته عنها، عاد ليبحث عن شيء أكثر أهمية من هذا. أخذ يقلب صفحة الوسم باهتمام بالغ، وحين وصل لذيل تويتر، أدرك أنه لن يجد ما يبحث عنه هنا. أخذ العنوان وألقاه في محرك البحث، قفز بكلتا عينيه في وسط كل تلك النتائج التي برزت له، وبعد بحث مضنٍ، عادت عيناه بخفي حنين. لم يجد الصورة المرجوة.

شرب القهوة بحنق بالغ، عاد إلى الفيسبوك بحثًا عن شيء يملأ الفراغ الذي تلبسه، شاهد الكثير من المقاطع المضحكة، وصور زواجات أصدقاءه وصديقاته في الموقع التي ملأت صفحته، وكلما شاهد أحدهم قد غير حالته من أعزب إلى متزوج عكف يشتم مارك على عدم وضعه لزر عدم الإعجاب في الساحة حتى يمارس غضبه على كل هؤلاء الذين يشاركون كل حالاتهم المزعجة وتفاصيل حياتهم المزيفة من وجهة نظره.

نظر إلى الساعة، كانت تشير إلى الخامسة عصرًا، قرر أن يغلق جهازه ويأخذ غفوة قصيرة، ولكن ما أن حرك مؤشر الفأرة نحو زر الإغلاق حتى جاءته رسالة تحمل وصلة من صديقه، فتح الرسالة، ودون تردد ضغط على الوصلة، استغرق تحميل محتواها بعض الوقت، كان المشهد لفتاة في الخامسة عشر من عمرها، تسرد رغبتها بالانتحار وأسباب ذلك في رسالة مطولة تذكر ما تعرضت له من تحرش جنسي من زوج أمها عدى عن إهمال أمها المستمر لها من بعد انفصالها عن والدها. لم يكن واضحا للمشاهدين موقع الفتاة. كانت قد قررت أن تنهي حياتها بشنق نفسها. قضت العشرين دقيقة الأولى تعد المكان وتهيئ المشاهدين لعملية انتحارها. بين البكاء والاعتذار والتبرير قضت الدقائق الأولى من تعليق نفسها في حبل ربطته بما يبدو شجرة في ساحة ما. عدد المشاهدات فاق الثلاث ملايين للحدث، وعدد التعليقات ناهز الخمسين ألفًا. كلمات التوسل أرسلت تباعا، الانتقادات والإساءات انهالت كفاف ذلك.

أدار المتابعين جلسات مناظرات على حساب روح الفتاة التي قد تفارق في أي لحظة، كان الحدث مهما ليستدعي اهتمامه واهتمام الثلاثة ملايين متابع، والملايين المحتملين. ذهب مسرعًا ليحضر بعض المكسرات من المطبخ، وعاد ومدد ساقيه فوق الطاولة وارخى جسده وهو يتفحص جسد الصغيرة متحسرا على ضياعه هباءً إن كان ما ستفعله حقيقة، متابعا بصمت بين الفضول والتأمل والترقب. بينه وبين نفسه يريد أن يراها تموت ببطء، أن يشهد هذا الحدث المهم، ألا يفوت الفرصة كما حدث سابقًا. حتى هاتفه الذي يرن كان يجيبه برفض المكالمة أحيانًا أو اطلاع المتصل على الحدث المهم أحيانا أخرى، بحسب المتصل.

شدت الفتاة الحبل حول عنقها وقد انهارت قواها من فرط البكاء، أغمضت عينيها بقوة، ودفعت الكرسي إلى الخلف وسقط جسدها نحو الأسفل معلقًا بالحبل. بدأ جسدها يتلوى من الحدث، يتشبث بالحياة التي باعتها صاحبته، يقاوم الموت بكل ما لديه من قوة، وقدميها تبحثان عن موضعهما دون جدوى، وبينما هي تنازع قدريها، انقطع البث فجأة. اعتدل هو في جلسته، وضغط زر إعادة تحديث الصفحة عدة مرات، ظهرت رسالة في وسط شاشة البث: تم إنهاء الفيديو المباشر، سيتاح للمشاهدة في وقت لاحق. دخل إلى ملف الفتاة الشخصي، أخذ ينقب فيه، يبحث عن تكملة للاحتضار وتتمة للموت، لم يكن يجب على البث أن ينقطع قبل أن يحضر الموت بثوبه الأسود، بل كان حقا من حقوق المشاهدين أن يتأملوا ذلك الجسد النافق المعلق بالحبل وهو يتأرجح ذهابا ومجيئًا، أن يشبعوا فضولهم وعدم مبالاتهم وأنانيتهم.

أغلق الصفحة بغضب شديد، ما هذا اليوم السيء، لم يستطع أن يحظى بمشهد كامل لأي موت مر به، تذكر الحادث بحسرة، والخادمة بغضب، والفتاة الصغيرة باستياء جم، شعر أن السبب هو انقطاع الإنترنت أو بطء الشبكة هو ما تسبب بتوقف الفيديو عند اللحظة الحاسمة والأهم في هذا المشهد. تمنى لو أنه استطاع أن يلتقط ولو ميتة واحدة في هذا اليوم، تناول المكسرات بغضب وهو يحدق بشاشة الجهاز. أخذ يركل ويضرب بعشوائية فجأة وهو يمسك بكلتا يديه عنقه، وبعد محاولات مستميتة للسيطرة على الوضع، فشل وتوقف عن الحركة بتاتًا.

وصل إلى العمل، امسك صحيفة اليوم، وكعادته قام بفتح صفحة الحوادث، تم نشر خبر تحت عنوان “وفاة شاب في مقتبل العمر مختنقًا بالمكسرات” دون العنوان في محرك البحث، لأن المقال لم يكن يحمل صورة.

صدر طاهر

14467015_10154393378690446_1437692885_o

أمسكت بيدها المرتعشة مفتاح الشقة، وفي كل مرة كانت تحاول أن تقحم المفتاح، كان القفل يلفظ المفتاح الذي يخربش جسده، وبعد معركة غير مخطط لها، نجحت في إقناع القفل بأن المفتاح لم يقصد ضررا، وقامت بفتح الباب. جاءت ابنتها ذات التسعة أعوام وقالت بصوت طفولي: أمي لمَّ تأخرت هكذا! لقد أخبرتني أنك لن تطيلي البقاء. نظرت إليها وبقلق سألتها: هل عاد والدك؟ متجاهلة حديث الصغيرة. أجابتها بكل براءة، كلا لم يعد بعد. وماذا عن أخوك حسام. تهز رأسها بالنفي. وهل نام أخوك الصغير؟ آه، كان يبكي، فأطعمته وقمت بتغيير ثيابه. تبتسم على مضض وتمسح على رأسها قائلة: أنت فتاتي الجميلة، لا تخبري والدك أنني خرجت، اتفقنا، وهذه هي الحلوى التي وعدتك بها. تأخذ الحلوى وتهرع الصغيرة نحو التلفاز لتشاهد رسومًا متحركة، بينما تمضي ساقين مثقلتان بالعالم نحو غرفة النوم.

أغلقت الباب خلفها وبددت عتمة المشهد بنور أبيض لم يستطع التشبث جيدا بالحائط؛ فأصبح معلقا طرفه بسلك كهربائي، ألقت بحقيبتها، خلعت حجابها، وبما بقي من قوتها ركلت حذائها تحت السرير. تهاوى جسدها على مهل حتى جلست على طرف السرير، لازالت غير مستوعبة لما حدث للتو، كانت مشوشة، قلقة وخائفة جدًا، فما واجهته لم تحسب له أي حساب، كانت تظن أنه كان صادقًا معها، وراهنت في كل ما حدث على مشاعرها وحدسها نحوه، دون أن تشك ولو للحظة، أن تلك الملامح البريئة، تخفي كل هذا الشر، وكل ذلك الخبث والمكر.

قبل عدة أشهر من تلك الليلة المظلمة هيئة وشعورًا، كانت هي وكعادتها تعود مسرورة من السوق بعد إن تبتاع بعض احتياجات البيت مما تكسوه البطن ويكسوها. ففي كل مرة تقف لتدفع الحساب كان موظف الصندوق الجديد يتبسم لها، ويحاول أن يفتح حوارًا بسيطًا معها، ولأنه لم يكن يتجاوز زهرة العشرين سوى بعام أو أثنين، كانت تبتسم له وتبادله الحديث والسؤال عن الحال، وأكثر ما يجعلها مسرورة، هو أنه يخطف بعض الصور الذهنية لقوامها الرشيق ونتوءاتها الصارخة.

تطور الأمر بينهما بعد أن بادر هو بتوصيل حاجياتها إلى البيت في إحدى المرات، مما مهد له الطريق لإيجاد سبب لا يمكن الشك في نواياه؛ لإعطائها رقم هاتفه. كانت الأمور جيدة جدًا، حتى جاء ذلك اليوم الذي اُشْعِلت فيه شرارة الخطيئة الأولى؛ فقد اتصل بها بعد أن احضر الحاجيات وسألها عن حالها وسبب عبوسها اليوم في وجهه. كانت تتهرب وتتذرع بأنها متعبة، بينما يقاوم صدرها كل تلك الأحاديث التي تود أن يصغي لها أحد. ليس أي شخص، بل أحد يهتم حقًا لأمرها. أغلق الهاتف، وبعد ساعة عاود الاتصال؛ ليسألها ذات السؤال، في تلك اللحظة كانت فاقدة للحيلة، وشعرت برغبة ملحة في اطلاعه على كل ما يدور في صدرها، وكل ما يحدث خلف تلك الأبواب المؤصدة.

كثرت طلباتها منذ ذلك اليوم، حتى اشتكى زوجها من نفاذ المال سريعًا، وتكدس حاجيات البيت، والتي غالبا إما أن تفسد أو تبلى دون أن يستخدمها أحد. هي لم تكن تبالي لكل ذلك، يكفي أنها تعلقت بذلك الخيط الرفيع من الأمل الذي يخرجها من الملل والألم الذي تعاقره كل مساء حين تحاول جاهدة أن تغمض عينيها بقرب شخص بينهما أميال غير مرئية، يهملها، وينهرها. حتى أنه لم يقل لها يومًا “كم أنت اليوم جميلة” أيًا كان ما تصنعه؛ لأجل أن ينفض سمعها ذلك الغبار الذي خيم على كل الكلام الجميل الذي كانت تظن أنها ستسمعه بعد أن تتزوج. تكاد تقسم كل يوم أن تلك الكلمات لو خرجت من فمه، ستخرج صدئة، مهترئة لا تقوى أن تثقب السمع فتعيد الروح لسامعها، بل وربما لن تستطيع أذنها الإصغاء إليها أو حتى تفكيكها.

كانت تراودها رغبة ملحة لتسأله ذلك السؤال الذي لم يترك بابا في رأسها إلا وطرقه علّه يخرج ليلتقى مع الإجابة. قالت بينما كانت تهاتفه بعد تردد استمر ألف سنة من عمر الكلام: هل تراني جميلة؟ قهقه الشاب بخفة، ثم قال: كيف للحسناء أن تسأل الوحش إن كانت حقًا جميلة، يكفيها أن تنظر للمرآة لتجيبها المرآة من فورها. راودها شعور غريب، شعور مهيب، رجفة اجتاحت كل جسدها، واهتزت له كل فرائصها. لم تحتمل وقع الكلام فأخبرته أن عليها أن تنهي المكالمة. في الجهة المقابلة لم يعرف هو ما حدث، وأخذ يعتذر منها عما قاله، وكيف أنه لم يقصد التغزل بها. أغلق الهاتف وشعور بالندم يساوره، لم يكن يعلم أنه ليس المخطئ في هذه المعادلة الصعبة، إنما الزمن الذي سلبها هذا الشعور وأعاده لها في هيئة مشوهة فأربكها جدًا حتى اجهشت في البكاء. تلك الليلة لم تعاود الاتصال به، حتى أنها أغلقت هاتفها، واحتضنت وسادتها، وهي تحدق في كتلة غريبة عنها، تنام ملتصقة بها تحت مسمى زوج.

منذ تلك اللحظة، أخذت الاتصالات شكلًا مختلفًا، والعلاقة نمطًا أكثر تعقيدًا، كانت تلك النبتة تنمو في صدرها، كل يوم تسقيها بشهقة الهمسة الأولى، ورؤيته المليون التي تعتبرها الأولى في كل مرة عند بابها، واستحضار ملامحه والتحديق في طيفه أو في صورته، كلها سقيا تلك النبتة التي خرجت من تلك الأرض الجدباء. كانت تخشى الاعتراف بأنه بات أكثر من مجرد أمين صندوق وعامل توصيل شخصي، بل تحول إلى أمين صناديق أسرارها، وملاذها الآمن من عالم الوحشة الذي تعيشه.

بدأت منذ تلك اللحظة تحيا حيوات خفية، لا يعلمها أحد سواهما، بدأ لسانها ينطلق في كل شجار يحدث بينها وبين زوجها بعد أن كانت ضعيفة حيلة، لم تكن تعلم سر قوتها وعدم سكوتها عن جلسات الجدال والمحاكمات الزوجية، كانت تظن أن أرضيتها جافة غير زلقة، والحائط الذي تستند عليه صلب قوي، لهذا كانت تمارس تلك السطوة، وكلما زادت الفجوة واتسعت هنا، تكومت في الجهة المقابلة تلة أخرى من التواصل بينها وبين الشاب. تلك الحياة السرية التي عاشتها كادت تفتضح فيها ألف مرة، خصوصًا في تلك الليلة، تلك الليلة التي لاح في ستار ليلها الكثير من الشهب والألعاب النارية، تلك الليلة العظيمة، التي سمعت فيها كلامًا يحرك الساكن ويفتت الصخر. كان قد قرر أن يصارحها فيها بحبه، فانطلقت تلك الحروف الأربعة، تنثر الورود في كل الممرات والتجاويف السمعية لها، وتفرش بساتين الفرح أمامها. ولفرط البهجة والسرور بتلك الكلمة التي نسيت مذاقها، وفقدت القدرة على استهجائها، كادت أن تنفرط منها هي الأخرى تلك الكلمة، لكن ما كبح جماح ذلك السيل العارم من المشاعر، وذلك الوهج من الحب أنها استحضرت فكرة واحدة. إلى أين يفضي هذا الطريق الوردي. فرق العمر، كتلة اللحم الذكورية التي على ذمتها، أبنائها، ماذا تصنع بكل هؤلاء. لا يمكنها وحسب أن تحيا بهذا الشكل الهلامي المتماهي مع الخطأ. لكن كل ذلك الجليد ذاب عندما حل مطر الإطراء والغزل، ونسيت كل تلك التناقضات التي تحيط بهذه الكائن الذي خلقاه.

يمر شريط الأحداث في عقلها وكأنها أمام شاشة سينمائية، ويتلو سمعها كل تلك الأكاذيب التي صدقتها منه، كيف لها أن تأتمن شخصًا فقط لأنها قال لها أحبك، كيف لها أن تحب شخصًا سوى ذلك الذي يشاركها فراشها، وخزانة ثيابها، وأبنائها، كيف لها أن تسلم مفاتيح جسدها لشخص قضت ضعف الذي قضاه حتى تلك اللحظة، بل شابا في عمر ابنها. كانت حائرة، تائهة، كيف قبلت أن اسلمه جسدي، كيف استأمنته ووهبته كل شيء.

تمسك بهاتفها بيدها المرتجفة، تدخل على مجلد التسجيلات والصور، ترى الملف الذي أرسله، لا تقوى على فتحه، هي تعلم أنه يحمل تسجيلا لهما على قارعة العراء، سجل خلسة بكل نتانة، تحاول أن تقنع نفسها بأن كل هذا لم يحدث، وأنها مزحة ثقيلة، لكنها سرعان ما تعاود استرجاع صراخه وتهديده لها وهما مختبئان خلف ظل الظلام، كانت ترى كيف انسل من جلد العجل ليخرج من تحته وحش بمخالب لم تحسب له أي حساب. لم تكن تحمل أي وسيلة تدافع بها عن نفسها، ظنت في الوهلة الأولى أنها تحمل سلاحًا قويًا، أن تستعطفه بذلك الحب الجارف الذي تكنه له، لكنها لم تدرك أنه لم يكن سوى طُعم يريد أن يصطادها به. لم يفلح بكائها في ثنيه عن تهديده، ولا استجدائه بأبنائها. رد على كل تلك التوسلات بكل عنجهية: الآن تذكرت أن لديك أبناءً. استجدته وتوسلت مرارا وتكرارًا، حتى أنها حاولت أن تقبل كفه التي سحبها من بين يديها ثم دفعها بها بعيدًا عنه. انهارت وحاولت أن تقبل قدماه دون جدوى. ثم قال: أريدك وقتما أريدك، وأطلب من مال ما أطلب، أي مخالفة لهذه القوانين، اعتبري أن التسجيل قد وصل لكل من تعرفين ومن لا تعرفين.

تحاول أن تتماسك، تحاول أن تبحث عن حل، تحاول أن تستدرك أي شيء يخرجها من هذا المأزق وتلك الورطة، وبعد أن نال منها اليأس، انهارت ودخلت في نوبة بكاءٍ لم يوقفها سوى ابنتها التي طرقت الباب: أمي، ما بك تبكين. لتخرج هي مسرعة، تحتضن أبنتها، لتشعر ولو ببعض الأمان في هذا الصدر الطاهر النقي، والذي لا يعرف شرور هذا العالم الموحش.

حادث استفاقة

index

يستفيق من غيبوبته فجأة، ليجد نفسه محاطًا بالممرضات، وفي لحظة من الضياع يرفع الغطاء عنه لينهض؛ فيجد ساقيه غائبتان عن المشهد، لم يحتمل ما رآه، بل ربما لم يستوعبه جيدًا، يتحسسهما بكلتا يديه دون جدوى، يقرص نفسه فلربما كان في غيابة الحلم ولكن دون فائدة. تراوده نوبة هيستيرية، أين ساقيَّ، يسأل بصوت عالٍ موجها السؤال لنفسه، وبهلع يسأل الآخرين ما الذي يحدث، ما الذي أتى بي إلى هنا! وأين أمجد. يخبره من كانوا حوله أنه كان في حادث.

يبدأ في تجميع أحجية ذكرياته، ويلملم شتاتها، تستفيق به ذاكرته لتعيده لتلك اللحظات التي كان فيها ممسكا بمقود السيارة، يبتسم لصديقه، ثم يرفع رأسه بتبج تام وهو ينظر لمنافسه ويشير إليه بيده مقلوبة قاصدا أنه في عداد الخاسرين. يبدأ السباق، ذاكرة مشوشة حول اللحظة التي فقد فيها السيطرة. يرى شريط حياته، أصدقاءه، والديه وأحلامه كلها. كانت ثوانٍ تكفي لعقله أن يسرد فيها قصة حياته وأمنياته.

يقترب من حاجز حديدي بعد أن فقد السيطرة، يرفع يديه ليغطي وجهه، فتلك ردة فعل عديم الحيلة في مشهد قد يكون الأخير في روايته التي صاغ تفاصيلها، يرفع يديه فعقله أعاد له مشاعر اللحظة الأخيرة ثم يمارس حالة من الفزع، يهرع على أثرها الطبيب نحوه، ويطلب من الممرضة أن تعطيه حقنة منومة، يخبو الصوت وينحسر الهلع ويختبئ خلف جفونه التي تعلن استسلامها.

يستفيق من جديد، ينظر بجسد منهك باتجاه مصدر الصوت، نحو السرير الذي بقربه، وفي ذات اللحظة، يهز الطبيب رأسه بكل أسى، يلقي ببصره نحو ساعة معلقة في الحائط، ثم ينظر إلى إحدى الممرضات بقربه ويقول لها: ساعة الوفاة في تمام السابعة صباحا. يغلق الستار بعد أن غطى وجهه، يخلع قفازاته، ويزيل كمامة الوجه ليكشف عن شارب اندلق البياض بخفة على أطرافه، ثم يمضي نحو ذويه لينقل لهم الفاجعة.

يتلقى الخبر ذووه، فيعلو الصياح خارج غرفة العناية القصوى، تسقط الأرواح في القاع، وتسقط الأم مغشيًا عليها، لم تكن كلمات المواساة كافية لأن تحيي جسدًا بصق الموت في عينيه فلم يعد يبصر شيئًا من الحياة. يحاول هو النهوض مرة أخرى، ولكن هذه المرة نحو السرير الذي حمل صاحبه ملامحه صديقه، لم يكن متأكدًا، كان يحمل خوفًا عظيمًا. يبدأ بإخراج ساقيه من تحت الغطاء، ولكنه لم يعد يشعر بهما، يكشف الغطاء ليستعيد المصيبة عبرة تخنقه، ويضيع نحيبه بين كل تلك الاحزان التي تتلى عليه من خلف الباب المغلق.

يعود بالذاكرة إلى اللحظة التي كان فيها صديقه يؤرجح رأسه معلنًا عن حماس شديد للسباق الطائش. ينهار هو ويسدل الستار عن غيمته الممطرة. كثيرة هي الأطراف الخاسرة في هذا الرهان، في سباق كان يفترض به أن يكون الفوز فيه محتما وسهلا، ولكن ما دونه القدر على قارعة الطريق هو الحادث المروع الذي التهم ساقيه، واختطف صديقه.

يضع كفيه في وجهه، يتمنى لو كان كل هذا محض حلم، يغمض عينه مرارًا دون جدوى، يقرص نفسه عله يستيقظ دون فائدة ترجى، يعاود مزاولة البكاء، ثم يصاب بنوبة هستيرية تستجيب لها الأجهزة الطبية. صوت إنذارات يعلو غرفة العناية الخاصة، يهرع على أثرها الأطباء والممرضين، يمسكون به، فيأمرهم الطبيب بحقنة مهدئة أخرى يقاومها دون جدوى، تسكن جوارحه، ثم تتوارى عينه خلف السكون.

يستفيق مرة ثالثة على ضجيج مترف من حوله، وجسده الذي تهزه يدان بقوة، أصوات زئير سيارات رياضية، يتلفت بذهول، يتذكر أمر ساقيه فيتلمسهما بسرعة خاطفة، ليجدهما لم يراوحان مكانهما. يلتفت ليجد صديقه يمسك بكتفه ويهزه، ويردد بشكل مستمر أين ذهبت يا عزيزي، أبو وليد سيرفع إشارة البدء، ويشير للناحية الأخرى، ينظر إلى حيث المشار، ليجد منافسه يحدق في وجهه، فيتشتت ذهنه من هول المفاجأة، يفلت المقود من يديه، يقرص جسده ويتفقد قدميه تارة أخرى، ثم يشير لأبو وليد بأنه منسحب، وأنه لا يريد إكمال السباق.

تعلو الأصوات الصاخبة الرافضة للانسحاب، وتعلو الهتافات والتشجيع وأصناف الإهانات والشتائم، الجو مشحون بالغضب والكراهية. يحاول صديقه أن يقنعه بعدم الانسحاب ويخبره أن انسحابه ليس رجولة، وأن الجميع سيعايره وينعتوه بالفتاة، ولكن دون جدوى، كان يتصبب عرقًا شاخصة عيناه، مختبئة عروقه ومنحسر. يمضي نحوه أبو وليد، يناوله قارورة ماء، ثم يهمس في أذنيه بكلام طويل، كلام طويل جعل ملامحه تتغير مرارا وتكرارًا، ففي لحظة يكاد يتمسك برأيه وفي أخرى يبدو أن رأيه يتأرجح على كف عفريت. ينهي أبو وليد كلامه؛ فيهز هو رأسه، يبتسم لصديقه، ثم يرفع رأسه بتبج تام وهو ينظر لمنافسه ويشير إليه بيده مقلوبة قاصدا أنه في عداد الخاسرين.

أبواب

internal-oak-doors-categories-directdoors1

حملت نفسي على مهل كي لا أيقظ رائحتك، تلمست موضعك من فوق الغطاء بهدوء تام؛ لم أكن أود أن ازعجك. نهضت ومشيت على أطراف السكينة، خشيت أن سمعك لازال مستفيقا هنا. لبرهة نظرت إليك، لم تكوني مستيقظة، ولم أفشل حال كل مرة اضعضع نومك الرشيق، وأبدد حلمك الأنيق. امسكت بالمصباح اليدوي، ففي كل مرة اضيء نجوم الغرفة، كنت تتقلبين وتنزعجين، وتحاولين نفض الضوء بعيدا عن عينيك. بحثت بكل روية وبكل ما أملك من سكون عن ثيابي التي بها خليط من عبقك وما تركه آخر عناق من رائحتي. سحبت سترتي، بنطالي، وحملت معهم ربطة عنقي وهممت بالخروج من غيمتنا.

كان أصعب مهمة أن افتح قفل الباب دون أن يصدر صوت رصاصة حال كل مرة، حمدت الرب أنني خرجت بسلام من مأزق ازعاجك. وضعت ساقي اليسرى كعادتي قبل اليمنى، لا أعرف كيف أعتاد ارتداء اليمنى دون اليسرى حتى لا يرتدي الشيطان السترة معي، أو هكذا قالوا لنا، لا أدري كيف أصنع ذلك وأنا اشعر بعدم الراحة والاتزان. وبعد أن انتهيت من ارتداء سترتي بدأت اضع ربطة عنقي، لا تعلمين كيف تعبت كفاي وهي تحاول افهامها لغتي، هي اعتادت لغة اصابعك اللطيفة، وملمس اياديك الناعمة، وشعور الحب الذي تخلقينه وأنت تربطينها، إنتهى بها الحال مختنقة بين يدي وعنقي، يستغيث منظرها بك.

فتحت الباب، لم تكوني مستيقظة بعد، زحفت حتى وصلت إلى مهدنا، مددت يدي لتصل إلى الحذاء دون جدوى، فأنزلقت برأسي تحت السرير، وبعد مهمة صعبة للوصول إليه، أمسكت به أخيرًا، وما ان قمت بسحبه، حتى رفعت رأسي معلنا انتصاري، وفي ذات اللحظة، أعلن السرير ارتطامي. امسكت صوت الألم وأنينه، وسحبت رأسي بعد أن تأكدت أن صوت ارتطام رأسي لم يوقظها. وعلى مضض تواريت خلف باب الغرفة، واستقبلني باب آخر.

قلبت المطبخ بحثا عن شيء يؤكل، لا شيء هنا لا تستطيعين أن تجعلي منه طبقا فاخرا، فأي شيء تعدينه يقطف من حلاوتك عنبة. عدت إلى الغرفة، ولكنني لم أجدك، هل أطلت المكوث وجددت في البحث حتى أنك خرجت دون أن اشعر بذلك! ذهبت إلى الحمام وطرقت الباب، فعلاقتك الصباحية به وطيدة، لم تصدري صوتًا من خلف الباب، امسكت المقبض وأدرته فإذا به مفتوحٌ ولا أحد بالداخل، ظننتك تختبئين مني خلف الباب حال كل مرة، لم تكوني هناك. خطوت نحو الصالة لم يكن لرائحتك أثر. توترت كثير فجريت نحو الغرفة المجاورة، ناديتك ثلاثا فلم تجيبي، خفت، وخفقت، وبدأت روحي ترتطم بقلبي بشدة، جريت نحو الشارع فلربما خرجتِ دون أن اشعر، وبينما أجري نحو باب الشقة تعثرت بالفوضى العارمة التي حلت بالمكان. ارتطم رأسي بالأرض بقوة، أوجعني ذلك بشدة، ذهب بتركيزي وأعاد لي ذاكرتي، فاستيقظت من خيالاتي وتذكرت أنك لست هنا، تذكرت أنك رحلت.

حملت حقيبتي المثقلة بالغياب والاشتياق، ادرت مقبض الباب وسحبته، تمنيت لو أن بابي يفضي الى بابك، يحملني إليك ع ظهر أمنية، أو فوق كف دعاء، ولكن الأماني قلما تتحقق، والدعاء قلما ينزل من السماء.

رقصي مع الشاي

228576_10150241774165446_703787_n

كنت أستقي الشاي كعادتي عند زاوية المحل المقابل لأحد المراكز التي لم أقرأ يومًا لوحتها، فغالبًا لا تشغلني الأسماء والعناوين، فقط الأشكال والصور والنصوص الطويلة والفتاة الجميلة، من منا لم يحدق يومًا بالفتيات أثناء جلوسه في مطعم، مقهى أو حتى في مكتب، فالنساء زينة الحياة وطعمها السكري الذي لا يزول، هي أطيب للأنف من القهوة، وأطعم من الشاي للفم.

أخذت أتأمل المارة بين الحين والآخر علّ آنسة جميلة تمر فأحظى برشفة من كأس جمالها فأنتشي بالحسن وأسكر بالنظر. أنظر لهذا وأحدق بتلك، كلٌ منصرفٌ لهمه. تمر الكثير من الفتيات دون أن يعبأن بنظراتي، فهن لا يلتفتن لرجل اعتيادي، كما هو الحال معنا، فمن لا ترى أخلاقك، لن يهمها سوى شكلك، أما الرجل ففي غالب حالاته لا يرى سوى الشكل. غريب أمر الإنسان، فبينه وبين نفسه يقر ويعترف بالكثير، ولكن أمام الآخرين يمارس الفضيلة والمثالية والكمال.

نفضت أفكاري وأنا ابتسم وأكاد أقهقه، فأحاديث النفس مضحكة أحيانًا؛ تجعل الفرد يغدو كالمجنون في حضرة الناس. لا أدري من الأحمق الذي قال: الضحك من غير سبب قلة أدب. فمن هذا المعتوه الذي سيضحك دون سبب، نحن نضحك على حماقاتنا، على أفكارنا المجنونة، على خاطرة طريفة مرت بنا، لا أحد يضحك دون سبب، هو يضحك ولكننا فقط لا نعرف السبب، وقد لا يضحكنا حتى ذلك السبب.

وبينما لازلت أزاول رقصي مع الشاي، أحاور نفسي تارة، وتحاور أعيني الجميلات تارة أخرى، توقفت سيدة مسنة وغمزت لي، ولهول صدمتي كدت أختنق بالرشفة التي في فمي، فبصقتها في صحيفة الرجل الذي جلس بمقربة مني دون قصد، فإذا بها تضحك وتكشف وتخفي فمها بيدها عن خجل، أخرجت الملعقة بسرعة من بين رمال السكر، أنظر في قعرها لانعكاسي، لا أذكرني تجاوزت الثلاثين فما بها فتاة الستين تعاكسني؟

غمست الملعقة مرة أخرى في تلك الرمال الحلوة، ورفعت رأسي لأنظر إليها عاقداً حاجبي الأيمن بأخيه الأيسر متعجباً؛ فإذا بها تلوح بيدها، شعرت ببعض الشفقة ناحيتها، فارتأيت أن أكون لطيفًا ولبقًا، فابتسامة تدخل الفرح في قلبها قد يعيد لها الحياة ويحيي الطفلة التي بداخلها، فالمرأة وإن هرمت لا تتغير أحيانًا، فكلهن يرغبن في أن يمتدح لبسهن، جمالهن، وعناقيد الذهب المتدلية من أعناقهن، فكل تلك الاثمان الباهظة التي تكبدوها ليظهروا بهذا الشكل تستحق بعض اللطف والشفقة أحيانا، رفعت يدي وما أن لوحت حتى مرت عصاً تحمل كهلاً عن يميني، نعم هكذا حقًا مر بقربي وهو المعني بكل تلك الابتسامات والتلويحات ولم أكن المعني، وتلك الشفقة أنا حري بنيلها.

للأسف استدعت يدي انتباه الجميع، بدوت بيدي الملوحة كالمغفل، وبوجهي الذي أصابه الخجل كالمهرج، لحسن الحظ كل من في المكان انتبه إلا صاحب جريدة الشاي، والذي أوشك أن يصل للصفحة الأخيرة ويكتشف أمري؛ فقلت بصوت عالٍ ملما ما بقي من ماء وجهي: الحساب أيها النادل. وانصرفت دون أن أكمل رقصي مع ذلك الشاي.

رصاصة خلاص

ft43

جلس على الأرض وقد طوق جسدها بيده اليمنى، وهو يصوب المسدس باتجاه رأسها، كانت يده ترتعش، وعينه تحاول أن تمسك الماء من أن يندلق من كفها. كان يعلم أنه لا يملك خيارًا آخر، وكانت تعلم أنه يفعل ذلك لأجلها، على يقين أن تلك اليد المرتعشة الحاملة للموت، هي ذات اليد التي كانت تمسح على وجهها وتمسك بكفها، وتربت على كتفها، فقد جلسا يقلبان الأفكار في غمرة الفزع الذي اجتاحهما، حيث جاء الخبر مزلزلًا كشهاب ارتطم بالأرض، ومظلمًا كمساء لا يحمل قمرًا بصق في وجه السماء؛ ففي منتصف شباط من العام 2014 كان جيش العدو قد سيطر على قطاع كبير من العاصمة، وكان يمشط المنطقة بمعنى الحرف والكلمة، لذا حاول الناس الهروب نحو الجبل، لكن كل تلك المحاولات باءت بالموت. لم يبق من مفر، الناس ضحية أسلحة في يد جندي لا يعرف سوى لغة الذخيرة والدم، كانت البيوت تمشط تباعًا، من أقصاها إلى أدناها، إن كان قاطنوا الديار رجالا، غادروا الحياة، وإن كن نساءً غادروا الحياء تحت أجساد الجنود المتعطشين للموت وأجساد النساء.

كانت الأخبار تأتي من أطراف المدينة، تهز القلوب من بشاعة ما يسمع، رأس يغادر صاحبه، جسد تملؤه ثقوب سوداء تسيل منها الدماء، فساتين ممزقة تقتل صاحبتها مرتين، مرة دون سلاح، وأخرى برصاصة تنهي تلك المعاناة التي جثمت مكشوفة لعشرين جنديًا، بل وربما أكثر.

لم يكن من هؤلاء من يظن أن الحياة ستكشف لهم عن وجهها النتن المخيف والذي كانوا يشاهدون جزءَ منه في التلفاز، أو على شاشات هواتفهم، لم يكن أيًا منهم يظن أن الموت سيأتيه بهذا الشكل المقيت المظلم، لم يكن الموت حاضرًا في صدورهم أصلًا، فالبشر يعيشون في وهم الخلود والأزلية الخيالية، وأما هذا الموت المجرد من الرحمة، لم يكن مدون في سجلات ظنونهم أو تحت إغفاءات عيونهم. هكذا تبدلت الحياة في المدينة، هرب الفرح من ثقوب القتلى وحطام البيوت، لم يعد من رائحة أقوى من رائحة البارود، ولم يعد من لون أكثر تهندما من الأحمر. لم يبقى في العاصمة سوى تلك البيوت التي لم يقوى أهلها على الرحيل والهرب، وقد اقترب الجنود وصود الرشاشات يهز القلوب، وصوت الصراخ والإستغاثات وبكاء الأطفال المختلط بصوت الدبابات هو الصوت السائد البائد.

أخذ يحدق بها وهي تغمض عينيها التي لا تملك من قوة لتوقف ذلك المطر من الهطول، ولا تلك الطفلة بداخلها من النحيب، وفي لحظة تراجعٍ همست له: أليس من الممكن أن نسلم أنفسنا، ربما لو توسلناهم سيتركوننا في حال سبيلنا، فنحن لم نعادي أحد، ولم نحمل بين أيدينا دم إنسان، كنا نحيا دون أن يشغلنا أو نشغل بنا أحد. يمكننا.. يمكننا أن نقايضهم بالذهب الذي تركته لي أمي، أعلم أنه قليل، ولكن..ولكن سنقسم لهم أنه كل ما نملك. كانت تردد تلك الكلمات وهي تعلم أن أيّا من هذا لن يجدي نفعًا، كانت تدرك فالأخبار كانت تأتيهم من أولئك الفارين من الموت، والذين ظنوا أنهم خدعوا الموت ثم باغتهم برصاصة خائنة في ظهورهم. كانت تقولها بصوت الطفلة التي بداخلها، وكان هو يراقبها بعين فاقد الحيلة اليائس البائس الباكي.

ظل يذكرها بتلك الأيام التي عاشاها معًا برفقة بعضهما، خمس سنوات من الحب والعشق والهيام، والطفولة والشقاوة وما كانا يَعُدانه شقاءً، أما الآن فهو الرحمة الإلهية مقارنة بالمجهول الذي ينتظرانه ويهولانه، وكيف بهما لا يهولانه، فالحرب تأكل الأخضر واليابس، ولا تعبأ بالحب ولا الإنسانية، وتختزل كل مشاعر البشر في كراهية الآخر والعداء له، وترجح المصلحة على الرحمة ومشاعر الإنسانية الطاهرة المقدسة، وتبجل الجماعة والطائفة، وتعادي الفرد والشفقة والآخر.

أخذ يتغزل بها، ويداعب شعرها بيده التي لا تحمل صوت الموت الذي اختاره لها. ارخى المسدس وانزله من رأسها، أرسل بصره إلى النافذة فعاد الرسول بخبر الأفواج التي تلوذ بالفرار وخبر أولئك الذين يتساقطون تباعًا. استجمع قدرته على الكلام وقال: حبيبتي، تعلمين جيدًا أنني أصنع هذا لأنني أحبك، ورحمة بك مما قد يفعله هؤلاء المتوحشون بك، لا أريد لأنسي أن يلمسك سواي، وأظنك لا تريدين ذلك، لا أريد لجسد أن يدنس طهارتك، ولا أن تعيشي بذاكرة نتنة تطاردك كلما تصفحت حياتك. لا أظن هنالك حلٌ أفضل من هذا. أجهشت بالبكاء وأمسكت يده وضمتها لصدرها هي والمسدس، قبلت يده وبللتها بدموعها، أغمضت كلتا عينيها، وبقيت هكذا دون حراك، يصدر منها أنين أدمى قلبه فبكى، وجلسا على تلك الوضعية حتى بدأ صوت الرصاص يرتفع شيئًا فشيئًا.

ارخت كفيها لتطلق يده، لم يكن يملك من قوة أن يفعلها، كانت يده ترتعش، وقلبه يخفق بقوة، أدارت جسدها نحوها وهي تتخلص من طوقه جاثية على ركبتيها وكفيها كهرة، تناولت ابتسامة مزيفة كان قد ألقاها الموت كآخر هداياه لهما، واخذت تمسح دموعه وهي تهمس له بتودد: يا حبيبي، أعلم أنك تحبني، وصدقني لن أكرهك، بل بالعكس، خلصتني من كل تلك الكوابيس التي طاردتني، من كل تلك الخيالات التي أسرتني، من كل تلك الأحزان التي كانت لتتلبسني. أنت كنت ولا تزال بطلي، هيا فلا وقت لدينا نضيعه. امسكت كفه ورفعت المسدس ناحية صدغها، ثم أغمضت عينيها. وذرفت آخر دموعها قبل أن يعلو صوت الخلاص معلنًا نهاية قصتها، نهاية معاناتها المؤجلة، نهاية خطاياها القادمة، نهاية زلاتها المحتملة. غادرته وتركت خلفها جسدًا مضرجا بالموت، هاربة من موتٍ أقسى منه، أخذ يصرخ بصوت عالٍ وهو يحتضن جسدها الذي سكنت كل جوارحه ومفاصله. أخذ يمسح بيده الآثمة شعرها الليلي الملطخ بالقرمزي. لا عليك يا عزيزتي لن أتركك وحدك، وكان البكاء هو سيد الموقف.

وبعد أن اكتفى من البكاء ومسح آخر دمعة حية انسكبت على خده، أدخل السلاح في فمه، وكانت تلك رصاصة خلاصه، أمسك خياله بخيالها ورحلا من ركام المدينة التي رضخت لأصوات الرصاص ونضحت بألوان الموت. طرق عنيف تلى صوت الرصاصة الأخيرة، دخل مجموعة من المسلحين مشطوا البيت بحذر، أشار أحدهم إلى قائد المجموعة وهو ينظر لجثتين أحدهما لامرأة لم تفارق ملامحها الثلاثين، ورجل لم يعرف شعره لونًا سوى الأسود، سيدي يبدو أننا تأخرنا بضع دقائق. رفع قائدهم قبعته وأخذ يهز رأسه بحزن وهو ينظر نحو الأرض. أحد المسلحين بصوت عالٍ: سيدي كان هذا آخر منزل يمكننا إخلاءه لإخراج المدنيين من ساحة القتال إلى المخيمات، هيا بنا لم نعد نملك الكثير من الوقت، والذخائر لا تكفي لمواجهة العدو. ارتدى القائد قبعته، نظر بشفقة نحو الجثتين المتعانقتين، وهمس قائلًا: قتيلا حبٍ أم حرب، لم أعد أعلم الفرق بين وجوه الموت في هذه الحرب. التفت أحدهم ناحيته وقال: هل قلت شيئًا سيدي؟ لا شيء، هيا بنا فقط فهذه أقصى نقطة لنا، ليس مقدرًا لنا أن ننفقذهما، راهنا على رحمة الموت عوضًا عن رحمة القدر، فكان الموت قدرهما. هيا بنا.

انتصار إلهي

747e0d8c42f02998c4b0da7cc1e8f8ec1ffac552_m

نظر إلى السماء وقال للملأ: يا لغبائكم وحماقتكم، لو أن ربكم حقيقي وموجود هناك. غابت يده داخل كيس بلاستيكي اخرج منه ما يبدوا كتابًا مقدسًا، انزل سحاب بنطاله وقضى حاجته على غلافه أمام ذهول الناس، الكل يعيش عجز الصدمة الذي يجعلك لا تستجيب لأي أمر سوى الوقوف، ليترك الدهشة تصنع بك ما تصنع. أكمل ما كان يصنع وبدأ البعض يتدافع ليصل إليه، وقبل أن يصلوا إليه رفع كفه يطلب منهم الانتظار والتريث، ابتسم وقد اصابته نشوة انتصار، وعلت ملامح وجهه مشاهد الغرور وإشاراته، ثم قال بصوت عالٍ: يا أيها الناس، يا من تسمعون وتعقلون، أخاطب العاقل منكم، أخاطب من يريد أن يسمع الحق ويتبعه، احاججكم بهذا – مشيرًا إلى رأسه التي غطاها شعر أسود تتخلله خيوط من الأبيض- من يغلب حجتي هذه فسأعترف بربكم وخالقكم وصانعكم وموجدكم، ومن لا يغلب حجتي، فليعترف بي وليعظمني وليشهد أنني على حق، كان المشهد بالأسفل مضطرب جدًا، البعض يهم بالحراك، والآخر لا يقوى عليه، وثلة عاقلة تدعو الجميع بأن يتريث وتعانق أذرعهم صدور المتهورين منهم، ومنهم من ينادي بقتله ونحره كالنعاج، ويطلب رجمه كالشياطين والجان. وبينما الأغلبية غلب عليه الوجوم والدهشة، الجميع يراقب ولكن كلٌ بطريقته وخلفيته ومفاهيمه. صمت للحظة: نظر نحو الكتاب الملقي بين ساقيه؛ فقال ولا تكاد ابتسامته تفارقه: انظروا ماذا فعلت بكتابكم، انظروا ماذا صنعت بكلمات الخالق، انظر كيف دنست قداسته، وكيف أفسدت نظافته وطهره، إن كان هنالك خالق كما تدعون، ويقبل منكم ما تفعلوا ويرفض ما أفعل، فليقتلني الآن هنا، الآن ع هذه العتبة. ثم أعاد بصره إلى السماء. كان مساءً ملبدًا بالغيوم، لكنها لم تمنح تلك البقعة أي قطرة ترتوي منها.

هدأ الضجيج، وخفتت الأصوات، وشخصت الأبصار، والكل في تلك اللحظة قلق محتار. تمتم القليل بأدعية خفية يسأل فيها الخالق أن يقبض روحه، وآخرين أغمضوا أعينهم في تضرع يتمنون أن تنزل صاعقة تقسم جسده كقطعة يقطين. لم يحتمل الجميع ذلك الصمت وتلك الأدعية الخفية، فبدأوا يصيحون بالويل والثبور، وأن الجحيم مقر كل مختال فخور، وصاح البعض بأن الرب فوق السماء موجود وسينتقم منه قبل أن يفارق عتبته، بينما كان البعض لا يدري إلى أي الفريقين ينتمي.

مرت الدقائق الأولى من الحجة والرهان كأنها دهر من الزمان، تلفت الجميع وأخذوا يحدقون ببعضهم البعض، بدأت الشتائم تتمازج والصراخ يتعالى، بينما كتب الصمت على وجوه ثلة منهم أسطر من قناعة كادت أن تتلبسهم لولا أن شق السماء برق أضاء المساء وكأنها الظهيرة، وتلته أصوات اهتز لها البشر والحجر، تهللت أسارير البعض وكأنهم ظفروا بعظيم، أو كأن الجنة فتحت أبوابها لهم، وظنوا أن الضوء القادم سيشق صدر هذا المجرم الفاسق، صاحب الخطيئة التي لا تغتفر، وأنه لن يجد له لا منجى ولا مفر؛ فبدأ الجميع ينظر إلى السماء في انتظار البرق التالي، البرق الذي سيصنع العذاب ويكون المعجزة الشاهدة على حقه.

طال الانتظار كثيرًا، شعر الكثيرين بخيبة أمل، شعروا بالكراهية، بالحقد، بالكثير من المشاعر السلبية، صاح من بينهم رجل كهل: الرب منتقم منتقم. الوجوه تتفرس بعضها، والأفكار تتلاطم في تلك الرؤوس كبحر استيقظ للتو. الكل يتمنى لو مات هذا الرجل مع غضب السماء الأول، والبعض ينتظر المعجزة، ولكن لا شيء من هذا حدث. تحول الشعور من إثبات وجود، إلى خوف من أن يحمل المجتمعين خفي حنين، خوف من أن يهتز يقينهم، أن يتلاشى إيمانهم، أن تذوب قطعة الثلج التي تمسك بمياه قناعاتهم في قالبها الذي ظنوه أزليًا لا يتلاشى ولا يجف، حتى أن البعض بكى، وجع الهزيمة وقع على صدر البعض وكأنه فقد من يحب، وبينما المشاعر تتعاظم كموجة شتوية، رفع الرجل سحابه مزهوًا بنشوة انتصاره على الجموع، على الإله، على القدسية التي يرى أنها مزيفة ولا حقيقة لها ولا فيها، على المعجزات الخارقة، على الغيبيات غير المدركة، على الجان والملائكة والعقاب الرباني. وبينما كان يرتدي تلك المشاعر معطفًا يقيه مطر السباب والشتائم والكراهية، وبينما يقلب تلك الأمور في رأسه، أدركه شعور فضيع بالألم، إدراك متنصل من الحياة، إحساس بارد جدًا وكأن الهواء اخترق جسده كجدار من قماش، أدركه ذلك الشعور من التلاشى من الذهول والذبول والأفول فور سماع الناس لصوت عالٍ جدًا من خلفه لحقتها معجزة مضيئة ضربت عمودًا بقربه، بقعة حمراء أخذت تتسع رقعتها في ثيابه، مطر غزير أخذ يهطل على المكان ليبلل جسده الممرغ بلون الجوري الفاقع سقط على ركبتيه، ثم هوى نحو الأرض التي ارتطم جسده المحتضر بها. وبينما الجموع تراقب المشهد انسل من خلفه رجل يضع يده داخل معطفه واندمج بين الجموع التي تعالت صيحات النصر والفرح فيها.

علم الغد

377042754012

وقف عند بيت قديم جدًا يبدو كجلباب شحاذ، وصغير وكأنه خزانة ملابس. سمع صوت صديقه وهو يقول له: هذا الرجل لا يرد الله دعوته أبدًا، كل أهالي القرية يعرجون عليه ليقضي لهم حوائجهم، فتلك جارتنا خديجة انجبت؛ فقد قصدته بعد أن صبرت عشرين عامًا دون طفلٍ تهبه حنانها ويهبها شيئا يستحق الحياة، وذاك ابا سفيان كان سقيما وسأله الدعاء، فرفع الله عنه المرض وأصبح كالخيل لا يرى إلا مهرولًا في الأسواق. وبدأت الأسماء تتداخل في رأسه، بينما توسوس له نفسه بأن هذه فرصتك الذهبية التي قد تفتح أبواب الخير. طرق الباب وانتظر، مضى الوقت ببضع خطوات من الزمان ولم يفتح الباب، أطلق يده لتواقع الباب مرة أخرى وثالثة، دون أن يسمع أي استجابة من وراء ذلك الباب الخشبي الباهت.

وعندما هم بالانصراف وأدار وجهه قاصدًا ترك المكان في أثره، أخذ صرير الباب يتهادى إلى سمعه على مهل، لم يظهر له من قام بفتح الباب، وبقي واقفًا ينتظر أن يظهر له ولو ظل صاحب الدار، وبعد تردد طويل، عاد الباب ليغلق مرة أخرى على نفس الوتيرة البطيئة، حينها هرع مسرعًا وقال: يا شيخ يس، لحظة وأمسك الباب، ثم دخل بعد أن عقل مقصد الرجل. دخل فوجد رجلًا قصير القامة، يرتدي ثيابًا بالية، مغمض العينين، يدنو من عينيه المغمضتين أنفض مدبب، وتحته شفاه جافة يعلوها شارب أبيضٌ كثيف، ويلامس أسفله لحية كثيفة ممتدة كرمح من الثلج، يمسك بيمينه عصا، ويساره تعانق مقبض الباب. دفع الشيخ الباب على مهل ليغلقه خلف ضيفه، ثم مضى يتلمس ذاكرة الطريق بعصاه، حتى وصل إلى عتبة مرتفعة يعلوها الحصير، وفيها مساند مهترئة جلس بعد أن قام بترتيبها، وضع يده وطرق العتبة ثلاث مرات. وصل المراد إلى زيد وذهب ليجلس بقربه. ساد المكان صمت قصير قطعه الشيخ وقال: يبدو من صوتك أنك شاب في عقدك الثالث، ومن تصرفك تبدو طائشًا بعض الشيء، ما أسمك؟ كيف عرفت كل هذا! لم يتلق زيد أي إجابة فأخبر الشيخ باسمه.

نهض الشيخ من مكانه بينما أخذ زيد يحدق به، امسك بيده كوبًا يعلو زير الماء، فتح الغطاء، ادخل الكوب بداخله، ثم أخرجه. عاد مستدلًا بعصاه ع المكان، ناول الشيخ كوب الماء إلى زيد وقال له: ما خطبك يا بني؟ في الحقيقة يا شيخ يس…لأنك لم تشرب الماء رغم أنك عطش يبدو لي أن ما ستسأل عنه سيكون شيئًا أهم من الماء بالنسبة لك. تناول الماء ثم أكمل هكذا قطع الشيخ حبل السرد. خجل زيد وقضى من الكوب مراده ثم قال: يا شيخ، أتيتك لتدعو لي الله أن يرزقني شيئًا. ولكن لا أعلم إن كنت ستقبل هذا الأمر أم لا. هات ما عندك، رد بابتسامة وقبلة وجهه باتجاه صوت يزيد. أريد أن يرزقني الله القدرة على معرفة ما سيحدث لي قبل أن يحدث، أي قليل من علم الغد. صمت الشيخ بعد أن تجهم وجهه وبدت عليه ملامح الاستياء، أبعد وجهه عنه ونظر باتجاه قبلة جسده ووضع كلتا يديه على رأس عصاه الدائرية، أطلق نفسًا طويلًا وقال: يا بني، رأيت في ابن آدم شيئا لا يراه هو في نفسه رغم أنني الأعمى وهو المبصر. رأيت في كل من جاءني، أن من جاءني كان يريد أن ينال دعاءً لحظ من حظوظ الدنيا، لا شيء كان يطلب مني ليعين الطالب على حظ ما بعد الممات. طلبك هذا صدقني لن تطيقه، ولن تحتمله، يظن الإنسان بضعف حيلته، وقصور نظرته أنه لو ملك علوم الدنيا ومفاتيحها فلن يقدر عليه أحد، ولو علم الخالق أنه لو جعل للإنسان علم الغيب سيكون لمصلحته، لوهبه إياه. هل من طلب سواه؟ أجابه بشيء من الترجي: يا شيخ يس كلا أرجوك لا تردني خائبًا، فقط هذه، فكر في الأمر أرجوك. نهض الشيخ من مكانه واتجه في ممر مظلم قصير يقوده مصباح لا يخطئ ضوؤه، فتح الباب، وظل واقفًا عنده دون أن ينبس ببنت شفه. فهم زيد المراد وهم بالانصراف، وعندما وصل إلى الباب، امسك الشيخ كتفه وقال: فكر جيدًا فيما تطلبه، بعض رغباتنا الدفينة تبدو جنة في أذهاننا، جحيمٌ في واقعنا، فلا تختر أو تطلب ما قد تندم على امتلاكه. ابتسم زيد وقال: حسنًا سأفكر.

جلس زيد عند عتبة بيته محدقًا في نجوم السماء، وكلام الشيخ عالقٌ بقمة رأسه الذي اثقلته المسألة، وأخذ التفكير منه مساحته. كل ما كان يتمناه أن يعرف ما إذا كان سيصبح ثريًا كتجار القرية الذين كانوا يتنعمون ويمتلكون الأبل والماشية والخيول الأصيلة، والجواري الحسناوات ذوات الخدود المستديرة، كان يؤمن أنه عندما يعلم غيبه قد يستطيع تغيير مستقبله للأفضل، عاد إلى فراشه وتلك الفكرة لا تغادر ذهنه. أيقظته النافذة التي أخذت توجه ضوء الشمس على ملامحه المرتخية، نهض بعد أن فشل في تجاهل ازدياد وتيرتها. وبعد أن تناول كسرة خبز مع الزيت والحليب، ذهب نحو الباب قاصدًا السوق، توقف عنده ومقبضه بيده، شعر بإحساس غريب ولكنه ظن أنه مفعول الزيت الذي دأب على تناوله طوال الأسبوع المنصرم، ذهب إلى السوق وابصر انه رأي في أحد الطرقات صرة نقود، اخذ ذلك الطريق وكان له ما بدى له في مخيلته، تناولها وأخفاها بسرعة، تحسسها وهي داخل جلبابه، كان بها الكثير من النقود، أكثر مما ملك طوال حياته، أخذ يتقافز فرحا وسرورًا، شعر بأن الدنيا تضحك له لأول مرة وكأنه مولودها الأول، قرر العودة إلى بيته ليحتفل بما وجده، وأثناء سيره شعر بأنه سيلتقي بحسناء إن اختار هذا الطريق، أو سيلتقي جاره إن ذهب في الطريق الآخر، ودون شعور ذهب ناحية الطريق الأولى، فوجد الحسناء الكحلاء التي تبصرها وخطفت قلبه مذ رأها، ابصر أنه لو حادثها قد تستجيب له وحقا حصل، حينها أحس بأنه بات يرى غيبه، ويعلم علمه، ويفهم ما عليه فعله، وهرع إلى بيت الشيخ يس، وأخذ يطرق الباب بقوة شيخ يس شيخ يس.

فتح الشيخ الباب، فولج زيد إلى الداخل وأمسك برأس الشيخ وقال له: شكرًا لك يا شيخ شكرًا لك، الآن أنا جدًا سعيد. حال الشيخ بين جسديهما بكفه ودفعه عنه، أراد أن يدفع الباب؛ فأمسكه زيد وأغلقه، ثم تناول بيد الشيخ ليأخذه لمجلسه. نفض الشيخ يده ورفع عصاه وضرب بها زيد ثم قال بنبرة مستاءة: من قال لك أنني عاجز وأحتاج أن يساعدني أحد، إنني لمبصر أكثر منك وغيرك ممن يظنونني أعمى، فالعمى الحقيقي هو غياب القلب لا غياب البصر. ضحك زيد وقال له: هل تعلم أنني رأيت كل هذا وأردت التأكد منه، حقًا بت أرى المستقبل كما ظننت، رأيتك تفتح الباب، وتدفعني عنك، وتضربني بعصاك، شكرًا لأنك دعوت لي. ضم الشيخ شفاهه وصمت، دار بجسده وسار ناحية العتبة، جلس عليها، ثم قال: ألست الفتى الذي يدعى زيد والذي زارني البارحة؟ بل أنا هو بصوت يملؤه الحماس بشحمه ولحمه. قال الشيخ: لكنني لم أدعو لك بشيء، طلبت منك أن تفكر بطلبك وحسب، يبدو أن الله استجاب لك، أتمنى أن تحسن بك هذه المعرفة ولا تكون وبالًا عليك. يا شيخ أنت لا تعلم شيئًا، لقد وجدت صرة نقود به ألف دينار ذهبي، ثم وجدت حسناء يبدو أنها جارية لسيد سأشتريها وأعتقها ومن ثم اتزوج بها. أظنني حصلت على مفتاح السعادة الأبدي. غابت يده في جلبابه وخرجت تحمل عشر دنانير ذهبية، مدها نحوه وقال: يا شيخ يس خذ هذه النقود. نهض الشيخ وقال: وهل تظنني شحاذًا، اخرج من هنا أيه الأحمق، تظن الدنيا مال وجمال، ونسيت ربهما، ولم تذكره إلا لما تريده منه لسعادتك المؤقتة، ولا تدري ما يخفي لك الغد، وصدقني، ما هي إلا أيام وستأتيني تدعوني بغير ما جاء بك. ضحك زيد وقال: يا شيخ لست أظنك شحاذًا، وكذلك علمت أنك ستقول هذا، ولكن من يحيا يا شيخ الحياة والمعاناة التي عشتها، والفقر الذي تمرغت فيه، سيبقى يتمنى من الدنيا نصيبًا وإن زهد فيها. نهض الشيخ من مكانه، وقبل أن يحرك ساكنه، وضع زيد يده على كتفه وقال له: أعلم ما ستصنع، ستقف عند الباب، وستقول لي: لا تظن أن الناس كلهم خلقوا من طينتك، فهنالك فقراء كثر، لم يزدهم فقرهم إلا رغبة طيبة مطمئنة بتعويض الله لهم على صبرهم ومصابهم جنات لا ينالها الملوك والطغاة والأمراء إلا من رغب عن الدنيا إلى الآخرة. شكرًا لك، سأغلق الباب خلفي. انصرف زيد وعاد الشيخ ليجلس في مكانه في صمته وعزلته.

بعد أسبوع نهض الشيخ من ذات البقعة على صوت طرقٍ عنيف للباب، فتح الباب على مهلٍ وقد وقف خلفه معلنًا إذن الدخول للطارق، وعلى صرير الباب هتف الضيف: يا شيخ يس أرجوك أتوسل إليك لا تردني خائبًا كأول مرة. امسك الباب وسبق الشيخ إلى عتبته، أعلم كل ما ستقوله لي، ولكن أتمنى أن أقول شيئًا يغير ردك. ابتسم الشيخ وهو يخطو نحو العتبة، جلس وقال: هاتِ ما عندك. يا شيخ يس منذ أن بت أبصر الأمور، أصبحت لا أستطيع النوم بسهولة، فأنا أرى من يخطو عند باب منزلي، ومن يهم بسرقتي، وأرى طارق الباب، وأميز الصادق والكاذب، وكل هذه الأشياء رغم كونها قد تجعلني أظفر بكل ما أريد وأتجنب كل ما أخشى وأحذر، إلا أنها تغض مضجعي وتشعرني أحيانًا بالضجر، أفقد عنصر المفاجأة، أعرف كل عين خائنة، وكل نفس دنيئة، بت أكره الناس فهم لا يكفون عن الكذب، حتى أكثرهم صدقًا قد يعمد للكذب لمرة وأكثر. ثم صمت وأطرق برأسه. فقطع الصمت الشيخ قائلًا: يبدو أنك لم تأتِ فقط لتشكو من هذا، أكمل. نعم يا شيخ يس، إن أكثر ما يجعلني لا أستطيع أن أمضي في حياتي أنني أرى كم مرة أقترب من الموت، إن اتخذت ذلك الطريق سيدهسني خيلٌ فارٌ من صاحبه، وإن صعدت الجبل ستلدغني حية، وإن نزلت الوادي سيأكلني السبع، هربت من حريق السوق، نجوت من سهم فر من نبلة صياد، وجدت الموت يترصدني في كل خطوة، بت عوضًا عن الظفر بمتاع الدنيا وجمال الحياة، أهرب من الموت في كل يوم. لم أعد احتمل، بت أدعو الله أن يأخذ مني ما وهبني إياه، لا أريد معرفة الغد، فلم يعد يطيقها عقلي، ولم تعد تتوق إليها نفسي. أرجوك ارجوك ادعو الله فأنت رجل صالح قد يقبل الله دعاءك، وأنا رجل آثمُ لا أظن أن الله سيقبل دعائي. سحب الشيخ نفسًا عميقًا: أطرق إلى الأرض وقال: أظنك تعرف جيدًا ما أود أن أقول لك. بلى ستقول لي أنني أخبرتك بهذا، هل لك أن تقول لي شيئًا آخر أرجوك، لست أتلذذ معرفة ما يفترض بي أن اسمعه، أتمنى لو يفاجئني خبر أو قول أو فعل. ابتسم الشيخ وقال: لا أدري، كنت أنوي قبل أن تكمل أن ارفض لك طلبك، ولكنك الآن أشد صدقًا وأكثر يقينا بما تطلبه وتريده، سأدعو علّ الله يرفع عنك هذه المحنة. قاطعه بصوت يكاد يخالطه البكاء: والله إنها لمحنة ووالله إنها ليست بنعمة بل هي علي نقمة. قبل رأس الشيخ وشكره وانصرف يجر خلفه جسد الباب، وجسده الذي انهكته هذه المعرفة.

في اليوم التالي، استيقظ على عادته، تناول بعض الحليب والعسل والرغيف، ونهض واتجه نحو الباب، وقف بعد أن أمسك مقبضه وفك قفله. لم يرى شيئًا مما كان يراه قبل خروجه، فتح الباب وخرج وسار في الطرقات، فلم يسمع شيئًا في رأسه، قصد الجبل، ونزل الوادي ولا شيء يراه مما كان يراه فيما مضى من صباحاته، حينها تهللت أساريره، وفكت أغلال الفرح وقيوده، وأخذ يصرخ، شكرًا يا رب، شكرًا يا رب، والله لن أسألك علمًا لم يكن لينفعنا، علمًا يغض مضاجعنا، ويهلك تفكيرنا، ويجعلنا نرى كم مرة من الممكن أن يكون الموت قريبًا ولكن رحمتك ولطفك بنا يصرفه عنا، إما بتأخيرٍ هنا، أو قاطعٍ يقطع علينا طريقنا من هناك، أو مرضٍ يقعدنا عن الخروج قاصدين الموت، وهو يعرض عنا بإرادتك. ثم أخذ يجري من مكانه إلى بيت الشيخ يس، وأخذ الباب نصيبه من الطرق، لكن الباب لم يفتح، وبعد أن تعبت يده، وركن حماسه، سأل أحد المارة عن صاحب الدار الشيخ يس إن كان موجودًا، نظر الرجل إليه: عمّن تتحدث يا فتى، هذا البيت لم يقطنه أحد، كان لعجوز القرية أم سلمة وتوفيت منذ أكثر من ثلاثة أشهر. تسمر زيد كساق نخلة، وهو يسأل بإلحاح، لا تمزح معي يا رجل ما بك. دفعه الرجل وقال: وهل تظنني أكذب، اغرب عن وجهي. أوقف رجلًا ثانيًا وثالثًا، ولم يسمع سوى نفس الا جابة، حينها تمنى لو انه يرى ما كان يراه ويصغي لما كان يسمعه، وبينما كان ينازع حيرته تذكر أمرًا، وذهب مهرولًا باتجاه الشرق، وصل عند بيت يكاد يشبه إلى حد ما بيت الشيخ يس ولكنه أفضل حالًا منه، طرق الباب بقوة يا أبا مصعب، يا أبا مصعب. أخذ ينادي. وحين ترائي له ظل من شرخ صغير في الباب، قال: يا أبا مصعب، افتح بسرعة أريد فقط أن اسألك سؤالًا واحدًا، فتح الباب وخرج أبو مصعب فسأله بتعجب: ما بك طارقًا بابي على غير عادتك صباحا وبهذا الشكل المزعج. يا أبا مصعب، أما والله إنني سأجن، أخبرني بالله عليك، أليس منزل الشيخ يس يقع في الضاحية الغربية من قريتنا بقرب منزل عائشة أم المغيرة. بماذا تهذي عن ماذا تتحدث، وأي شيخ تتحدث عنه. يا أبا مصعب الشيخ يس الذي اخبرتني بأن أهل القرية يقصدونه كي يدعو الله ليرفع عنهم أو ليهبهم شيئًا يتمنونه! يبدو أنك اليوم استقيت كادتك الكثير من الخمر، ويبدو أنه أفقدك عقلك، رد عليه أبو مصعب واخذ يهز رأسه بتذمر. أطرق زيد يفكر، وكمن تذكرت قدرًا على النار قد نسيته، هرول زيد باتجاه بيته، وعندما وصل، أخذ يبحث في كل مكان عن الشيء الوحيد الذي سيثبت له أنه ليس مخمورًا، وظن أنه بمجرد حصوله على هذا الشيء وذلك الدليل ستتوقف حيرته ويعرف يقينه، وحين وجد صرة النقود ووجد بداخلها الدنانير الذهبية، ما زاده ذلك إلا حيرة وضياعًا، وجلس يحدق في الصرة والنقود التي أخرجها منها دون أن يجد إجابات لم حدث له.

في اليوم التالي، قصد زيد الجبل صباحًا وأثناء صعوده إياه، لدغته أفعى سامة، تلوى من الألم إثرها، أخرج صرة النقود ينظرها، أخذ يضحك وهو يردد موت رحيم، من العزيز الرحيم، دون علمٍ منا وبتقدير العليم، لهو خير من حياة نهرب فيها من الموت، فنبدوا أكثر موتًا من الميتين، رددها أكثر من مرة حتى فارق الحياة

رحلة الموت

sailing-boat,-ship,-cliff,-dark-sunset-159689

أقسم لك يا سيدي أنني لا أملك إلا هذا المبلغ، أرجوك خذنا معك. هز رأسه وبغضب ألقى المال في وجهه: أغرب عن وجهي، سيأتي غيرك ألف شخص آخر يملك أكثر وقد يدفع لي أكثر. ولكن يا سيدي انظر لمن معي حالتنا يرثى لها، ولا نستطيع أن نعود، ولو عدنا فإن خفي حنين هو كل ما سنعود به وحفنة مما تعرفه أو تتخيله، فمصيرنا في هذا الاتجاه معلومٌ ومجهول هو الآخر يا سيدي، دعنا فقط نأتِ معكم، صدقني لسنا بدناء، انظر نحن ومن شدة الجوع كفرت أجسادنا بالثياب فلم نعد نتسع لها. دفعه رجلان آخران كانا يعدان المبالغ ويدونان الأسماء المستجدة، حتى سقط على الأرض هو والطفلة التي يحملها في يده، هرعت سيدة متقدمة في السن تدفع الرجلين بعيدًا عنه: وبصوت غاضب مشوب بحزن: ابتعد عنه، الله الغني ابتعد عنه يا حيوان. دفعها أحدهما دون أن يهمه كونها سيدة؛ فسقطت بالقرب من الرجل والطفلة التي ارتطم رأسها بحصى صغيرة تسببت له بخدوش وجروح سالت من بعضها الدماء.

أخذ حاتم يجري في أرجاء المكان ويصرخ: بسمة، تاليا، مصعب أين أنتم، بسمة! وحين نال مبلغه من اليأس، بدأ ينادي بصوت مختلط ببكاء، فسمع صوتا من خلف الركام، جرى هو ومجموعة من المحيطين به باتجاه الصوت، وقف الجميع يصرخون ويهللون: هنالك أحياء هنالك أحياء، الله أكبر. خرج صوت سيدة وصياح أطفال من خلف غرفة شبه منهارة بقت صامدة أمام براميل المتفجرات التي تهاوت فوق رؤوس العالمين، بدأ الناس يحومون حول الغرفة والركام المحيط، حتى وجدوا فتحة بالكاد تخرج قطة، وعملوا على توسيعها بكل ما توافر من أدوات حولهم، وبعد زهاء النصف ساعة انتهوا مما بدأوه، فدخل هو وخرج بعد قليل وهو يدفع طفلة لم تتجاوز الرابعة عبر تلك الفتحة ووجهها مليء بالتراب، ثم وبعد أن يلتقفها الناس منه، يخرج فتى لم يكمل التاسعة، وتبعته سيدة علق حجابها وهم يسحبونها، فأنكشف شعرها، فقالت متوسلة: هل لكم أن تغطوا شعري أرجوكم. وخرج خلقها حاتم، بعد أن أجلسها الناس وقدموا لها الماء. بدأ الناس يكبرون ويهللون وهم يهنئون حاتم بسلامة عائلته، ويخبرونه أنها لمعجزة أن ينجو من الموت كل أسرته، وبعد أن ارتاح، أخذ يبحث عن الأشياء المهمة بين الركام، وعاد إلى داخل الغرفة وجمع كل المقتنيات التي وجدها، ثم همس لزوجته، سنذهب إلى تركيا، نظرت إليه: لم نكمل عاما مذ رحلنا من حمص، وها نحن يطاردنا الموت أينما حللنا. ينظر إليها مبتسما: لا تقلقي، سمعت الكثير عن حال اللاجئين في تركيا، إنها نعيم مقارنة بهنا.

بصوت لاهث وجبين يتصبب عرقًا: من هذا الاتجاه يا بسمة. يا أبو مصعب لنا يومان نسير مذ انزلتنا السيارة التي اوصلتنا لم نطعم شيئًا، وكما ترى فابنك متعب، وأنت تقول أننا اقتربنا من الحدود التركية، قالت له زوجته بسمة وقد بلغ منها التعب مبلغه، وتلونت ثيابها بكل الألوان التي مروا بها في طريقهم من منزلهم الكائن في حمص التي غادروها منذ قرابة شهر ليستقروا بعدها في معرة النعمان، التي أمطرت سماؤها الكثير من البراميل، مما أجبرهم على أن يكملوا رحلة الشتاء والصيف التي بدأوها مذ أن بدأت السيوف البارودية تتقاطع بين المعارضة والجيش النظامي. توقفت قدماه المتورمتين عن الحراك، وكبحار وضع يده فوق جبينه ليحمي عينيه من الشمس محدقًا في الطريق التي لا يبدوا أن لها نهاية. أترين تلك الشجرة هناك؟ تجيبه عن أي أشجار والطريق مقفرة هنا تجيبه باستغراب. يبتسم ويقول: تلك تلك البعيدة، حين نصل إليه سنقف عند ظلها. تعلم جيدًا أن نظري ضعيف، أرجوك لا تستغفل حواسي، تسأل ابنها: هل هنالك شجرة حيث يشير والدك؟ هز رأسه مؤيدًا بعد أن أشار له والده خفية بأن يجيبها بنعم. رفعت رأسها نحوه: هلا كففت عن هذا. يا تاليا هل ترين شجرة هناك. فتهز بكل براءة رأسها وهي بين ذراعي أبيها بلا. فيعضها حاتم ويقول لها: تفضحينني في كل مرة. ثم يلتفت إلى زوجته: دعينا نكمل لم يبقى الكثير.

“Eğer sınır geçemezse” قالها شرطي الحدود للطوابير التي اصطفت على الشريط الحدودي التركي، كان الناس يتدافعون محاولين الدخول إلى تركيا، الأعداد مهولة، والمساحات كلها ممتلئة بالمخيمات، والصناديق الكارتونية التي صنع البعض منها سترًا وستارًا له ولأهله، كان الوضع مزريًا جدًا. جلست بسمة ونام في حجرها ملاكيها تاليا ومصعب، وكانت تنازع التعب، وتحارب جنود النوم خوفًا من أن يسقط أبنائها من حجرها فيستيقظوا، بينما يبحث حاتم عن لقمة عيش تسد جوعهم. وبعد أن غفت لثوانٍ معدودة أيقظتها رائحة افتقدتها لمدة طويلة، رائحة الخبز التي كان يمررها عبر شفاهها وهو يهمس لها، كل فأنتِ جائعة، وكعادة كل أم، لم تلمس حلمات لسانها أي شيء قبل أن تضعها في فم صغيريها. كلا جيدًا، ولا تستعجلا وامضغا الاكل جيدًا. كانت تدرك أن المضغ الجيد سيجعلهم يكتفون بالقليل. وبعد أن عادا إلى النوم، بدأت هي تتناول الطعام وتنظر إلى ثيابهم الرثة، وحالة زوجها البائس، والذي ألقى ببصره في اتجاه، وعقله في اتجاه لا يعلمه إلا هو. انسالت دموعها وهي تنظر لما وصلوا إليه، جوع وتشرد، بؤس وطوابير طويلة، خوف استمر لأسابيع، وقد يستمر لشهور عديدة. كانت هذه أول مرة تفقد الشعور بالأمان وهي معه وبقربه، ترى أن المسافة التي تفصلهما وكأنها المسافة بين المشرق والمغرب، كانت تبكي حتى تبلل الرغيف القابع بين أسنانها واصابعها المرتجفة بالوجع. أخرجت الرغيف من ثغرها، وقسمت منه جزء له.

وقبل أن يغفو الأمل على رصيف الحدود دون غطاء يقيه هذا التشرد، استيقظ بعد أن بدأت شرطة الحدود بإدخال الطوابير إلى داخل الأراضي التركية، حينها فقط استطاعت بسمة أن تستعيده بسمتها، وأن ينفض حاتم مشقة الطريق ومخاطر الموت التي مر بها في طريقه إلى الأراضي التركية، آن الأوان كي يخرج من بلد لفظ مواطنيه وساكنيه والعابرين به، وجدوا الطعام والخيام، واستطاع الجميع أن ينام بعيدًا عن ضجيج الصواريخ وصوت الرصاص يعبر بين جدارين.

إلى أين تذهب يا أبو مصعب؟ نحن هنا منذ أسبوع يا بسمة، والحال صعبة، والوضع يتردى يومًا بعد يوم، بعد أن فررنا من الموت، جئنا إلى هم أكبر منه. ثم عاد إليها مسرعا وأقترب وجلس عند قدميها وأخذ يهمس لها: سمعت بعض الأشخاص يتحدثون عن أحد المهربين الذي سيأخذنا إلى شواطئ البحر الأبيض المتوسط وننتقل منه إلى اليونان، الكل ذهب إلى هناك. تقاطعه وقد ألم بها غضب لم يعهده منها: كفانا الله شر الترحال، لن أبارح مكاني، في كل مرة تقول أن الشجرة هناك الشجرة هناك، لم أرى تلك الشجرة بعد، طريق طويل قطعناه، كدنا نقع في قبضة القتلة عدة مرات، والله لم أعد أقوى يا أبا مصعب، ثم بدأت تبكي، ألا يكفي ما صنعته بنا الأيام لتطلب مني أن أمضي في رحلة إلى المجهول، لا أعرف ماذا يخبئ لنا اليونان. احتضنها حاتم بشدة وقال: أعدك أنها ستكون أخر رحلة، ولن نضطر بعدها للرحيل، لكن علينا أن نبيع بعض الذهب الذي معنا حتى نوفر المبلغ. قطع الذهب هذه آخر ما نملك يا حاتم، إن كنا سنبيعه، فأرجوك تأكد ألا ينصب علينا الرجل وأن يوصلنا إلى حيث يفترض بنا. وبعد بحث مضنٍ وصل حاتم إلى المهرب، واتفق معه على المبلغ، وبدأت رحلة أقل مشقة من ذي قبل مع عائلته إلى شواطئ تركيا المطلة على جزيرة كونر، أنزلهم الرجل من سيارته وأشار نحو تجمع على أحد الشواطئ وقال: اذهبوا إلى هناك وستجدون رجلًا يدعى أحمد الليبي أخبروه أنني من احضركم وسيقوم بالواجب.

خفت قدما حاتم وزوجته رغم التقرحات التي ألمت بها أثر المسير الطويل الذي رافق أحذيتهم البالية، وسارا حتى وصلا عند التجمع القريب من الشاطئ، وسألا عن أحمد الليبي، ولم يجدا شخصًا بهذا الاسم، شعر حاتم حينها ببعض القلق، وظل يضع كل الاحتمالات تحت الحسبان، ربما نصب عليهما المهرب، ربما أخذ أكثر مما يجب، ولكنه ينفض هذه الأفكار لأن الجميع أخبره أن هذا هو المبلغ الذي دفعه من سبقه للهرب إلى اليونان، لم يعد يتسع عقله لمزيد من التفكير، وكاد أن ينفجر غاضبا في وجه المهربين الموجودين، ولكنه خشي أن يفقد كل شيء. جاءت بسمة ووضعت يدها على كتفه وقالت: اهدأ، دعنا ننتظر ونبت هنا معهم ونرى ما سنفعله في المساء، قدم لهما بقية اللاجئين بعض الماء ووجبة خفيفة بالكاد تطرد الجوع عنهم، وأخذوا قسطا من الراحة حتى حل المساء.

بدأ الناس يتجهون نحو الشاطئ وقد اقتربت سفينة كبير انزلت منها قاربًا، انتصب بعض المهربين فوق الماء عند طرف الشاطئ بعد أن توقف القارب عندهم: على التالية أسمائهم الركوب إلى القارب الذي سيأخذهم لتلك السفينة قال أحد المهربين الذي يبدوا وكأنه المشرف على عملية التهريب. أخذ القارب يذهب ويجيء كالمراجيح، حتى تبقى فقط في الجزيرة مجموعة من الأشخاص لم تكن أسمائهم على القائمة، فقال لهم المشرف: أسمائكم ليست على القائمة، واكتمل النصاب، قد نأخذكم بشرط أن تدفعوا ألف يورو. تعالت أصوات متفرقة تقول جمل متشابهة، خلاصتها: أنهم جميعا دفعوا ما قدره ألفين يورو لرجل قال إنك سينقلنا إلى اليونان. هز رأسه: لا أعلم عن ماذا تتحدثون، ولكن لا شأن لي، من يدفع فليتقدم. أخذ الجميع يبحث في جيبه دون جدوى، امسكت بسمة بزوجها قبل أن يندفع وقالت له: اهدأ أعلم أنك غاضب جدًا، لكننا في مكان لا نعرفه، ورأيت خلف حزام هذا الرجل سلاح، انتبه لتصرفاتك. أخرج كل ما في جيبه من نقود وتوجه نحو الرجل.

نهض بعد أن دفعه الرجل وزوجته وذهب يتفقدهم وهو ينظر إلى المهرب ويتمنى لو أن به قوة أمام ذلك السلاح الذي يخفيه المهرب، استسلم للأمر الواقع، بينما كانت زوجته تحاول ان تخفي حزنها ومخاوفها وألمها كي لا تضغط عليه أكثر فيصنع ما لا يحمد عقباه. ابتعد المهربين في المركب حتى وصل بهم إلى السفينة التي اختفت خلف ستار الظلام المرصع بالنجوم.

وبينما هم جالسون عند الشاطئ، كانت بسمة تضمد جروح ابنتها بقطعة مزقتها من ثيابها، وزوجها لا زال يحدق في الأفق المظلم، في الأمل الكائن خلف هذا السواد الممتد، وبينما هو كذلك، أتت مجموعة من الرجال من بعيد يحملون قاربًا مطاطيًا برتقاليًا، وقال أحدهم بصوت مرتفع: أعتذر عن التأخير، لكن كنا نواجه مشكلة وقمنا بحلها. لم يفهم أي ممن بقى أي شيء مما يقولونه. وحين اقترب منهم قال: أعلم أنكم في حيرة، أنا أحمد الليبي. تغيرت ملامح الجميع، وكأن الروح نفخت في أجسادهم مرة أخرى، وعادت قلوبهم تنبض، والبعض منهم لشدة حماسته أخذ يكبر ويهلل. ابتسم أحمد وهو يوجه الرجال لإنزال القارب المطاطي في الماء، ثم بدأ يأخذ الأسماء ويتأكد من تطابقها، وحين فرغ من ذلك، أخذ يشير إلى الجميع أن يأخذوا مواقعهم في القارب بحسب التشكيلة التي يصفها لهم حتى لا يختل توازنهم فيه. كان حاتم حينها يشعر بفرح غامر وهو يصعد على القارب، وفي لحظة من البهجة والراحة وضع رأسه على رأس بسمة وأغمض عينه، وشعر أن الدنيا ورغم سوادها اليوم قد اشرقت في داخله، وأن كل الهموم التي مر بها للتو تبددت، وأن روحه ارتدت ثوب الزفاف اليوم لتزف كعروس جديدة لحياة جديدة.

سار القارب يشق ظلمات البحر، والأفكار الجميلة تراود كل فردٍ فيها، وبعد أن قطع القارب مسافة خمسة كيلومترات، ضحكت بسمة، فنظر إليها حاتم وسألها: ما بك تضحكين. ابتسمت وقالت: يبدو أن تاليا قد بللتني. فقالت بكل براءة: أمي لم أبلل ثيابي. ومع تلك الجملة، أدرك الجميع المشكلة وبدأوا يشعرون بأن الماء والهواء يتسربان، أحدهم من القارب والآخر إليه، أخذ الجميع يصرخ، فطلب أحمد من الجميع الهدوء حتى يبحث عن موقع الخلل، ولكن لم يستطع أن يمنع الجزع الذي أصابهم، فالجزع دائمًا ما يسبق التفكير، حينها بدى للجميع أن القارب لم يعد يستطيع حمل أحد، وأن الغلبة الآن لمن يجيد السباحة، لم يكن أغلب من في القارب يجيد السباحة، لم يكن من في القارب يرتدي سترة نجاة، لم يكن أحد يعرف ماذا عليه أن يصنع.

في الصباح الباكر، كانت بسمة ممددة على الشاطئ وعلى مقربة منها كان زوجها وابنها مصعب وابنتها تاليا ومجموعة أخرى من اللاجئين، اللاجئين الذين هربوا من بحر الدماء القاتل، إلى بحر قاتل لا دماء فيه، هربوا من أصوات الرصاص، ومن براميل الموت، هربوا من ضمائر لا ترحم، إلى ضمائر ظنوها ارحم، وهربوا في رحلة طويلة شاقة من الموت، إلى موت جاءهم يزف أرواحهم التي لم تعش الفرح إلا للحظات غرقت مع آخر نفس لفظوه وهم يتشبثون بهذه الحياة التي لا ترحم.

.

قهوة باردة

index

فتحت عينيها وأخذت تحدق بالسقف بعد أن طردها النوم من قاعة الحلم، كان عقلها يقلب الكثير الأوراق، وشريط الذكريات أخذ يعبر الخدوش التي أحدثها الزمن في جدار الغرفة وهي تحوم حول أرجائها شبه المعتمة. مدت يدها نحو الطاولة الملتصقة بسريرها وسحبت هاتفها منه، نظرت إلى الساعة، كانت تشير إلى الساعة الثامنة مساءً، بحثت بين الرسائل سريعًا عن شيء عدى الأخبار والإشاعات والتهنئة الفارغة، وحين فقدت الأمل بحمامها الزاجل، أعادت الهاتف لمكانه وقامت بالضغط على زر تشغيل الثريا المعلق على الحائط فوق ملاذها الوحيد، لتساند المصباح الأصفر الصغير الذي لا تحب أن تتركه دون روح تطرد الظلام الذي تخاف معانيه. نهضت وقد اتجهت نحو المرآة وأخذت تمشط شعرها، وبينما هي على ذلك، سحبت نفسًا عميقًا ثم عاد المشط لينزلق بين خصلات شعرها الأسود، أخذت تحدق في ملامحها التي سخرت منها السنوات بعد أن تركت آثارها عليها، أخذت تتلمس تجاعيده وتعبر تجاويفه، وأخرجت علبة مساحيق التجميل، ووضعتها أمامها.

مررت كفيها على ساقيها اللتان أخفتهما بإتقان عن الزمن كي لا يصنع بهما ما يصنع بالإنسان عند مروره بجسده، أو ما صنع بوجهها، نظرت لجسدها الذي أخفت أجزاءً منه بملابسها الداخلية، تحسست بطنها المشدود، ثم بدأت تنظر للطائر المحلق المرسوم بين صدرها وعنقها، لا شيء يعيبها وكل هذا تملكه، كانت تملك جسدًا مشدودًا، وقوامًا ممشوقًا، ولونًا أبيض ساحر خلاب يجتاح كما الربيع كل سهولها وأراضيها. خرجت من الغرفة وعادت وقد طوقت نفسها بمنشفة كبيرة، ومنشفة أخرى صغيرة كومتها فوق رأسها كالملوك القدامى.

عادت لتجلس أمام انعكاسها، بذات الصمت ونفس الهدوء، وأخذت تحرك الفرشاة تارة، وتارة قطعة من القطن، ثم أصبعًا دبقًا باللون الأحمر، وآخر يميل إلى الجفاف أسودٌ مررته بجفنيها بخفة كما يفعل النّحات مع قطعة خشب باهضه الثمن، وحين انتهت، سرحت طويلًا في تلك التي صنعتها بيديها، فكرت طويلًا، هي ستصلح هذه المرة، أم ستخيب في أن تصل بها لما تريد. وبعد الكثير من التحديق والتحسين، فكت وثاق شعرها، وعادت لتمشطه من جديد، على صوت جهاز التجفيف الذي صنع ضجيجًا كانت تفتقده في غرفتها الساكنة.

وبعد أن انهت تمشيط شعرها وتجفيفه، اعتدلت لتخرج من شرنقتها وعكفت تحدق في جسدها العاري، وبعد تأمل طويل رسمت ابتسامة واسعة بعد أن شعرت بثقة كبيرة، سحبت نفسًا عميقا مبتهجًا ورفعت حاجبها بغرور وأخذت تحدث انعكاسها: اليوم سيكون مختلفًا، اليوم سأحظى بما أريد، فلا أحد سيرفض كل هذا، ومن يستطيع أصلًا، فقط أريد منه أن يصل لهذه المرحلة، ولن أجعله يندم، سأجعله يحلق ويزحف ويسبح كيفما شاء. تناولت مرطب الجسم برائحة الفراولة الذي تحبه، وأغرقت يدها به، ثم تركت يداها تنزلقان في كل الاتجاهات، ولم تترك بقعة من جسدها لم تمر بها. تناولت من خزانة ملابسها قميصا بكم طويل يستر ذراعيها وصدرها، ارتدته على مهل، وبنطالٌ قصيرٌ لا يستر إلا شبرين من أعلى فخذيها، بحذاء أحمر وحناء أظافر تتستر بذات اللون. أما اناملها فقد سحبت من الدرج الكثير من الخواتم والاساور وقطع الإكسسوار المبالغ فيها، وبعد أن شعرت أن كل شيء في مكانه أو كما يجب، أغلقت باب شقتها الصغيرة وتركت بعض المصابيح الخافتة فيه مضاءة.

سارت على أربع قوائم مطاطية حتى وصلت إلى شارع المطاعم الكبير، كانت ترمي ببصرها بحثًا عن موقفين، واحد لسيارتها، والآخر لقلبها، وبعد بحث طويل في هذا الشارع النابض بالحياة، ترجلت من سيارتها، وبهدوء أغلقت الباب خلفها، سارت وبدأ حذائها يعزف لحنه الملفت. وع ذلك الوقع كانت تنظر إلى الأرض تارة كي تظهر لمن يحدق بها أنها لا تبالي بأحد وأنها تملك بين قمة رأسها وأخمص قدميها ما يستحق أن يُلتَفَتُ إليه، وتارة ترفع بصرها تتفرس الوجوه علّها تجد عينًا تحدق باهتمام، وما بين النظرتين محاولات خفية للفت الانتباه.

كل عين نظرت إليها من الخلف سحرها اللون الأبيض الصارخ والنافذ من ساقيها، وكل من كان ينظر من الأمام لا يرتد بصره لأعلى من ساقيها. كانت تنتشي وكأن كل نظرة ما هي إلا قطرة في كأس نبيذ فاخر تصب لها. بعد الكثير من المسير والتحديق، وبعد أن امتلئ كأسها، دخلت أحد المقاهي التي تتردد دائمًا عليها. وضعت أمامها كوب قهوتها الذي سيبقيها يقظة لأي التفاتة، اتخذت طاولتها المعتادة مكانا لجلوسها، اعتدلت في جلستها ووضعت ساقًا فوق الأخرى.

عن يمينها جلست مجموعة من الشبان تتراوح أعمارهم بين العشرين والرابعة والعشرون ربيعًا، وعن شمالها يجلس شاب وزوجته، في بوتقة تقول بشكل واضح “لم نكمل عامنا الأول من الزواج”، كانا متلاصقين جسدًا، متنافرين انتباهًا واهتمامًا، في يد كل منهما هاتفه يقلبه كيف يشاء، ومجموعة أخرى انشغلوا بأحاديثهم الخاصة وضحكاتهم العالية.

أخرجت هاتفها وبدأت تقلب الرسائل طويلًا، ثم أغلقته، ثم بدأت مسرحية التحديق في كل اتجاه بهدوء تارة وبيأس تارة أخرى. أخذت تبحث عن حظها في عيون الشباب وعن ملجأ لها في أجسادهم، كانت تبحث عن أي التفاتة تقول لها “أنت جميلة” التفاتة تقول لها “هل يمكنني الجلوس في هذا الكرسي برفقتك” أو حتى ابتسامة يلقيها عابر سبيل يعيد لها الشعور بأنها جميلة أو يزرع فيها اليقين بأنها لا زالت فاتنة تستطيع أن تجر خلفها كل من تشتهي وتريد كما كانت تفعل.

انقضي المساء، وانتصف الليل، وبدأ الظلام يحزم أمتعته فرحلته لم يبقى لها الكثير من الوقت، تركت هي خلفها كوب قهوتها الباردة، وطاولة فشلت في جمع شتاتين، وعادت إلى شقتها. وصلت إلى غرفتها، وقفت أمام المرآة، تناولت منديلًا مسحت به مساحيق التجميل من على وجهها، ومسحت دموعًا انسابت دون أن تشعر بها، ألقت بثيابها في المكان الذي كانت تقف فيه حين خلعتها. اقتربت من ملاذها الآمن مررت يدها على طوله تمسحه وكأنها تتحسس الأطياف التي مرت من هنا وهي جالسة على طرفه، هذا هو المكان الذي اعتاد أن يحمل جسدها وأجساد غرباء آخرين كانوا يبددون وحدتها، أجسادًا لم تعرف عناوينها ولا أعمارها ولا حتى موطنها، أجسادا مارس أصحابها الكذب، وهبوها أسماء مستعارة، وأعمارا مستعارة، وحتى مشاعر مستعارة، الصدق الوحيد الذي مارسته تلك الأجساد هو الرحيل دون عودة، تاركين خلفهم جسد أنثى يبحث عن موطن، يبحث عن ملجأ، يبحث عن ذاكرة لشيء حقيقي سوى هذا العالم المظلم الذي تحاول أن تهرب منه.

سحبت غطائها وكممت حزنها وتركت دموعها تبلل وسادتها، ومصباحها الأصفر يحاول بصعوبة أن يبدد تلك الوحدة التي تحيط بالمكان.